روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا} (38)

{ مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ } أي ما صح وما استقام في الحكمة أن يكون له حرج { فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ } أي قسم له صلى الله عليه وسلم وقدر من قولهم : فرض له في الديوان كذا ، ومنه فروض العساكر لما يقطعه السلطان لهم ويرسم به ، وقال قتادة : أي فيما أحل له ، وقال الحسن : فيما خصه به من صحة النكاح بلا صداق ، وقال الضحاك : من الزيادة على الأربع { سُنَّةَ الله } أي سن الله تعالى ذلك سنة فهو مصدر منصوب بفعل مقدر من لفظه ، والجملة مؤكدة لما قبلها من نفي الحرج ، وذهب الزمخشري إلى أنه اسم موضوع موضع المصدر كقولهم : ترباً وجندلاً أي رغماً وهواناً وخيبة ، وكأنه لم تثبت عنده مصدريته ، وقيل منصوب بتقدير الزم ونحوه .

قال ابن عطية : ويجوز أن يكون نصباً على الإغراء كأنه قيل : فعليه سنة الله . وتعقبه أبو حيان بأنه ليس يجيد لأن عامل الاسم في الإغراء لا يجوز حذفه ، وأيضاً تقدير فعليه سنة الله بضمير الغائب لا يجوز إذ لا يغري غائب وقولهم عليه رجلاً ليسني مؤول وهو مع ذلك نادر . واعترض بأن قوله : لأن عامل الاسم في الإغراء لا يجوز حذفه ممنوع ، وهو خلاف ما يفهم من كتب النحو وبأن ما ذكره في أمر إغراء الغائب مسلم لكن يمكن توجيهه كما لا يخفى ، ثم قيل : إن ظاهر كلام ابن عطية يشعر بأن النصب بتقدير الزم قسيم للنصب على الإغراء وليس كذلك بل هو قسم منه اه فتدبر .

{ فِي الذين خَلَوْاْ } أي مضوا { مِن قَبْلُ } أي من قبلك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث لم يحرج جل شأنه عليهم في الإقدام على ما أحل لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره وقد كانت تحتهم المهائر والسراري وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة وثلاثمائة سرية ولسليمان عليه السلام ثلثمائة امرأة وسبعمائة سرية .

وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي أنه كان له عليه السلام ألف امرأة ، والظاهر أنه عنى بالمرأة ما يقابله السرية ويحتمل أنه أراد بها الأعم فيوافق ما قبله . يروى أن اليهود قاتلهم الله تعالى عابوه وحاشاه من العيب صلى الله عليه وسلم بكثرة النكاح وكثرة الأزواج فرد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه : { سُنَّةَ الله } الآية .

وقيل : إنه جل وعلا أشار بذلك إلى ما وقع لداود عليه السلام من تزوجه امرأة أوريا . وأخرج ذلك ابن المنذر . والطبراني عن ابن جريج ، واسم تلك الامرأة عنده أليسية وهذا مما لا يلتفت إليه ، والقصة عند المحققين لا أصل لها { وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً } أي عن قدر أو ذا قدر ووصفه بمقدور نحو وصف الظل بالظليل والليل بالأليل في قولهم ظل ظليل وليل أليل في قصد التأكيد ، والمراد بالقدر عند جمع المعنى المشهور للقضاء وهو الإرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه ، وجوز كونه بالمعنى المشهور له وهو إيجاد الأشياء على قدر مخصوص وكمية معينة من وجوه المصلحة وغيرها ، والمعنى الأول أظهر ، والقضاء والقدر يستعمل كل منهما بمعنى الآخر وفسر الأمر بنحو ما فسر به فيما سبق .

وجوز أن يراد به الأمر الذي هو واحد الأوامر من غير تأويل ويراد أن أتباع أمر الله تعالى المنزل على أنبيائه عليهم السلام والعمل بموجبه لازم مقضي في نفسه أو هو كالمقضي في لزوم إتباعه ، ولا يخفى تكلفه ، وظاهر كلام الإمام اختيار أن الأمر واحد الأمور وفرق بين القضاء والقدر بما لم نقف عليه لغيره فقال ما حاصله . القضاء ما يكون مقصوداً له تعالى في الأصل والقدر ما يكون تابعاً والخير كله بقضاء وما في العالم من الضرر بقدر كالزنا والقتل ثم بنى على ذلك لطيفة وهو أنه لما قال سبحانه : { زوجناكها } [ الأحزاب : 37 ] ذيله بأمراً مفعولاً لكونه مقصوداً أصلياً وخيراً مقضياً ولما قال جل شأنه : { سُنَّةَ الله في الذين خَلَوْاْ } إشارة إلى قصة داود عليه السلام حيث افتتن بامرأة أوريا قال سبحانه : { قَدَراً مَّقْدُوراً } لكون الافتتان شراً غير مقصود أصلي من خلق المكلف ، وفيه ما فيه ، والجملة اعتراض وسط بين الموصولين الجاريين مجرى الواحد للمسارعة إلى تقرير نفي الحرج وتحقيقه .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا} (38)

{ 38 - 39 ْ } { مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ْ }

هذا دفع لطعن من طعن في الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، في كثرة أزواجه ، وأنه طعن ، بما لا مطعن فيه ، فقال : { مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ ْ } أي : إثم وذنب . { فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ْ } أي : قدر له من الزوجات ، فإن هذا ، قد أباحه اللّه للأنبياء قبله ، ولهذا قال : { سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ْ } أي : لا بد من وقوعه .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا} (38)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره:"ما كان على النبيّ من حرج": من إثم فيما أحلّ الله له من نكاح امرأة من تَبَنّاه بعد فراقه إياها...

وقوله: "سُنّةَ اللّهِ فِي الّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِ "يقول: لم يكن الله تعالى لُيؤْثِم نبيه فيما أحلّ له، مثالَ فعله بمن قبله من الرسل الذين مضوا قبله في أنه لم يؤثمهم بما أحلّ لهم، لم يكن لنبيه أن يخشى الناس فيما أمره به أو أحله له...

وقوله: "وكانَ أمْرُ اللّهِ قَدَرا مَقْدُورا "يقول: وكان أمر الله قضاء مقضيا...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

{وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا}. لا يُعَارَضُ ولا يُنَاقَضُ، ولا يُرَدُّ ولا يُجْحَد. وما كان على النبيِّ من حَرَجٍ بوجهٍ لكونه معصوماً...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{فَرَضَ الله لَهُ} قسم له وأوجب، من قولهم: فرض لفلان في الديوان كذا. ومنه فروض العسكر لرزقاتهم {سُنَّةَ الله}... كأنه قيل: سنّ الله ذلك سنة في الأنبياء الماضين، وهو أن لا يحرج عليهم في الاقدام على ما أباح لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

و {أمر الله} في الآية أي مأمورات الله والكائنات عن أمره فهي مقدورة...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{من حرج فيما فرض} أي قدر {الله} بما له من صفات الكمال وأوجبه {له} لأنه لم يكن على المؤمنين مطلقاً حرج في ذلك فكيف برأس المؤمنين، فصار منفياً عنه الحرج مرتين خصوصاً بعد عموم تشريفاً له وتنويهاً بشأنه.

{سنة الله} أي سن الملك الذي إذا سن شيئاً أتقنه بما له من العزة والحكمة فلم يقدر أحد أن يغير شيئاً منه.

{في الذين خلوا} وكأنه أراد أن يكون أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام أولى مراد بهذا، تبكيتاً لملبسي أتباعهم.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ولما كانت المسألة مسألة تقرير مبدأ جديد فقد مضى القرآن يوكدها؛ ويزيل عنصر الغرابة فيها، ويردها إلى أصولها البسيطة المنطقية التاريخية:

(ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له)..

فقد فرض له أن يتزوج زينب، وأن يبطل عادة العرب في تحريم أزواج الأدعياء. وإذن فلا حرج في هذا الأمر، وليس النبي [صلى الله عليه وسلم] فيه بدعا من الرسل.

(سنة الله في الذين خلوا من قبل)..

فهو أمر يمضي وفق سنة الله التي لا تتبدل. والتي تتعلق بحقائق الأشياء، لا بما يحوطها من تصورات وتقاليد مصطنعة لا تقوم على أساس.

(وكان أمر الله قدرا مقدورا)..

فهو نافذ مفعول، لا يقف في وجهه شيء ولا أحد. وهو مقدر بحكمة وخبرة ووزن، منظور فيه إلى الغاية التي يريدها الله منه. و يعلم ضرورتها وقدرها وزمانها ومكانها. وقد أمر الله رسوله أن يبطل تلك العادة ويمحو آثارها عمليا، ويقرر بنفسه السابقة الواقعية. ولم يكن بد من نفاذ أمر الله.

وسنة الله هذه قد مضت في الذين خلوا من قبل من الرسل:

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

استئناف لزيادة بيان مساواة النبي صلى الله عليه وسلم للأمة في إباحة تزوج مطلقة دعيّه وبيان أن ذلك لا يخل بصفة النبوءة لأن تناول المباحات من سنة الأنبياء، قال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً} [المؤمنون: 51]، وأن النبي إذا رام الانتفاع بمباح لميل نفسه إليه ينبغي له أن يتناوله لئلا يجاهد نفسه فيما لم يؤمر بمجاهدة النفس فيه، لأن الأليق به أن يستبقي عزيمته ومجاهدته لدفع ما أمر بتجنبه.

وفي هذا الاستئناف ابتداء لنقض أقوال المنافقين أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة ابنه.

ومعنى: {فرض الله له} قدّره، إذْ أَذِنَه بفعله. وتعدية فعل {فرض} باللام تدل على هذا المعنى بخلاف تعديته بحرف (على) كقوله: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} [الأحزاب: 50].

والسُّنَّة: السيرة من عمل أو خُلق يلازمه صاحبه. ومضى القول في هل السنة اسم جامد أو اسم مصدر عند قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن} في سورة آل عمران (137)... فالتقدير: سَنّ الله سنته في الذين خلوا من قبل.

والمعنى: أن محمداً صلى الله عليه وسلم متَّبع سُنَّة الأنبياء الذين سبقوه اتباعاً لما فرض الله له كما فرض لهم، أي أباح.

والمراد ب {الذين خلوا}: الأنبياء بقرينة سياق لفظ النبي، أي الذين خلوا من قبل النبوءة، وقد زاده بياناً قوله: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه}، فالأنبياء كانوا متزوجين وكان لكثير منهم عدة أزواج، وكان بعض أزواجهم أحب إليهم من بعضهن.

فإن وقفنا عند ما جاء في هذه الآية وما بيّنته الآثار الصحيحة فالعبرة بأحوال جميع الأنبياء.