{ وَأَقِمِ الصلاة } أي المكتوبة ، ومعنى إقامتها أداؤها على تمامها .
وقيل : المداومة عليها ، وقيل : فعلها في أول وقتها { طَرَفَىِ النهار } أي أوله وآخره وانتصابخ على الظرفية لأتم ويضعف كونه ظرفاً للصلاة ووجه انتصابه على ذلك إضافته إلى الظرف { وَزُلَفاً مِّنَ اليل } أي ساعات منه قريبة من النهار فإنه من أزلفه إذا قربه .
وقال الليث : هي طائفة من أول الليل ، وكذا قال ثعلب ، وقال أبو عبيدة . والأخفش . وابن قتيبة : هي مطلق ساعات واناؤه وكل ساعة زلفة ، وأنشدوا للعجاج
: ناج طواه الاين مما وجفا *** طي الليالي زلفا فزلفاسماوة الهلال حتى احقوقفا
وهو عطف على { طَرَفَىِ النهار } ، و { مِّنَ اليل } في موضع الصفة له ، والمراد بصلاة الطرفين قيل : صلاة الصبح والعصر ، وروي ذلك عن الحسن . وقتادة . والضحاك ، واستظهر ذلك أبو حيان بناءاً على أن طرف الشيء يقتضي يكون من الشيء ، والتزم أن أول النهار من الفجر ، وقد يطلق طرف الشيء على الملاصق لأوله وآخره مجازاً فيمكن اعتبار النهار من طلوع الشمس مع صحة ما ذكروه في صلاة الطرف الأول بجعل التثنية هنا مثلها في قولهم : القلم أحد اللسانين إلا أنه قيل بشذوذ ذلك .
وروي عن ابن عباس واختاره الطبري أن المراذ صلاة الصبح والمغرب فإن كان النهار من أول الفجر إلى غروب الشمس فالمغرب طرف مجازاً وهو حقيقة طرف الليل ، وإن كان من طلوع الشمس إلى غروبها فالصبح كالمغرب طرف مجازي ، وقال مجاهد . ومحمد بن كعب القرظي : الطرف الأول الصبح . والثاني الظهر . والعصر ، واختار ذلك ابن عطية ، وأنت تعلم أن في جعل الظهر من الطرف الثاني خفاء وإنما الظهر نصف النهار والنصف لا يسمى طرفاً إلى بمجاز بعيد ، والمراد بصلاة الزلف عند الأكثر صلاة المغرب والعشاء .
وروى الحسن في ذلك خبراً مرفوعاً ، وعن ابن عباس أنه فسر صلاة الزلف بصلاة العتمة وهي ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق وقد تطلق على وقت صلاة العشاء الآخرة ، وأغرب من قال : صلاة الطرفين صلاة الظهر والعصر ، وصلاة الزلف صلاة المغرب . والعشاء . والصبح ، وقيل : معنى { *زلفا } قربا ، وحقه على هذا كما في الكشاف أن يعطف على الصلاة أي أقم الصلاة طرفي النهار وأقم زلفا من الليل أي صلوات تتقرب بها إلى الله عز وجل انتهى ، قيل : والمراد بها على هذا صلاة العشاء والتهجد وقد كان واجباً عليه عليه الصلاة والسلام ، أو العشاء . والوتر على ما ذهب إليه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ، أو المجموع كما يقتضيه ظاهر الجمع ، وقد تفسر بصلاة المغرب والعشاء واختاره البعض وقد جاء إطلاق الجمع على الاثنين فلا حاجة إلى التزام أن ذلك باعتبار أن كل ركعة قربة فتحقق قرب الثلاث فيما ذكر .
وقرأ طلحة . وابن أبي اسحق . وأبو جعفر { *زلفا } بضم اللام إما على أنه جمع زلفة أيضاً ولكن ضمت عينه اتباعاً لفائه . أو على أنه اسم مفرد كعنق . أو جمع زليف بمعنى زلفة كرغيف ورغف ، وقرأ مجاهد . وابن محيصن باسكان اللام كبسر بالضم والسكون في بسرة ، وهو على هذا على ما في البحر اسم جنس ، وفي رواية عنهما أنهما قرآ زلفى كحبلى وهو بمعنى زلفة فإن تاء التأنيث وألفه قد يتعاقبان نحو قربى وقربة ، وجوز أن تكون هذه الألف بدلاً من التنوين إجراءاً للوصل مجرى الوقف { إِنَّ الحسنات يذهبن السيئات } أي يكفرنها ويذهبن المؤاخذة عليها وإلا فنفس السيئات أعراض وجدت فانعدمت ، وقيل : يمحينها من صحائف الأعمال ، ويشهد له بعض الآثار ، وقيل : يمنعن من اقترافها كقوله تعالى : { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } [ العنكبوت : 45 ] وهو مع بعده في نفسه مخالف للمأثور عن الصحابة . والتابعين رضي الله تعالى عنهم فلا ينبغي أن يعول عليه .
والظاهر أن المراد من الحسنات ما يعم الصلوات المفروضة وغيرها من الطاعات المفروضة وغيرها ، وقيل : المراد الفرائض فقط لرواية " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن " وفيه أنه قد صح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " «إذا أمّن الإمام فأمّنوا فإن الملائكة تؤمّن فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " وفي رواية تفرد بها يحيى بن نصر وهو من الثقات بزيادة «وما تأخر » وصح أن صيام يوم عرفة تكفر السنة الماضية والمستقبلة ، وأخرج أبو داود في السنن باسناد حسن عن سهل بنمعاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أكل طعاماً ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام وزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن لبس ثوباً وقال : الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " إلى غير ذلك من الاخبار الواردة في تكفير أفعال ليست بمفروضة ذنوباً كثيرة ، وقيل : المراد بها الصلوات المفروضة لما في بعض طرق خبر سبب النزول من أن أبا اليسر من الأنصار قبل امرأة ثم ندم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما فعل فقال عليه الصلاة والسلام : " أنتظر أمر ربي فلما صلى صلاة قال : صلى الله عليه وسلم نعم اذهب بها فانها كفارة لما علمت "
وروي هذا القول عن ابن عباس . وابن مسعود . وابن المسيب ، والظاهر أن ذلك منهم اقتصار على بعض مهم من أفراد ذلك العام ، وسبب النزول لا يأبى العموم كما لا يخفى ، وفي رواية عن مجاهد أنها قول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وفيه ما فيه ، والمراد بالسيآت عند الأكثرين الصغائر لأن الكبائر لا يكفرها على ما قالوا : إلا التوبة ، واستدلوا لذلك بما رواه مسلم من رواية العلاء " الصلوات الخمس كفارة لما بينها ما اجتنبت الكبائر " واستشكل بأن الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر بنص { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم } [ النساء : 31 ] فما الذي تكفوه الصلوات الخمس ؟ وأجاب البلقيني بأن ذلك غير وارد لأن المراد بالآية أن تجتنبوا في جميع العمر ومعناه الموافاة على هذه الحالة من وقت الإيمان أو التكليف إلى الموت ، والذي في الحديث " إن الصلوات تكفر ما بينها " أي في يومها إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم فلا تعارض ، وتعقبه السمهودي بقوله : ولك أن تقول : لا يتحقق اجتناب الكبائر في جميع العمر إلا مع الاتيان بالصلوات الخمس فيه كل يوم فالتكفير حاصل بما تضمنه الحديث فما فائدة الاجتناب المذكور في الآية ثم قال : ولك أن تجيب بأن ذلك من باب فعل شيئين كل منهما مكفر ، وقد قال بعض العلماء : إنه إذا اجتمعت مكفرات فحكمها أنها إذا ترتبت فالمكفر السابق وإن وقعت معاً فالمكفر واحد منها يشاؤه الله تعالى ، وأما البقية فثوابها باق له وذلك الثواب على كل منها يكون بحيث يعدل تكفير الصغائر لو وجدت ، وكذا إذا فعل واحداً من الأمور المكفرة ولم يكن قد ارتكب ذنباً .
وفي شرح مسلم للنووي نحو ذلك غير أنه ذكر أنه لو صادف فعل المكفر كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر ، ويرد على قوله : إن المراد { إِن تَجْتَنِبُواْ } في جميع العمر منع ظاهر ، والظاهر أن المران من ذلك أن ثواب اجتناب الكبائر في كل وقت يكفر الصغائر الواقعة فيه ، وفي تفسير القاضي ما يؤيده ، وكذا ما ذكره الإمام حجة الإسلام في الكلام على التوبة من أن حكم الكبيرة أن الصلوات الخمس لا تكفرها وأن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر بموجب قوله سبحانه : { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا } [ النساء : 31 ] الخ ، ولكن اجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة والإرادة كمن يتمكن من امرأة ومن مواقعتها فيكف نفسه عن الوقوع ويقتصر على النظر واللمس فإن مجاهدته نفسه في الكف عن الواقع أشد تأثيراً في تنوير قلبه من إقدامه على النظر في اظلامه فهذا معنى تكفيره فإن كان عنينا ولم يكن امتناعه إلا بالضرورة للعجز أو كان قادراً ولكن امتنع لخوف من آخر فهذا لا يصلح للتكفير أصلا فكل من لا يشتهي الخمر بطبعه ولو أبيح له ما شربه فاجتنابه لا يكفر عنه الصغائر التي هي من مقدماته كسماع الملاهي والأوتار وهذا ظاهر يدل عليه أن الحسنات يذهبن السيئات ، ولا شك أن اجتناب الكبائر إذا قارن القصد حسنة وإنما قيدنا بذلك وإن كان الخروج عن عهدة النهي لا يتوقف عليه لأنه لا يثاب على الاجتناب بدون ذلك ، فالأولى في الجواب عن الأشكال أن يقال : «ما اجتنبت الكبائر » في الخبر ليس قيداً لأصل التكفير بل لشمول التكفير سائر الذنوب التي بين الصلوات الخمس فهو بمثابة استثناء الكبائر من الذنوب ، وكأنه قيل : الصلوات الخمس كفارة لجيمع الذنوب التي بينها وتكفيرها للجميع في المدة التي اجتنبت فيها الكبائر أو مقيد باجتناب الكبائر وإلا فليست الصلوات كفارة لجميع الذنوب بل للصغائر فقط ، وهذا وإن كان خلاف الظاهر من عود القيد لأصل التكفير لكن قرينة الآية دعت للعدول عنه إلى ذلك جمعاً بين الأدبة ، ولا بدّ في هذا من اعتبار ما قالوا في اجتماع الأمور المكفرة الصغائر ، وذكر الحافظ ابن حجر بعد نقله لكلام البلقيني ما لفظه : وعلى تقدير ورود السؤال فالتخلص عنه سهل وذلك لأنه لا يتم اجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس فمن لم يفعلها لم يعد مجتنباً للكبائر لأن تركها من الكبائر فيتوقف التكفير على فعلها انتهى ولا يخلو عن بحث ، وممن صرح بأن ما اجتنبت الخ بمعنى الاستثناء نقلاً عن بعضهم المحب الطبري ، فقد قال في أحكامه : اختلف العلماء في أمر تكفير الصغائر بالعبادات هل هو مشروط باجتناب الكبائر ؟ على قولين : أحدهما نعم وهو ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم :
" ما اجتنبت الكبائر " فإن ظاهره الشرطية كما يقتضيه «إذا اجتنبت » الآتي في بعض الروايات ، فإذا اجتنبت الكبائر كانت مكفرة لها وإلا فلا ، وإليه ذهب الجمهور على ما ذكره ابن عطية ، وقال بعضهم : لا يشترط ، والشرط في الحديث بمعنى الاستثناء والتقدير مكفرات لما بينها إلا الكبائر وهو الأظهر .
هذا وقد ذكر الزركشي أنهم اختلفوا في أن التفكير هل يشترط فيه التوبة أم لا ؟ فذهب إلى الاشتراط طائفة وإلى عدمه أخرى ، وفي البحر أن الاشتراط نص حذاق الأصوليين ، ولعل الخلاف مبني على الخلاف في اشتراط الاجتناب وعدمه فمن جعل اجتناب الكبائر شرطاً في تكفير الصغائر لم يشترط التوبة وجعل هذه خصوصية لمجتنب الكبائر ولم يشترطه إلا من اشترطها ، ويدل عليه خبر أبي اليسر فإن الروايات متضافرة على أنه جاء نادماً والندم توبة ، وإن إخباره صلى الله عليه وسلم له بأن صلاة العصر كفرت عنه ما فعله إنما وقع بعد ندمه لكن ظاهر إطلاق الحديث يقتضي أن التكفير كان بنفس الصلاة فإن التوبة بمجردها تجبّ ما قبلها فلو اشترطناها مع العبادات لم تكن العبادات مكفرة ، وقد ثبت أنها مكفرات فيسقط اعتبار التوبة معها انتهى ملخصاً مع زيادة ، ولا يخفى أن هذا يحتاج إلى التزام القول بأن ندم أبي اليسر لم يكن توبة صحيحة وإلا لكان التكفير به لأنه السابق ، وبعض التزم القول بكونه توبة صحيحة إلا أنه توبة لم تقبل ولم تكفر الذنب ، وأنت تعلم أن في عدم تكفير التوبة الذنب مقالاً ، والمنقول عن السبكي أنه قال : إن قبول التوبة عن الكفر مقطوع به تفضلاً ، وفي القطع بقبول توبة العاصي قولان لأهل السنة ، والمختار عند إمام الحرمين أن تكفير التوبة للذنب مظنون ، وادعى النووي أنه الأصح ، وفي شرح البرهان : الصحيح عندنا القطع بالتكفير ، وقال الحليمي : لا يجب على الله تعالى قبول التوبة لكنه لما أخبر عن نفسه أنه يقبل التبوة عن عباده ولم يجز أن يخلف وعده علمنا أنه سبحانه وتعالى لا يرد التوبة الصحيحة فضلاً منه تعالى ، ومثل هذا الخلاف الخلاف في التكفير باجتناب الكبائر ونحوه هل هو قطعى أو ظنى ، وفي كلام العلامة نجم الدين النسفي .
وصدر الشريعة . وغيرهما أن العقاب على الصغائر جائز الوقوع سواء اجتنب مركتبها الكبائر أم لا لدخولها تحت قوله تعالى : { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } [ المائدة : 18 ] ولقوله تعالى : { اَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } [ الكهف : 49 ] والإحصاء إنما يكون للسؤال والمجازاة آلء غير ذلك من الآيات والأحاديث ، وخالفت المعتزلة في ذلك فلم يجيزوا وقوع التعذيب إذا اجتنبت الكبائر واستدوا بآية { إِن تَجْتَنِبُوا } [ النساء : 31 ] الخ ، ويجاب بأن المراد بالكبائر الكفر والجمع لتعدد أنواعه أو تعدد من اتصف به ، ومعنى الآية إن تجتنبوا الكفر نجعلكم صالحين لتفكير سيآتكم ، ولا يخفى ما في استدلالهم من الوهن ، وجوابهم عن استدلال المعتزلة لعمري أوهن منه .
وذهب صاحب الذخائر إلى أن من الحسنات ما يكفر الصغائر والكبائر إذ قد صح في عدة أخبار من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وفي بعضها خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، ومتى حملت الحسنات في الآية على الاستغراق فالمناسب حمل السيئات عليه أيضاً ، والتخصص خلاف الظاهر وفضل الله تعالى واسع ، وإلى هذا مال ابن املنذر ، وحكام ابن عبد البر عن بعض المعاصرين له وعني به فيما قيل : أبا محمد المحدث لكن ردّ عليه ، فقال بعضهم : يقول : إن الكبائر والصغائر تكفرها الطهارة والصلاة لظاهر الأحاديث وهو جهل بين وموافقة للمرجئة في قولهم ، ولو كان كما زعم لم يكن للأمر بالتوبة معنى ، وقد أجمع المسلمون على أنها فرض ، وقد صح أيضاً من حديث أبي هريرة { الصلوات كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر } انتهى .
وفيه أن دعوى أن ذلك جهل لا يخلو عن الافراط إذا الفرق بين القول بعموم التكفير ومذهب المرجئة والكبائر وهي من جملة أعمال العبد فكما جاز أن يجعل الله سبحانه هذا العمل سبباً لتكفير الجميع يجوز أن يجعل غيره من الأعمال كذلك ، وقوله : ولو كان كما زعم الخ مردود لأنه لا يلزم من تكفير الذنوب الحاصلة عدم الأمر بالتوبة وكونها فرضاً إذا تركها من الذنوب المتجددة التي لا يشملها التكفير السابق بفعل الوضوء مثلا ألا ترى أن التوبة من الصغائر واجبة على ما نقل عن الأشعري ، وحكى إمام الحرمين وتلميذه الأنصاري الإجماع عليه ومع ذلك فجميع الصغائر مكفرة بنص الشارع وإن لم يتب على ما سمعت من الخلاف ، وتحقيق ذلك أن التوبة واجبة في نفسها على الفور ومن أخرها تكرر عصيانه بتكرر الأزمنة كما صرح به الشيخ عز الدين بن عبد السلام ، ولا يلزم من تكفير الله تعالى ذنوب عبده سقوط التكليف بالتوبة التي كلف بها تكليفاً مستمراً ، وقريب من هذا ارتفاع الاثم عن النائم إذا أخرج الصلاة عن وقتها مع الأمر بقضائها ، وما روي من حديث أبي هريرة إنما ورد في أمر خاص فلا يتعداه إذ الأصل بقاء ما عداه على عمومه وهذا مما لا مجال للقياس فيه حتى يخص بالقياس على ذلك فلا يليق نسبة ذلك القائل إلى الجهل ، والرجاء بالله تعالى شأنه قوي كذا قيل ، وفي المقام بعد أبحاث تركنا ذكرها خوف الاملال فإن أردتها فعليك بالنظر في الكتب المفصلة في علم الحديث .
{ ذلك ذكرى لِلذكِرِينَ } أي عظمة للمتعظين ، وخصهم بالذكر لأنه المنتفعون بها ، والإشارة إلى ما تقدم من الوصية بالاستقامة والنهي عن الطغيان والركون إلى الذين ظلموا وإقامة الصلوات في تلك الأوقات بتأويل المذكور ، وإلى هذا ذهب الزمخشري ، واستظهر أبو حيان كون ذلك إشارة إلى إقامة الصلاة وأمر التذكير سهل ، وقيل : هي إشارة إلى الإخبار بأن الحسنات يذهبن السيآت ، وقال الطبري : إشارة إلى الأوامر والنواهي في هذه السورة ، وقيل : إلى القرآن ، وبعض من جعل الاشارة إلى الإقامة فسر الذكري بالتوبة .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ اليل } أمر بإقامة الصلاة المفروضة على ما علمت ، وقد ذكروا أن الصلاة معراج المؤمن ، وفي الأخبار ما يدل على علو شأنها والأمر غنى عن البيان { إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات } [ هود : 114 ] قال الواسطي : أنوار الطاعات تذهب بظلم المعاصي .
وقال يحيى بن معاذ : إن الله سبحانه لم يرض للمؤمن بالذنب حتى ستر ولم يرض بالستر حتى غفر ولم يرض بالغفران حتى بدل فقال سبحانه : { إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ } [ هود : 114 ] وقال تعالى : { فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات } [ الفرقان : 70 ] ذلك الذي ذكر من إقامة الصلاة في الأوقات المشار إليها وإذهاب الحسنات السيآت ذكرى للذاكرين تذكير لمن يذكر حاله عند الحضور مع الله تعالى في الصفاء والجمعية والأنس والذوق { واصبر } بالله سبحانه في الاستقامة ومع الله تعالى بالحضور في الصلاة وعدم الركون إلى الغير
{ 114 - 115 ْ } { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ْ }
يأمر تعالى بإقامة الصلاة كاملة { طَرَفَيِ النَّهَارِ ْ } أي : أوله وآخره ، ويدخل في هذا ، صلاة الفجر ، وصلاتا الظهر والعصر ، { وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ْ } ويدخل في ذلك ، صلاة المغرب والعشاء ، ويتناول ذلك قيام الليل ، فإنها مما تزلف العبد ، وتقربه إلى الله تعالى .
{ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ْ } أي : فهذه الصلوات الخمس ، وما ألحق بها من التطوعات من أكبر الحسنات ، وهي : مع أنها حسنات تقرب إلى الله ، وتوجب الثواب ، فإنها تذهب السيئات وتمحوها ، والمراد بذلك : الصغائر ، كما قيدتها الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثل قوله : " الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر " ، بل كما قيدتها الآية التي في سورة النساء ، وهي قوله تعالى : { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ْ }
ذلك لعل الإشارة ، لكل ما تقدم ، من لزوم الاستقامة على الصراط المستقيم ، وعدم مجاوزته وتعديه ، وعدم الركون إلى الذين ظلموا ، والأمر بإقامة الصلاة ، وبيان أن الحسنات يذهبن السيئات ، الجميع { ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ْ } يفهمون بها ما أمرهم الله به ، ونهاهم عنه ، ويمتثلون لتلك الأوامر الحسنة المثمرة للخيرات ، الدافعة للشرور والسيئات ، ولكن تلك الأمور ، تحتاج إلى مجاهدة النفس ، والصبر عليها ، ولهذا قال : { وَاصْبِرْ ْ }
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وأقم الصلاة}، يا محمد، يعني: صلّ، {طرفي النهار}، يعني: الغداة والعشي...
واختلف أهل التأويل في التي عنيت بهذه الآية من صلوات العشي، بعد إجماع جميعهم على أن التي عنيت من صلاة الغداة: الفجر؛
فقال بعضهم: عنيت بذلك صلاة الظهر والعصر، قالوا: وهما من صلاة العشي...
وقال آخرون: عُني بها: صلاة العصر.
وقال بعضهم: بل عني بطرفي النهار: الظهر والعصر، وبقوله: {زُلَفا مِنَ اللّيْل}: المغرب، والعشاء، والصبح.
وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هي صلاة المغرب...
وأما قوله: {وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ}، فإنه يعني: ساعات من الليل، وهي جمع زُلْفة، والزلفة: الساعة والمنزلة والقربة...
وقوله: {إنّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السّيّئات}، يقول تعالى ذكره: إن الإنابة إلى طاعة الله والعمل بما يرضيه، يذهب آثام معصية الله ويكفر الذنوب. ثم اختلف أهل التأويل في الحسنات التي عنى الله في هذا الموضع اللاتي يذهبن السيئات؛ فقال بعضهم: هنّ الصلوات الخمس المكتوبات.أخبرنا أبو عقيل زهرة بن معبد القرشي من بني تيم من رهط أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، أنه سمع الحرث مولى عثمان بن عفان رحمه الله يقول: جلس عثمان يوما وجلسنا معه، فجاء المؤذّن فدعا عثمان بماء في إناء، أظنه سيكون فيه قدْرُ مدّ، فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: «مَنْ تَوَضّأَ وُضُوئي هَذَا، ثم قامَ فَصَلّى صَلاَةَ الظّهْرِ، غُفِرَ لَهُ ما كانَ بَيْنَهُ وبينَ صَلاةَ الصّبْحِ، ثُمّ صَلّى العَصْرَ، غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَهُ وبينَ صَلاةِ الظّهْرِ، ثم صَلّى المَغْرِبَ، غُفرَ لَهُ ما بَيْنَهُ وبينَ صَلاةِ العَصْرِ، ثُمّ صَلّى العِشَاءَ، غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَهُ وبينَ صَلاةِ المَغْرِبِ، ثُمّ لَعَلّهُ يَبيتُ لَيْلَةً يَتَمَرّغُ، ثُمّ إنْ قامَ فَتَوَضّأَ وَصَلّى الصّبْحَ، غُفِرَ لَه ما بَيْنَها وبينَ صَلاةِ العِشاءِ، وَهُنّ الحَسَناتُ يُذْهِبْنَ السّيّئاتِ». وقال آخرون: هو قوله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر... وأولى التأويلين بالصواب في ذلك قول من قال في ذلك: هُنّ الصلوات الخمسُ، لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواترها عنه أنه قال: «مَثَلُ الصّلَوَاتِ الخَمْسِ مَثَلُ نَهْرٍ جارٍ على بابِ أحَدِكُمْ يَنْغَمِسُ فِيهِ كُلّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرّاتٍ، فَمَاذَا يُبْقِينَ مِنْ دَرَنِهِ»، وإن ذلك في سياق أمر الله بإقامة الصلوات، والوعد على إقامتها الجزيل من الثواب عقيبها أولى من الوعد على ما لم يجر له ذكر من صالحات سائر الأعمال، إذا خصّ بالقصد بذلك بعض دون بعض.
{ذلكَ ذِكْرَى للذّاكِرِين}، يقول تعالى: هذا الذي أوعدت عليه من الركون إلى الظلم وتهددت فيه، والذي وعدت فيه من إقامة الصلوات اللواتي يذهبن السيئات تذكرة ذكرّت بها قوما يذكرون وعد الله، فيرجون ثوابه ووعيده فيخافون عقابه، لا من قد طبع على قلبه فلا يجيب داعيا ولا يسمع زاجرا...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
أمر الله تعالى في هذه الآية نبيه صلى الله عليه وسلم وأمة نبيه بإقامة الصلاة، وإقامتها هو الإتيان بأعمال الصلاة على وجه التمام في ركوعها وسجودها وسائر فروضها. وقيل إقامة الصلاة هو عمل على استواء كالقيام الذي هو الانتصاب في الاستواء. وقيل هو الدوام على فعلها من قولهم: قائم أي دائم واقف...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أي اسْتَغْرِقْ جميعَ الأوقاتِ بالعبادات، فإنَّ إخلالَكِ لحظةً من الزمان بِفَرضٍ تؤديه، أو نَفْلِ تأتيه حَسْرَةٌ عظيمةٌ وخُسرَانٌ مبينٌ. قوله {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ الْسَّيِئَاتِ} الحسنات ما يجود بها الحق، والسيئات ما يذنبها العبد، فإذا دخلت حسناتُه على قبائح العبد مَحَتْها وأَبْطَلَتْها...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{طَرَفَي النهار} غدوة وعشية {وَزُلَفاً مِّنَ اليل} وساعات من الليل وهي ساعاته القريبة من آخر النهار، من أزلفه إذا قربه وازدلف إليه، وصلاة الغدوة: الفجر، وصلاة العشية: الظهر والعصر؛ لأنّ ما بعد الزوال عشيّ. وصلاة الزلف: المغرب والعشاء...
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي النَّهَارِ مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ، وَبَاقِيهَا فِي اللَّيْلِ، فَزُلَفُ اللَّيْلِ ثَلَاث: فِي ابْتِدَائِهِ، وَهِيَ الْمَغْرِبُ، وَفِي اعْتِدَالِ فَحْمَتِهِ، وَهِيَ الْعِشَاءُ، وَعِنْدَ انْتِهَائِهِ وَهِيَ الصُّبْحُ. وَأَمَّا طَرَفَا النَّهَارِ فَهُمَا الدُّلُوكُ وَالزَّوَالُ وَهُوَ طَرَفُهُ الْأَوَّلُ، وَالدُّلُوكُ الْغُرُوبُ، وَهُوَ طَرَفُهُ الثَّانِي...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
وقد يحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء؛ فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها. وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة، ثم نسخ في حق الأمة، وثبت وجوبه عليه، ثم نسخ عنه أيضًا، في قول، والله أعلم...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان العلم حاصلاً بما سبق من الحكم من أن الآدمي محل العجز والتقصير، أتبع ذلك بأعلى مكفر لما يوجبه العجز ويقضي به الفتور والوهن من الصغائر وأعمه وأجلبه للاستقامة، وذلك يدل على أنها بعد الإيمان أفضل العبادات، فقال تعالى: {وأقم الصلاة} أي اعملها على استواء {طرفي النهار} بالصبح والعصر كما كان مفروضاً بمكة في أول الأمر قبل الإسراء، ويمكن أن يراد مع ذلك الظهر لأنها من الطرف الثاني {وزُلفاً} أي طوائف ودرجات وأوقات، جمع زلفة {من الَّليل} يمكن أن يكون المراد به التهجد، فقد كان مفروضاً في أول الإسلام، ويمكن أن يراد المغرب والعشاء مع الوتر أو التهجد؛ ثم علل ذلك بقوله: {إن الحسنات} أي الطاعات كلها الصلاة وغيرها المبنية على أساس الإيمان {يذهبن السيئات} أي الصغائر، وأما الكبائر التي يعبر عنها بالفواحش ونحوه فقد تقدم في قصة شعيب عليه السلام عند قوله {ثم توبوا إليه} أنه لا يكفرها إلا التوبة لما فيها من الإشعار بالتهاون بالدين، واجتنابها لا يكفر إلا إذا كان عن نية صالحة...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
هذا أمر بأعظم العبادات وبأعظم الأخلاق، اللذين يستعان بهما على ما قبلهما من الأمر بالاستقامة والنهي عن الطغيان والركون إلى أولي الظلم، ولذلك عطفا عليهما.
{وأقم الصلاة طرفي النهار} خص إقامة الصلاة بالذكر في هذه الوصية العامة المجملة؛ لأنها رأس العبادات المغذية للإيمان، والمعينة على سائر الأعمال، أي أدِّها على الوجه القويم، وأدمها في طرفي النهار من كل يوم، طرف الشيء والزمن الناحية، والطائفة منه ونهايته، فطرفا النهار هنا البكرة والأصيل، أو الغدو والعشي، وقد أمرنا تعالى في التنزيل بالذكر والتسبيح فيهما.
{وزلفا من الليل} أي وفي زلف من الليل، جمع زلفة، وهي بالضم كقرب جمع قربة لفظا ومعنى. وتطلق كما في معاجم اللغة على الطائفة من أول الليل لقربها من النهار. وقالوا: الزلف ساعات الليل الآخذة من النهار، وساعات النهار الآخذة من الليل. روي عن ابن عباس أن صلاة طرفي النهار المغرب والغداة [أي الفجر]، وزلف الليل العتمة [أي العشاء]. وعن الحسن: أن صلاة طرفي النهار الفجر والعصر، وقال في زلف الليل: هما زلفتان: صلاة المغرب وصلاة العشاء. وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هما زلفتا الليل)، وهذا أقرب إلى اللغة مما قبله، فإن صح الحديث فلا معدل عنه، ولكنه من مراسيل الحسن، فيبحث عمن رفعه، وأدخل بعض المفسرين صلاة الظهر في طرفي النهار، إذ يصح أن يسمى وقتها طرفا، بمعنى أنه طائفة وناحية من النهار يفصلها من غيرها زوال الشمس، ولكنه طرف ثالث، واللفظ هنا مثنى، وفي سورة طه {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى} [طه: 130] فجمع الأطراف بعد ذلك الطرفين الأخيرين بالمعنى وهما وقتا صلاتي الفجر والعصر.
والأظهر في أمثال هذه الآيات أن ذكر الله تعالى وتسبيحه المطلق فيها عام، فيدخل فيه الصلاة وغيرها الآية الصريحة في أوقات الصلوات الخمس قوله تعالى: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات الأرض وعشيا وحين تظهرون} [الروم: 17، 18]. تمسون تدخلون في المساء، وهو ما بين الظهر إلى المغرب، نقله في المصباح عن ابن القوطية، وذكر هو وغيره مثل هذا في تفسير العشي، وهو غلط سببه اشتراك الوقتين باتصال آخر المساء بأول العشي، وهو أول الليل، حيث يختلط النور بالظلام، فصلاة المغرب العشاء الأولى، وصلاة العتمة العشاء الآخرة التي يزول عندها الشفق وهو آخر أثر لنور النهار، وفي معنى هذا قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر} [الإسراء: 78] الآية، فدلوك الشمس زوالها، أي أقمها لأول وقتها هذا وفيه صلاة الظهر، منتهيا إلى غسق الليل وهو ابتداء ظلمته ويدخل في صلاة العصر والعشاءين وأقم صلاة الفجر.
{إن الحسنات يذهبن السيئات} الجملة تعليل للأمر قبلها مبين لحكمته وفائدته، ومعناها أن للأعمال الحسنة من تزكية النفس وإصلاحها ما يمحو منها تأثير الأعمال السيئة وإفسادها، روي عن ابن مسعود وابن عباس تفسير الحسنات فيها بالصلوات الخمس، زاد ابن عباس: والباقيات الصالحات، ولا غرو؛ فالصلاة أعظم الحسنات، وأكبر العبادات المكفرة للسيئات، ولكن لفظ الحسنات عام يشمل جميع الأعمال الصالحات، حتى التروك فإنها عمل نفسي، ومنه {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31]، وفي الحديث (وأتبع السيئة الحسنة تمحها). إن في {ذلك ذكرى للذاكرين} أي إن فيما ذكر من الوصايا من الأمر بالاستقامة إلى هنا لموعظة للمتعظين الذين يراقبون الله ولا ينسونه...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل).. ولقد علم الله أن هذا هو الزاد الذي يبقى حين يفنى كل زاد، والذي يقيم البنية الروحية، ويمسك القلوب على الحق الشاق التكاليف. ذلك أنه يصل هذه القلوب بربها الرحيم الودود، القريب المجيب، وينسم عليها نسمة الأنس في وحشتها وعزلتها في تلك الجاهلية النكدة الكنود! والآية هنا تذكر طرفي النهار -وهما أوله وآخره، وزلفا من الليل أي قريبا من الليل. وهذه تشمل أوقات الصلاة المفروضة دون تحديد عددها. والعدد محدد بالسنة ومواقيته كذلك...
والنص يعقب على الأمر بإقامة الصلاة- أي أدائها كاملة مستوفاة -بأن الحسنات يذهبن السيئات. وهو نص عام يشمل كل حسنة، والصلاة من أعظم الحسنات، فهي داخلة فيه بالأولوية. لا أن الصلاة هي الحسنة التي تذهب السيئة بهذا التحديد- كما ذهب بعض المفسرين -: (ذلك ذكرى للذاكرين).. فالصلاة ذكر في أساسها ومن ثم ناسبها هذا التعقيب...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
انتقل من خطاب المؤمنين إلى خطاب النّبيء صلى الله عليه وسلم وهذا الخطاب يتناول جميع الأمّة بقرينة أنّ المأمور به من الواجبات على جميع المسلمين، لا سيما وقد ذكر معه ما يناسب الأوقات المعيّنة للصلوات الخمس، وذلك ما اقتضاه حديث أبي اليُسْر الآتي. وطرف الشيء: منتهاه من أوّله أو من آخره، فالتثنية صريحة في أنّ المراد أوّل النّهار وآخره. و {النّهار}: ما بين الفجر إلى غروب الشمس، سمي نهاراً لأنّ الضياء ينهر فيه، أي يبرز كما يبرز النهْر. والأمر بالإقامة يؤذن بأنّه عمل واجب لأنّ الإقامة إيقاع العمل على ما يستحقه، فتقتضي أنّ المراد بالصّلاة هنا الصلاة المفروضة، فالطّرفان ظَرْفان لإقامة الصّلاة المفروضة، فعلم أن المأمور إيقاع صلاة في أوّل النّهار وهي الصّبح وصلاة في آخره وهي العصر وقيل المغرب. والزُلَف: جمع زُلْفة مثل غُرْفة وغُرَف، وهي السّاعة القريبة من أختها، فعلم أن المأمور إيقاع الصلاة في زلف من اللّيل، ولمّا لم تعيّن الصلوات المأمور بإقامتها في هذه المدّة من الزمان كان ذلك مجملاً فبينته السنةُ والعملُ المتواتر بخمس صلوات هي الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وكان ذلك بيَاناً لآيات كثيرة في القرآن كانت مجملة في تعيين أوقات الصلوات مثل قوله تعالى: {أقم الصّلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إنّ قرآن الفجر كان مشهودا} [الإسراء: 78]... والمقصود أن تكون الصّلاة أول أعمال المُسلم إذا أصبح وهي صلاة الصبح وآخر أعماله إذا أمسى وهي صلاة العشاء لتكون السيّئات الحاصلة فيما بيْن ذلك ممحوة بالحسنات الحافّة بها. وهذا مشير إلى حكمة كراهة الحديث بعد صلاة العشاء للحثّ على الصّلاة وخاصة ما كان منها في أوقات تعرض الغفلة عنها. وقد ثبت وجوبهما بأدلّة أخر وليس في هذه الآية ما يقتضي حصر الوجوب في المذكور فيها...
وهذا أمر بالخير؛ يوجهه الله سبحانه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونحن نلحظ في هذه الآيات من سورة هود أنها تحمل أوامر ونواهي؛ الأوامر بالخير دائما؛ والنواهي عن الشر دائما. ونلحظ أن الحق سبحانه قال: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك} ثم وجه النهي للأمة كلها: {ولا تطغوا} ولم يقل "فاستقم ولا تطغَ "لأن الأمر بالخير يأتي للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته معه؛ وفي النهي عن الشر يكون الخطاب موجها إلى الأمة، وفي هذا تأكيد لرفعة مكانة النبي صلى الله عليه وسلم. ونرى نفس الأمر حين يوجه الحق سبحانه الحديث إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقول سبحانه وتعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} ولم يقل: "ولا تركن إلى الذين ظلموا". وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأمته: {أقم الصلاة}: والإقامة تعني: أداء المطلوب على الوجه الأكمل، مثل إقامة البنيان؛ وأن تجعله مؤديا للغرض المطلوب منه. ويقال:"أقام الشيء "أي: جعله قائما على الأمر الذي يؤدي به مهمته. وقول الحق سبحانه: {وأقم الصلاة طرفي النهار}: أي: نهايته من ناحية، ونهايته من الناحية الأخرى؛ لأن طرف الشيء هو نهايته. وتتحدد نهاية الطرفين من منطقة وسط الشيء، فالوسط هو الفاصل بين الطرفين؛ فما على يمين الوسط يعد طرفا؛ وما على يسار الوسط يعد طرفا آخر؛ وكل جزء بعد الوسط طرف. وعادة ما يعد الوسط هو نقطة المنتصف تماما، وما على يمينها يقسم إلى عشرة أجزاء، وما على يسارها يقسم إلى عشرة أجزاء أخرى، وكل قسم بين تلك الأجزاء التي على اليمين والتي على اليسار يعد طرفا. وقول الحق سبحانه: {وأقم الصلاة طرفي النهار}: يقتضي أن تعرف أن النهار عندنا إنما نتعرف عليه من بواكير الفجر الصادق، وهذا هو أول طرف نقيم فيه صلاة الفجر، ثم يأتي الظهر؛ فإن وقع الظهر قبل الزوال حسبناه من منطقة ما قبل الوسط، وإن كان بعد الزوال حسبناه من منطقة ما بعد الوسط. وبعد الظهر هناك العصر، وهو طرف آخر. وقول الحق سبحانه: {وزلفا من الليل}: يقتضي منا أن نفهم أن كلمة {زلفا} هي جمع: زلفة، وهي مأخوذة من: أزلفه، إذا قربه. والجمع أقله ثلاثة: ونحن نعلم أن لنا في الليل صلاة المغرب، وصلاة العشاء...
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك مباشرة: {إن الحسنات يذهبن السيئات}: وهذا التعقيب يضع الصلاة في قمة الحسنات، وقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا بأن قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر). واختلف العلماء في معنى السيئات والحسنات، وقال بعضهم: الحسنة هي ما جعل الله سبحانه على عملها ثوابا، والسيئة هي ما جعل الله على عملها عقابا. وأول الحسنات في الإيمان أن تشهدوا أن لا إله إلا الله، وهذه حسنة أذهبت الكفر؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات. ولذلك قال بعض العلماء: إن المسلم الذي ارتكب معصية أو كبيرة من الكبائر، لا يخلد في النار؛ لأنه إذا كانت حسنة الإيمان قد أذهبت سيئة الكفر، أفلا تذهب ما دون الكفر؟ وهكذا يخفف العقاب على المسلم فينال عقابه من النار، ولكنه لا يخلد فيها؛ لأننا لا يمكن أن نساوي بين من آمن بالله ومن لم يؤمن بالله. والإيمان بالله هو أكبر حسنة، وهذه الحسنة تذهب الكفر، ومن باب أولى أن تذهب ما دون الكفر. وتساءل بعض العلماء: هل الفرائض هي الحسنات التي تذهب السيئات؟ وأجاب بعضهم: هناك أحاديث صحيحة قد وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حسنات في غير الفرائض، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صوم يوم عرفة إلى صوم يوم عرفة يذهب السيئات. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإنسان الذي يستقبل نعمة الله بقوله: الحمد لله الذي رزقنيه من غير حول مني ولا قوة، والحمد لله الذي كساني من غير حول مني ولا قوة. وهذا القول يكفر السيئات. ألم يقل صلى الله عليه وسلم إنك إذا قلت: سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فهذا القول كفارة؟ إذن: فالحسنات مطلقة سواء أكانت فرضا أم غير فرض، وهي تذهب السيئات، والسيئة هي عمل توعد الله- سبحانه- من يفعله بالعقوبة. وتساءل أيضا بعض العلماء: إن السيئة عمل، والعمل إذا وقع يرفع ويسجل، فكيف تذهبها الحسنة؟ وأجابوا: إن ذهاب السيئة يكون إما عن طريق من يحفظ العمل، ويكتبه عليك، فيمحوه الله من كتاب سيئاتك، أو أن يعفو الله سبحانه وتعالى عنك؛ فلا يعاقبك عليه، أو يكون ذهاب العمل في ذاته فلا يتأتى، وما وقع لا يرتفع؛ أو يحفظها الله إن وقعت؛ لأنه هو سبحانه القائل: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق 18]. ويقول سبحانه: {وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11)} [الانفطار]. وهكذا يكون إذهاب السيئة، إما محوها من الكتاب، وإما أن تظل في الكتاب، ويذهب الله سبحانه عقوبتها بالمغفرة. والحق سبحانه يقول: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة} [النجم 32]: واجتناب الكبائر لا يمنع من وقوع الصغائر. والحق سبحانه يقول: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت 45]: وحين ننظر إلى مواقيت الصلاة، نجدها خمسة مواقيت، فمن تعلق قلبه بالصلاة، إنما ينشغل قلبه طوال وقت حركته بإقامة الصلاة، ثم يأتي وقت الليل لينام، وكل من يرتكب معصية سينشغل فكره بها لمدة، ولو لم يأت له وقت صلاة لأحس بالضياع، أما إذا ما جاء وقت الصلاة، فقلبه يتجه لله سبحانه طالبا المغفرة. وإن وقعت منه المعصية مرة، فقد لا تقع مرة أخرى، أو أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر في وقت الاستعداد لها، فمن جلس لينم على غيره، أو يظلم الناس، إذا ما سمع أذان الصلاة وقام وتوضأ؛ فقد رحم الناس في وقت وضوئه ووقت صلاته ووقت ختمه للصلاة. وهنا أعمال كثيرة من الفروض والحسنات وهي تمحو السيئات، وعلى المسلم أن ينشغل بزيادة الحسنات، وألا ينشغل بمحو السيئات؛ لأن الحسنة الواحدة بعشرة أمثالها وقد يضاعفها الله سبحانه، أما السيئة فإنما تكتب واحدة. وينهى الحق سبحانه هذه الآية الكريمة بقوله: {ذلك ذكرى للذاكرين}: أي: أن إقامة الصلاة طرفي النهار، وزلفا من الليل هي حسنات تذهب السيئات؛ وفي ذلك ذكرى وتنبيه للنفس إلى شيء غفل عنه، أي: أن هذا الشيء كان موجودا من قبل، ولكن جاءت الغفلة لتنسيه، والإخبار الأول أزال الجهل بهذا الشيء، والإخبار الثاني يذكرك بالحكم؛ لأن آفة الإنسان أن الأمور التي تمر به من المرائي والمدركات، تتوالى وتصير الأشياء التي في بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور، فيغفل الإنسان عما صار في حاشية الشعور، ولا بد من مجيء معنى جديد ليذكر بما غاب في حاشية الشعور. ومثال ذلك: إنك إذا ألقيت حجرا في بحر، فهذا الحجر يستقر في بؤرة تصنع حولها دوائر من المياه، وتذهب هذه الدوائر إلى أن تختفي من رؤية الإنسان، ودليل ذلك أن قد تتذكر أحداثا مرت عليك من عشرين عاما أو أكثر، هذه الأحداث كانت موجودة في حاشية الشعور، ثم جاءت لك ما ينبهك إليها. والمخ كآلة التصوير الفوتوغرافية يلتقط أحيانا من مرة واحدة، وأحيانا من مرتين، أو أكثر، والالتقاط من أول مرة إنما يتم لأن المخ في تلك اللحظة كان خاليا من الخواطر. ونحن نجد أن من فقدوا أبصارهم إنما ينعم الله سبحانه عليهم بنعمة أخرى، هي قدرتهم الكبيرة على حفظ العلم؛ لأنه حين يسمع الكفيف العلم لا تشغله الخواطر المرئية التي تسرق انتباه بؤرة الشعور، أما المبصر، فقد تسرق بؤرة شعوره ما يمر أمامه، فيسمع العلم لأكثر من مرة إلى أن يصادف العلم بؤرة الشعور خالية فيستقر فيها. وهكذا تفعل الذكرى؛ لأنها تستدعي ما في حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور، فإذا انشغلت عن طاعة وذهبت إلى معصية، فالذكرى توضح لك آفاق المسؤولية التي تتبع المعصية، وهي العقاب. ولذلك يقال:"لا خير في خير بعده النار، ولا شر في شر بعده الجنة". والحق سبحانه يقول هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل}. وأنت حين تنظر إلى أركان الإسلام، ستجد أنك تشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله مرة واحدة في العمر، والركن الثاني، وهو الصلاة، وهو ركن لا يسقط أبدا، فهي كل يوم خمس مرات، فيها تنطق بالشهادة، وتزكي ببعض الوقت ليبارك لك الله-سبحانه وتعالى- فيما بقي لك من وقت، وفيها تصوم عن الطعام والشراب وكل ما يفسد الصيام، وأنت تتجه لحظة قيام الصلاة إلى البيت الحرام. ففي الصلاة تتضح العبادات الأخرى، ففيها أركان الإسلام الخمس. ولذلك لا تسقط الصلاة أبدا؛ لأنك إن لم تستطع الصلاة واقفا؛ فلك أن تصلي قاعدا، وإن لم تكن تستطيع الحركة فلك أن تحرك رموش عينيك، وأنت تصلي. وهكذا تجد في الصلاة كل أركان الدين، ولأهميتها نجد أنها تبقى مع الإنسان إلى آخر رمق في حياته، وهي قد أخذت أهميتها في التشريع على قدر أهميتها في التكليف، وكل تكاليف الإسلام قد جاءت بواسطة الوحي إلا الصلاة، فقد جاءت مباشرة من الله تعالى، فقد استدعى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم إليه ليفرض عليه الصلاة وهي تحية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم نظرا لأنها شرعت في قرب محمد صلى الله عليه وسلم من ربه سبحانه وتعالى. لذلك جعل الحق سبحانه الصلاة المفروضة في القرب وسيلة لقرب أمة رسوله صلى الله عليه وسلم جميعا؛ ولذلك فهي الباقية...