روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ يُضَٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا} (30)

{ يَا نسَاء النبي } تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن ونداؤهن ههنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام ، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل { مَن يَأْتِ } بالياء التحتية حملاً على لفظ { مِنْ } ، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما . والجحدري . وعمرو بن قائد الأسواري ويعقوب بالتاء الفوقية حملاً على معناها { مِنكُنَّ بفاحشة } بكبيرة { مُّبَيّنَةٍ } ظاهرة القبح من بين بمعنى تبين ، وقرأ ابن كثير . وأبو بكر مبينة بفتح الياء والمراد بها على ما قيل : كل ما يقترف من الكبائر ، وأخرج البيهقي في «السنن » عن مقاتل بن سليمان أنها العصيان للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : ذلك وطلبهن ما يشق عليه عليه الصلاة والسلام أو ما يضيق به ذرعه ويغتم صلى الله عليه وسلم لأجله .

ومنع في «البحر » أن يراد بها الزنا قال : لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من ارتكاب نسائه ذلك ولأنه وصفت الفاحشة بالتبين والزنا مما يتستر به ومقتضاه منع إرادة الأعم ثم قال : وينبغي أن تحمل الفاحشة على عقوق الزوج وفساد عشرته ، ولا يخلو كلامه عن بحث والإمام فسرها به ، وجعل الشرطية من قبيل { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر : 65 ] من حيث أن ذلك ممكن الوقوع في أول النظر ولا يقع جزماً فإن الأنبياء صان الله تعالى زوجاتهم عن ذلك ، وقد تقدم بعض الكلام في هذه المسألة في سورة النور وسيأتي إن شاء الله تعالى طرف مما يتعلق بهما أيضاً { يُضَاعَفْ لَهَا العذاب } يوم القيامة على ما روي عن مقاتل أو فيه ، وفي الدنيا على ما روي عن قتادة { ضِعْفَيْنِ } أي يعذبن ضعفي عذاب غيرهن أي مثليه فإن مكث غيرهن ممن أتى بفاحشة مبينة في النار يوماً مثلاً مكثن هن لو أتين بمثل ما أتى يومين ، وإن وجب على غيرهن حد لفاحشة وجب عليهن لو أتين بمثلها حدان ، وقال أبو عمرو . وأبو عبيدة فيما حكى الطبري عنهما الضعفان أن يجعل الواحدة ثلاثة فيكون عليهن ثلاثة حدود أو ثلاثة أمثال عذاب غيرهن ، وليس بذاك ، وسبب تضعيف العذاب أن الذنب منهن أقبح فإن زيادة قبحه تابعة لزيادة فضل المذنب والنعمة عليه وتلك ظاهرة فيهن ولذلك جعل حد الحر ضعف حد الرقيق وعوتب الأنبياء عليهم السلام بما لا يعاتب به الأمم وكذا حال العالم بالنسبة إلى الجاهل فليس من يعلم كمن لا يعلم ، وروي عن زين العابدين رضي الله تعالى عنه أنه قال له رجل : إنكم أهل بيت مغفور لكم فغضب وقال : نحن أحرى أن يجري فينا ما أجرى الله تعالى في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من أن نكون كما تقول إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر ولمسيئتنا ضعفين من العذاب وقرأ هذه الآية والتي تليها ، وقرأ الحسن .

وعيسى . وأبو عمرو { يضاعف } بالياء التحتية مبنياً للمفعول بلا ألف والجحدري . وابن كثير . وابن عامر { نضعف } بالنون مبنياً للفاعل بلا ألف أيضاً وزيد بن علي . وابن محيصن . وخارجة عن أبي عمرو { نضاعف } بالنون والألف والبناء للفاعل وفرقة { والله يضاعف } بالياء والألف والبناء للفاعل ، وقرأ { العذاب } بالرفع من قرأ بالبناء للمفعول وبالنصب من قرأ بالبناء للفاعل { وَكَانَ ذلك } أي تضعيف العذاب عليهن { عَلَى الله يَسِيراً } أي سهلاً لا يمنعه جل شأنه عنه كونهن نساء النبي صلى الله عليه وسلم بل هو سبب له .

ومن باب الإشارة : { يا نساء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ } [ الأحزاب : 0 3 ] الخ فيه إشارة إلى تفاوت قبح المعاصي وحسن الطاعات باعتبار الأشخاص ومثل ذلك تفاوتها باعتبار الأماكن والأزمان

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ يُضَٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا} (30)

{ 30 - 31 } { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا *وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا }

لما اخترن اللّه ورسوله والدار الآخرة ، ذكر مضاعفة أجرهن ، ومضاعفة وزرهن وإثمهن ، لو جرى منهن ، ليزداد حذرهن ، وشكرهن اللّه تعالى ، فجعل من أتى منهن بفاحشة ظاهرة ، لها العذاب ضعفين .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ يُضَٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا} (30)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

"بفاحشة مبينة" يعني العصيان للنبي صلى الله عليه وسلم.

{يضاعف لها العذاب ضعفين} في الآخرة.

{وكان ذلك على الله يسيرا}: وكان عذابها على الله هينا.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم:"يا نِساء النّبِيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنّ بفاحِشَةٍ مَبَيّنَةٍ" يقول: من يزن منكنّ الزنى المعروف الذي أوجب الله عليه الحدّ، يضاعف لها العذاب على فجورها في الآخرة ضعفين على فجور أزواج الناس غيرهم...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

الفاحشة المبينة، هي النشوز البين...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

زيادةُ العقوبة على الجُرْم من أمارات الفضيلة، ولذا فضل حدُّ الأحرار على العبيد. وتقليل ذلك من أمارات النقص؛ فلما كانت منزلتُهن في الشرف تزيد على منزلة جميع النساء ضاعَفَ عقوبتهن على أجرامهن.

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

وقد استدل أبو بكر الفارسي في أحكام القرآن بهذه الآية على أنهن أشرف نساء العالم.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

الفاحشة: السيئة البليغة في القبح وهي الكبيرة. والمبينة: الظاهرة فحشها، والمراد كل ما اقترفن من الكبائر؛ وإنما ضوعف عذابهنّ لأن ما قبح من سائر النساء كان أقبح منهنّ وأقبح؛ لأن زيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل والمرتبة، وزيادة النعمة على العاصي من المعصي، وليس لأحد من النساء مثل فضل نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ولا على أحد منهنّ مثل ما لله عليهن من النعمة، والجزاء يتبع الفعل، وكون الجزاء عقاباً يتبع كون الفعل قبيحاً، فمتى ازداد قبحاً، ازداد عقابه شدّة. {وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً} إيذان بأن كونهن نساء النبي صلى الله عليه وسلم ليس بمغن عنهن شيئاً. وكيف يغني عنهن وهو سبب مضاعفة العذاب، فكان داعياً إلى تشديد الأمر عليهنّ غير صارف عنه.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{وكان ذلك على الله يسيرا} أي ليس كونكن تحت النبي عليه السلام وكونكن شريفات جليلات مما يدفع العذاب عنكن، وليس أمر الله كأمر الخلق حيث يتعذر عليهم تعذيب الأعزة بسبب كثرة أوليائهم وأعوانهم أو شفعائهم وإخوانهم.

جهود القرافي في التفسير 684 هـ :

هذه عادة الله تعالى في خلقه: من عظمت عليه نعمته اشتدت عليه نقمته.

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

{بفاحشة مبينة}: كبيرة من المعاصي، ولا يتوهم أنها الزنا، لعصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من ذلك، ولأنه وصفها بالتبيين والزنا مما يتستر به، وينبغي أن تحمل الفاحشة على عقوق الزوج وفساد عشرته.

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{يا نساء النبي} تلوينٌ للخطابِ وتوجيهٌ له إليهنَّ لإظهارِ الاعتناءِ بنُصحهنَّ، ونداؤهن ههنا وفيما بعدَه بالإضافةِ إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لأنَّها التي يدورُ عليها ما يردُ عليهنَّ من الأحكامِ.

{وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً} لا يمنعُه من التَّضعيفِ كونُهنَّ نساءَ النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بل يدعُوه إليهِ لمراعاةِ حقِّهِ.

روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :

فيه إشارة إلى تفاوت قبح المعاصي وحسن الطاعات باعتبار الأشخاص ومثل ذلك تفاوتها باعتبار الأماكن والأزمان.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

إنها تبعة المكان الكريم الذي هن فيه. وهن أزواج رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وهن أمهات المؤمنين. وهذه الصفة وتلك كلتاهما ترتبان عليهن واجبات ثقيلة، وتعصمانهن كذلك من مقارفة الفاحشة. فإذا فرض وقارفت واحدة منهن فاحشة مبينة واضحة لا خفاء فيها، كانت مستحقة لضعفين من العذاب. وذلك فرض يبين تبعة المكان الكريم الذي هن فيه.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

ولما كان الأجر الموعود منوطاً بالإحسان أُريد تحذيرهن من المعاصي بلوغاً بهن إلى مرتبة الملكية، مبالغة في التحذير إذ جعل عذاب المعصية على فرض أن تأتيها إحداهن عذاباً مضاعفاً.

ونِدَاؤُهُنّ للاهتمام بما سيُلْقَى إليهن. ونَادَاهُنّ بوصف {نساء النبي} ليعلَمْنَ أن ما سيُلقَى إليهن خبر يناسب علوّ أقدارهِنّ. والنساء هنا مراد به الحلائل.

أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري 1439 هـ :

من الهداية: -بيان أن سيئة العالم الشريف اسوأ من سيئة الجاهل الوضيع. ولذا قالوا حسنات الأبرار سيّئات المقربين، كمثل من الأمثال السائرة للعظة والاعتبار.