{ وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر } شروع في نوع آخر من النعم متعلق بالبحر إثر تفصيل النوع المتعلق بالبر ، وجعله بعضهم عديلاً لقوله تعالى : { هُوَ الذي أَنْزَلَ مِنَ السماء مَآء لَّكُم } [ النحل : 10 ] فلذا جاء على أسلوبه جملة اسمية معرفة الجزءين ، وما وقع في البين إما مترتب على ذلك الماء المنزل وإما متضمن لمصلحة ما يترتب عليه ، والبحر على ما في «البحر » يشمل الملح والعذب ، والمعنى جعل لكم ذلك بحيث تتمكنون من الانتفاع به بالركوب والغوص والاصطياد { لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا } وهو السمك ، والتعبير عنه باللحم مع كونه حيواناً للإشارة إلى قلة عظامه وضعفها في أغلب ما يصطاد للأكل بالنسبة إلى الإنعام الممتن بالأكل منها فيما سبق ، وقيل : للتلويح بانحصار الانتفاع به في الأكل .
/ و { مِنْ } متعلق بتأكلوا أو حال مما بعده وهي ابتدائية ، وجوز أن تكون تبعيضية والكلام على حذف مضاف أي من حيوانه ، وحينئذٍ يجوز أن( {[522]} ) من اللحم الطري لحم السمك كما يجوز أن يراد منه السمك ، والطري فعيل من طرو يطرو طراوة مثل سرو يسرو سراوة ، وقال الفراء : من طري يطري طراء وطراوة كشقي يشقى شقاء وشقاوة ، والطراوة ضد اليبوسة ، ووصفه بذلك للإشعار بلطافته والتنبيه إلى أنه ينبغي المسارعة إلى أكله فإنه لكونه رطباً مستعد للتغير فيسرع إليه الفساد والاستحالة ، وقد قال الأطباء : إن تناوله بعد ذهاب طراوته من أضر الأشياء ففيه إدماج لحكم طبي ؛ وهذا على ما قيل لا ينافي تقديده وأكله محللاً كما توهم ، وفي جعل البحر مبتدأ أكله على أحد الاحتمالين إيذان بالمسارعة أيضاً .
وزعم بعضهم أن في الوصف إيذاناً أيضاً بكمال قدرته تعالى في خلقه عذباً طرياً في ماء مر لا يشرب ، وفيه شيء لا يخفى ، ولا يؤكل عندنا من حيوان البحر إلا السمك ، ويؤيده تفسير اللحم به المروى عن قتادة . وغيره ، وعن مالك . وجماعة من أهل العلم إطلاق جميع ما في البحر ، واستثنى بعضهم الخنزير . والكلب . والإنسان ، وعن الشافعي أنه أطلق ذلك كله ، ويوافقه ما أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال : هو( {[523]} ) السمك وما في البحر من الدواب . نعم يكره عندنا أكل الطافي منه وهو الذي يموت حتف أنفه في الماء فيطفو على وجه الماء لحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم " ما نضب الماء عنه فكلوا وما لفظه الماء فكلوا وما طفا فلا تأكلوا " وهو مذهب جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وميتة البحر في خبر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " ما لفظه ليكون موته مضافاً إليه لا ما مات فيه من غير آفة ، وما قطع بعضه فمات يحل أكل ما أبين وما بقي لأن موته بآفة وما أبين من الحي فهو ميت وإن كان ميتاً فميتته حلال ، ولو وجد في بطن السمكة سمكة أخرى تؤكل لأن ضيق المكان سبب موتها ، وكذا إذا قتلها طير الماء وغيره أو ماتت في جب ماء ، وكذا إن جمع السمك في حظيرة لا يستطيع الخروج منه وهو يقدر على أخذه بغير صيد فمات فيها ، وإن كان لا يؤخذ بغير صيد فلا خير في أكله لأنه لم يظهر لموته سبب ، وإذا ماتت السمكة في الشبكة وهي لا تقدر على التخلص منها أو أكلت شيئاً ألقاه في الماء لتأكل منه فماتت منه وذلك معلوم فلا بأس بأكلها لأن ذلك في معنى ما انحسر عنه الماء ، وفي موت الحر والبرد روايتان : إحدهما وهي مروية عن محمد يؤكل لأنه مات بسبب حادث وكان كما لو ألقاه الماء على اليبس .
والأخرى ورويت عن الإمام أنه لا يؤكل لأن الحر والبرد صفتان من صفة الزمان وليسا من أسباب الموت في الغالب ، ولا بأس بأكل الجريث والمارماهي ، واشتهر عن الشيعة حركة أكل الأول فليراجع ، واستدل قتادة كما أخرج ابن أبي شيبة عنه بالآية على حنث من حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لما فيها من إطلاق اللحم عليه ، وروي ذلك عن مالك أيضاً . وأجيب بأن مبنى الإيمان على ما يتفاهمه الناس في عرفهم لا على الحقيقة اللغوية ولا على استعمال القرآن ، ولذا لما أفتى الثوري بالحنث في المسألة المذكورة للآية وبلغ أبا حنيفة عليه الرحمة قال للسائل : ارجع واسأله عمن حلف لا يجلس على بساط فجلس على الأرض هل يحنث لقوله تعالى : { جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً } [ نوح : 19 ] فقال له : كأنك السائل أمس ؟ فقال : نعم ، فقال : لا يحنث في هذا ولا في ذاك ورجع عما أفتى به أولاً ، والظاهر أن متمسك الإمام قد كان العرف وهو الذي ذهب إليه ابن الهمام لا ما في الهداية كما قال من أن القياس الحنث ، ووجه الاستحسان أن التسمية القرآنية مجازية لأن منشأ اللحم والدم ولا دم في السمك لسكونه الماء مع انتقاضه بالإلية فإنها تنعقد من الدم ولا يحنث بأكلها .
واعترض بأنه يجوز أن يكون في المسألة دليلان ليس بينهما تناف ، وما ذكر من النقض مدفوع بأن المذكور كل لحم ينشأ من الدم ولا يلزم عسكه الكليء وتعقب بأن إطلاق اللحم على السمك لغة لا شبهة فيه فينتقض الطرد والعكس فمراد المعترض الرد عليه بزيادة في الإلزام . نعم قد يقال : مراده بالمجاز المذكور أنه مجاز عرفي كالدابة إذا أطلقت على الإنسان فيرجع كلامه إلى ما قاله الإمام وحينئذ لا غبار عليه ، وما ذكر بيان لوجه الاستعمال العرفي فلا يرد عليه شيء وهو كما ترى ، وعلى طرز ما قاله الإمام يقال فيمن حلف لا يركب دابة فركب كافراً أنه لا يحنث مع أن الله سبحانه سمى الكافر دابة في قوله تعالى :
{ إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ } [ الأنفال : 55 ] وفي «الكشاف » بياناً لعدم إطلاق اللحم على السمك عرفاً أنه إذا قال واحد لغلامه اشتر بهذه الدراهم لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار عليه أي وهو دليل على عدم إطلاق اللحم عليه في العرف فحيث كانت الإيمان مبنية على العرف لم يحنث بأكله . واعترض بأنه لو قال لغلامه : اشتر لحماً فاشترى لحم عصفور كان حقيقاً بالإنكار مع الحنث بأكله . وتعقب بأن الإنكار إنماجاء من ندرة اشتراء مثله لأنه غير متعارف وفيما نحن فيه اشتراء السمك ولحمه متعارف فليس محل الإنكار إلا عدم إطلاق اللحم عليه { وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً } كاللؤلؤ والمرجان { تَلْبَسُونَهَا } أي تلبسها نساءكم وجهه ذلك بأنه أسند إلى الرجال لاختلاطهم بالنساء وكونهم متبوعين أو لأنهم سبب لتزينهن فإنهن يتزين ليحسن في أعين الرجال فكان ذلك زينتهم ولباسهم .
قال ابن المنير : ولله تعالى در مالك رضي الله تعالى عنه حيث جعل للزوج الحجر على زوجته فيما له بال من مالها ، وذلك مقدر بالزائد على الثلث لحقه فيه بالتجمل ، فانظر إلى مكنة حظ الرجال من مال النساء ومن زينتهن حتى جعل كحظ المرأة من مالها وزينتها فعبر عن حظه في لبسها بلبسه كما يعبر عن حظها سواء مؤيداً بالحديث المروي في الباب اه . ويفهم منه جواز اعتبار المجاز في الطرف ، وصرح بذلك بعضهم وفسر { تَلْبِسُونَ } بتتمتعون وتتلذذون ، ويجوز أن يكون المجاز في النقص وما أظهر في التفسير مراد في النظم ، وقيل : الكلام على التغليب أو من باب بنو فلان قتلوا زيداً ففيه إسناد ما للبعض إلى الكل . وتعقب بأنه وجه لكلا الوجهين أما الأول : فلعدم التلبس بالمسند وهو اللبس ، وأما الثاني : فلأنه لا يتم بدون المجاز في الطرف فلا وجه للعدول عن اعتباره على النحو السابق ، إلى هذا ، وقال بعضهم : لا حاجة إلى كل ذلك فإنه لا مانع من تزين الرجال باللؤلؤ . وتعقب بأنه بعد تسليم أنه لا مانع منه شرعاً مخالف للعادة المستمرة فيأباه لفظ المضارع الدال على خلافه ، ولا يصح ما يقال : إن في «البحر » زمرذاً بحرياً وبفرض الصحة يجيء هذا أيضاً ، ولعله لما أن النساء مأمورات بالحجاب وإخفاء الزينة عن غير المحارم اخفي التصريح بنسبة اللبس إليهن ليكون اللفظ كالمعنى . واستدل أبو يوسف ومحمد عليهما الرحمة بالآية على أن اللؤلؤ يسمى حلياً حتى لو حلف لا يلبس حلياً فلبسه حنث . وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يقول : لا يحنث لأن الؤلؤ وحده لا يسمى حلياً في العرف وبائعه لا يقال له الحلي كذا في أحكام الجصاص .
واستدل بعضهم بالآية على أنه لا زكاة في حلي النساء ، فأخرج ابن جرير عن أبي جعفر أنه سئل هل في حلي النساء صدقة ؟ قال : لا هي كما قال الله تعالى { حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } وهو كما ترى ، ثم إن اللحم الطري يخرج من البحر العذب والبحر الملح والحلية إنما تخرج من الملح ، وقيل : إن العذب يخرج منه لؤلؤ أيضاً ألا أنه لا يلبس إلا قليلاً والكثير التداوي به ، ولم نر من ذكر ذلك في أكثر الكتب المصنفة لذكر مثل ذلك .
وأخرج البزار عن أبي هريرة قال : كلم الله تعالى البحر الغربي وكلم البحر الشرقي فقال للبحر الغربي : إني حامل فيك عباداً من عبادي فما أنت صانع بهم ؟ قال : أغرقهم قال : بأسك في نواحيك وحرمه الحلية والصيد وكلم هذا البحر الشرقي فقال : إني حامل فيك عباداً من عبادي فما أنت صانع بهم ؟ قال : أحملهم على يدي وأكون لهم كالوالدة لولدها فأثابه سبحانه الحلية والصيد ، وأخرج نحو ذلك ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص عن كعب الأحبار ، والله تعالى أعلم بصحة ذلك ، وظاهر كلام الأكثرين حمل { البحر } في الآية على البحر الملح وهو مملوء من السمك بل قيل إن السمك يطلق على كل ما فيه من الحيوانات ولا يكون اللؤلؤ إلا في موضع مخصوصة منه .
{ وَتَرَى الفلك } السفن { مَوَاخِرَ فِيهِ } جواري فيه جمع ماخرة بمعنى جارية ، وأصل المخر الشق يقال : مخر الماء الأرض إذا شقها وسميت السفن بذلك لأنها تشق الماء بمقدمها ، وقال الفراء : هو صوت جري الفلك بالرياح { وَلِتَبْتَغُواْ } عطف على تستخرجوا وما عطف عليه وما بينهما اعتراض لتمهيد مبادىء الابتغاء ودفع كونه باستخراج الحلية ، وعدل عن نمط الخطاب السابق واللاحق أعني خطاب الجمع إلى خطاب المفرد المراد به كل من يصلح للخطاب إيذاناً بأن ذاك غير مسوق مساقهما ، وأجاز ابن الأنباري أن يكون معطوفاً على علة محذوفة أي لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا ، وأن يكون متعلقاً بفعل محذوف أي فعل ذلك لتبتغوا ، وهو تكلف يغني الله تعالى عنه .
{ مِن فَضْلِهِ } من سعة رزقه بركوبها للتجارة { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } تقومون بحق نعم الله تعالى بالطاعة والتوحيد ، ولعل تخصيص هذه النعمة بالتعقيب بالشكر لأنها أقوى في باب الانعام من حيث أنه جعل ركوب البحر مع كونه مظنة الهلاك لأن راكبيه كما قال عمر رضي الله تعالى عنه دود على عود سبباً للانتفاع وحصول المعاش وهو من كمال النعمة لقطع المسافة الطويلة في زمن قصير مع عدم الاحتياج إلى الحل والترحال والحركة مع الاستراحة والسكون ، وما أحسن ما قيل في ذلك :
وإنا لفي الدنيا كركب سفينة . . . نظن وقوفاً والزمان بنا يسري
وعدم توسيط الفوز بالمطلوب بين الابتغاء والشكر قيل للإيذان باستغنائه عن التصريح به وبحصولهما معاً .
واستدل بالآية على جواز ركوب البحر للتجارة بلا كراهة وإليه ذهب جماعة ، وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان يكره ركوب البحر إلا لثلاث غاز أو حاج أو معتمر .
{ 14 } { وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
أي : هو وحده لا شريك له { الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ } وهيأه لمنافعكم المتنوعة . { لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا } وهو السمك والحوت الذي يصطادونه منه ، { وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } فتزيدكم جمالا وحسنا إلى حسنكم ، { وَتَرَى الْفُلْكَ } أي : السفن والمراكب { مَوَاخِرَ فِيهِ } أي : تمخر في البحر العجاج الهائل بمقدمها حتى تسلك فيه من قطر إلى آخر ، تحمل المسافرين وأرزاقهم وأمتعتهم وتجاراتهم التي يطلبون بها الأرزاق وفضل الله عليهم .
{ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الذي يسر لكم هذه الأشياء وهيأها وتثنون على الله الذي منَّ بها ، فلله تعالى الحمد والشكر والثناء ، حيث أعطى العباد من مصالحهم ومنافعهم فوق ما يطلبون ، وأعلى ما يتمنون ، وآتاهم من كل ما سألوه ، لا نحصي ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا}، وهو السمك ما أصيد، أو ألقاه الماء وهو حي، {وتستخرجوا منه حلية تلبسونها}، يعني: اللؤلؤ، {وترى الفلك}، يعني: السفن، {مواخر فيه}، يعني: في البحر مقبلة ومدبرة بريح واحد، {ولتبتغوا من فضله}، يعني: سخر لكم الفلك لتبتغوا من فضله، {ولعلكم تشكرون} ربكم في نعمه عز وجل.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: والذي فعل هذه الأفعال بكم وأنعم عليكم أيها الناس هذه النعم، الذي سخر لكم البحر... "لتَأْكُلُوا منْهُ لَحْما طرِيّا "وهو السمك الذي يصطاد منه. "وتَسْتَخْرِجُوا منْهُ حلْيَةً تَلْبَسُونَها" وهو اللؤلؤ والمرجان... "وَتَرَى الفُلْكَ" يعني السفن، "مَوَاخرَ فِيهِ" وهي جمع ماخرة.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "مَوَاخرَ"؛
فقال بعضهم: المواخر: المواقر...
وقال آخرون... ما أخذ عن يمين السفينة وعن يسارها من الماء، فهو المواخر... [مواخر]:...هي السفينة تقول بالماء هكذا، يعني تشقه. [قول عكرمة]
وقال آخرون:.. عن أبي صالح: "وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِيهِ" قال: تجري فيه متعرضّة.
وقال آخرون... عن مجاهد: "وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِيهِ" قال: تمخر السفينة الرياح، ولا تمخر الريحَ من السفن إلا الفلك العظامُ...
وقال آخرون:... عن قتادة: "وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِيهِ" تجري بريح واحدة، مُقبلة ومُدبرة...
والمخْر في كلام العرب: صوت هبوب الريح إذا اشتدّ هبوبها، وهو في هذا الموضع: صوت جري السفينة بالريح إذا عصفت وشقها الماء حينئذ بصدرها، يقال منه: مخرت السفينة تمخر مخرا ومخورا، وهي ماخرة، ويقال: امتخرت الريح وتمخرتها: إذا نظرتَ من أين هبوبها وتسمّعت صوت هبوبها...
وقوله: "وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ" يقول تعالى ذكره: ولتتصرّفوا في طلب معايشكم بالتجارة سخر لكم...
وقوله: "وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ" يقول: ولتشكروا ربكم على ما أنعم به عليكم من ذلك سخر لكم ما سخر من هذه الأشياء التي عدّدها في هذه الآيات.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{هو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا} وتسخيره إياه لنا هو ما بذل للخلق ما فيه من أنواع الأموال التي خلق الله فيه من الحلي والجوهر واللؤلؤ، وبذل ما فيه من الدواب والسمك وغيره. فلولا تسخير الله إياه للخلق وتعليمه إياهم الحيل التي بها يوصل إلى ما فيه من الأموال النفيسة، وإلا ما قدروا على استخراج ما فيه و الوصول إليه لشدة أهواله وإفزاعه.
{لتأكلوا منه لحما طريا} يحتمل السمك خاصة، ويحتمل السمك وما فيه من الدواب، من نوع ما لو كان بريا أكل من نحو الجواميس وغيرها.
{وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} تحتمل الحلية اللؤلؤ والمرجان الذي ذكر في آية أخرى حين قال: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} (الرحمن: 22). ثم يحتمل قوله: {حلية} أي ما يتخذ منه حلية. وهذا جائز أن يسمى الشيء باسم ما يتخذ منه، وباسم ما يصير به في المتعقب، أو يسمى حلية لأنه زينة. ولا شك أن اللؤلؤ والمرجان هما زينة وجمال، وفي الخيل والبغال كذلك. فالزينة في اللؤلؤ والمرجان أكثر، والجمال فيه أظهر.
ووجه تسخيره إياه لنا الحيل والأسباب التي علمنا حتى نصل إلى ما فيه. فكأنه قال: سخرت لكم البحر من أسفله إلى أعلاه. وفي ذلك دلالات:
أحدها: إباحة التجارة بركوب الأخطار لأن الغائص في البحر يخاطر بنفسه وروحه. وكذلك راكب السفن. فلو لا أنه مباح له طلب ذلك، وإلا ما ذكر هذا في منته؛ إذ هو يخرج مخرج ذكر الامتنان، والله أعلم.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
" ولتبتغوا من فضله"... والواو دخلت ليعلم أن الله خلق ذلك وأراد جميع ذلك وقصده.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{لَحْمًا طَرِيّا}... ووصفه بالطراوة؛ لأنّ الفساد يسرع إليه، فيسارع إلى أكله خيفة للفساد عليه..
{حِلْيَةً}... والمراد بلبسهم: لبس نسائهم، لأنهنّ من جملتهم، ولأنهنّ إنما يتزينّ بها من أجلهم، فكأنها زينتهم ولباسهم.
اعلم أنه تعالى لما احتج على إثبات الإله في المرتبة الأولى بأجرام السموات، وفي المرتبة الثانية ببدن الإنسان ونفسه، وفي المرتبة الثالثة بعجائب خلقة الحيوانات، وفي المرتبة الرابعة بعجائب طبائع النبات ذكر في المرتبة الخامسة الاستدلال على وجود الصانع بعجائب أحوال العناصر فبدأ منها بالاستدلال بعنصر الماء. واعلم أن منافع البحار كثيرة، والله تعالى ذكر منها في هذه الآية ثلاثة أنواع:
المنفعة الأولى: قوله تعالى: {لتأكلوا منه لحما طريا}... في ذكر الطري مزيد فائدة، وذلك لأنه لو كان السمك كله مالحا، لما عرف به من قدرة الله تعالى ما يعرف بالطري فإنه لما خرج من البحر الملح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة، علم أنه إنما حدث لا بحسب الطبيعة، بل بقدرة الله وحكمته حيث أظهر الضد من الضد...
المنفعة الثانية: من منافع البحر قوله تعالى: {وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} والمراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان...
المنفعة الثالثة: قوله تعالى: {وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله} قال أهل اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها، وعن الفراء: أنه صوت جري الفلك بالرياح.
إذا عرفت هذا فقول ابن عباس: {مواخر} أي جواري، إنما حسن التفسير به، لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية.
وقوله تعالى: {ولتبتغوا من فضله} يعني لتركبوه للتجارة فتطلبوا الربح من فضل الله، وإذا وجدتم فضل الله تعالى وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره، والله أعلم.
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
..."وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" أي تعرِفون حقوقَ نعمِه الجليلةِ فتقومون بأدائها بالطاعة والتوحيد، ولعل تخصيصَ هذه النعمةِ بالتعقيب بالشكر من حيث إن فيها قطعاً لمسافة طويلة مع أحمال ثقيلةٍ في مدة قليلة من غير مزاولةِ أسبابِ السفر، بل من غير حركة أصلاً مع أنها في تضاعيف المهالكِ وعدمُ توسيط الفوزِ بالمطلوب بين الابتغاء والشكر للإيذان باستغنائه عن التصريح به وبحصولهما معاً.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :
... ولا حاجة لما تكلفه جماعة من المفسرين في تأويل قوله: {تَلْبَسُونَهَا} بقوله تلبسه نساؤهم، لأنهنّ من جملتهم، أو لكونهنّ يلبسنها لأجلهم، وليس في الشريعة المطهرة ما يقتضي منع الرجال من التحلي باللؤلؤ والمرجان ما لم يستعمله على صفة لا يستعمله عليها إلاّ النساء خاصة، فإن ذلك ممنوع من جهة كونه تشبهاً بهنّ، وقد ورد الشرع بمعنه لا من جهة كونه حلية لؤلؤ أو مرجان.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
والتعبير كذلك عن الفلك يشي بتلبية حاسة الجمال لا بمجرد الركوب والانتقال: (وترى الفلك مواخر فيه) فهي لفتة إلى متاع الرؤية وروعتها: رؤية الفلك (مواخر) تشق الماء وتفرق العباب.. ومرة أخرى نجد أنفسنا أمام التوجيه القرآني العالي إلي الجمال في مظاهر الكون، بجانب الضرورة والحاجة، لنتملى هذا الجمال ونستمتع به، ولا نحبس أنفسنا داخل حدود الضرورات والحاجات.
والتسخير كما علمنا من قبل هو إيجاد الكائن لمهمة لا يستطيع الكائن أن يتخلف عنها، ولا اختيار له في أن يؤديها أو لا يؤديها...
وهنا يقول سبحانه: {وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طرياً} (سورة النحل) واللحم إذا أطلق يكون المقصود به اللحم المأخوذ من الأنعام، أما إذا قيد ب "لحم طري "فالمقصود هو السمك، وهذه مسألة من إعجازية التعبير القرآني؛ لأن السمك الصالح للأكل يكون طرياً دائماً.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
نعمة الجبال والبحار والنجوم: تبيّن هذه الآيات قسماً آخر من النعم الإِلهية غير المحدودة التي تفضل بها اللّه عزَّ وجلّ على الإِنسان، فيبدأ القرآن الكريم بذكر البحار، المنبع الحيوي للحياة، فيقول: (وهو الذي سخر البحر)...
وممّا يكشف عن عظم نعمة البحار أنّها: أوسع بكثير من الطرق البرية، أقلّ كلفة، أكثر أهليةً للحركة، أعظم وسيلة نقلية للبشر، وذلك بملاحظة كبر السفن المستخدمة في النقل وضخامة ما تحمله.