روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا} (10)

{ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } استئناف جيء به لتقرير ( مضمون ) ما فصل من الأوامر والنواهي و { ظُلْماً } إما حال أي ظالمين ، أو مفعول لأجله وقيل : منصوب على المصدرية أي أكل ظلم على معنى أكلا على وجهه ، وقيل : على التمييز وإنما علق الوعيد على الأكل بذلك لأنه قد يأكل مال اليتيم على وجه الاستحقاق كالأجرة والقرض مثلاً فلا يكون ظلماً ولا الآكل ظالماً . وقيل : ذكر الظلم للتأكيد والبيان لأن أكل مال اليتيم لا يكون إلا ظلماً ومن أخذ مال اليتيم قرضاً أو أجرة فقد أكل مال نفسه ولم يأكل مال اليتيم وفيه منع ظاهر .

{ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ } أي ملء بطونهم ، وشاع هذا التعبير في ذلك ، وكأنه مبني على أن حقيقة الظرفية المتبادر منها الإحاطة بحيث لا يفضل الظرف عن المظروف فيكون الأكل في البطن ملء البطن ، وفي بعض البطن دونه ، وهو المراد في قوله :

كلو في بعض بطنكم تعفوا *** فإن زمانكم زمن خميص

ولا ينافي هذا قول الأصوليين : إن الظرف إذا جر بفي لا يكون بتمامه ظرفاً بخلاف المقدرة فيه ، فنحو سرت يوم الخميس لتمامه وفي يوم الخميس لغيره ، فقد قال عصام الملة : إن هذا مذهب الكوفين ، والبصريون لا يفرقون بينهما كما بين في النحو ، وقال شهاب الدين : الظاهر إن ما ذكره أهل الأصول فيما يصح جره بفي ونصبه على الظرفية ، وهذا ليس كذلك لأنه لا يقال : أكل بطنه بمعنى في بطنه فليس مما ذكره أهل الأصول في شيء ، وهو مثل جعلت المتاع في البيت فهو صادق بملئه وبعدمه لكن الأصل الأول كما ذكروه .

وجوز أن يكون ذكر البطون للتأكيد والمبالغة كما في قوله تعالى : { يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } [ آل عمران : 167 ] والقول لا يكون إلا بالفم ، وقوله تعالى : { ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور } [ الحج : 46 ] والقلب لا يكون إلا في الصدر ، وقوله سبحانه : { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 38 ] والطير لا يطير إلا بجناح ، فقد قالوا : إن الغرض من ذلك كله التأكيد والمبالغة ، ثم المظروف هنا المفعول أي المأكول لا الفاعل ، وتحقيق ذلك على ما نقل عن التمرتاشي في الأيمان أنه إذا ذكر ظرف بعد فعل له فاعل ومفعول كما إذا قلت : إن ضربت زيداً في الدار ، أو في المسجد فكذا فإن كانا معاً فيه فالأمر ظاهر ، وإن كان الفاعل فيه دون المفعول ، أو بالعكس فإن كان الفعل مما يظهر أثره في المفعول كالضرب والقتل والجرح فالمعتبر كون المفعول فيه وإن كان مما لا يظهر أثره فيه كالشتم فالمعتبر كون الفاعل فيه ، ولذا قال بعض الفقهاء : لو قال : إن شتمته في المسجد أو رميت إليه فشرط حنثه كون الفاعل فيه ، ولو قال : إن ضربته أو جرحته أو قتلته أو رميته فشرطه كون المفعول فيه ، وإنما كان الرمي في الأول مما لا يظهر له أثر لأنه أريد به إرسال السهم من القوس بنيته ؛ وذلك مما لا يظهر له أثر في المحل ولا يتوقف على وصول فعل الفاعل ، وفي الثاني مما يظهر له أثر لأنه أريد به إرسال السهم ، أو ما يضاهيه على وجه يصل إلى المرمى إليه فيجرحه أو يوجعه ويؤلمه ، ولا شك أن ما نحن فيه من قبيل هذا القسم ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام على ذلك .

والجار والمجرور متعلق بيأكلون وهو الظاهر ، وقيل : إنه حال من قوله تعالى : { نَارًا } أي ما يجرّ إليها فالنار مجاز مرسل من ذكر المسبب وإرادة السبب ، وجوز في ذلك الاستعارة على تشبيه ما أكل من أموال اليتامى بالنار لمحق ما معه ، واستبعده بعض المحققين ، وذهب بعضهم إلى جواز حمله على ظاهره ، فعن عبيد الله بن جعفر أنه قال : من أكل مال اليتيم فإنه يؤخذ بمشفره يوم القيامة فيملأ فمه جمراً ويقال له كل ما أكلته في الدنيا ثم يدخل السعير الكبرى . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال : حدثني النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال : " نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار فيقذف في أجوافهم حتى تخرج من أسافلهم ولهم خوار وصراخ فقلت : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً "

{ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } أي سيدخلون ناراً هائلة مبهمة الوصف ، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم ياء المضارعة ، والباقون بفتحها ، وقرىء { وَسَيَصْلَوْنَ } بتشديد اللام ، وفي «الصحاح » يقال : صليت اللحم وغيره أصليه صلياً مثل رميته رمياً إذا شويته ، وصليت الرجل ناراً إذا أدخلته وجعلته يصلاها فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد ازحراق قلت : أصليته بالألف وصليته تصلية ، ويقال : صلى بالأمر إذا قاسى حره وشدته ، قال الطهوي :

ولاتبلي بسالتهم وإن هم *** ( صلوا ) بالحرب حيناً بعد حين

وقال بعض المحققين : إن أصل الصلى القرب من النار وقد استعمل هنا في الدخول مجازاً ، وظاهر كلام البعض أنه متعد بنفسه ، وقيل : إنه يتعدى بالباء فيقال : صلى بالنار ، وذكر الراغب أنه يتعدى بالباء تارة أو بنفسه أخرى ولعله بمعنيين كما يشير إليه ما في «الصحاح » ، والسعير فعيل بمعنى مفعول من سعرت النار إذا أوقدتها وألهبتها . وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن جبير أن السعير واد من فيح جهنم ، وظاهر الآية أن هذا الحكم عام لكل من يأكل مال اليتيم مؤمناً كان أو مشركاً ، وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أنه قال : هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم أي اليتامى ويأكلون أموالهم ، ولا يخفى أنه إذا أراد أن حكم الآية خاص بأهل الشرك فقط فغير مسلم ، وإن أراد أنها نزلت فيهم فلا بأس به إذ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، وفي بعض الأخبار أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس واحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى : { وَإِن تُخَالِطُوهُمْ } ( البقرة ؛ 220 ) الآية .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا} (10)

ولما أمرهم بذلك ، زجرهم عن أكل أموال اليتامى ، وتوعد على ذلك أشد العذاب فقال : { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا } أي : بغير حق . وهذا القيد يخرج به ما تقدم ، من جواز الأكل للفقير بالمعروف ، ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى .

فمَنْ أكلها ظلمًا ف { إنما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا } أي : فإن الذي أكلوه نار تتأجج في أجوافهم وهم الذين أدخلوها في بطونهم . { وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } أي : نارًا محرقة متوقدة . وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب ، يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها ، وأنها موجبة لدخول النار ، فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر . نسأل الله العافية .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا} (10)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} بغير حق.. فنسخت هذه الآية: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} (الأنعام: 152)، {وإن تخالطوهم فإخوانكم} (البقرة: 220)، فرخص في المخالطة ولم يرخص في أكل أموال اليتامى ظلما.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{إنّ الّذِينَ يأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْما}: بغير حقّ، {إنمَا يأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارا} يوم القيامة، بأكلهم أموال اليتامى ظلما في الدنيا، نارَ جهنم. {وسَيَصْلَوْنَ} بأكلهم {سَعِيرا} حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرني أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: حدثنا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ليلة أُسْرِيَ به، قال: «نَظَرْتُ فإذا أنا بِقَوْمٍ لَهُمْ مَشافِرُ كمَشافِرِ الإبِلِ وقَدْ وُكّلِ بِهِمْ مِنْ يأْخُذُ بِمَشافِرِهِمْ، ثُمّ يجْعَل فِي أفْواهِهِمْ صخْرا مِنْ نارٍ يخْرُجُ مِنْ أسافِلِهِمْ، قُلْتُ: يا جِبرِيلُ مَنْ هَؤُلاءِ؟ قال: هَؤُلاءِ الّذِينَ يأْكُلُونَ أمْوال اليَتامى ظُلْما إنّمَا يأْكَلُونَ في بُطُونِهمْ نارا».

{وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرا}: مأخوذ من الصّلا، والصّلا: الاصطلاء بالنار، وذلك التسخن بها. ثم استعمل ذلك في كل من باشر بيده أمرا من الأمور، من حرب أو قتال أو خصومة أو غير ذلك،

وأما السعير: فإنه شدة حرّ جهنم، ومنه قيل: استعرت الحرب: إذا اشتدت، وإنما هو مسعور، ثم صرف إلى سعير.

فتأويل الكلام إذًا: وسيصلون نارا مسعرة: أي موقودة مشعلة، شديدا حرّها.

وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن الله جلّ ثناؤه قال: {وَإذَا الجَحِيمُ سُعّرَتْ} فوصفها بأنها مسعورة، ثم أخبر جلّ ثناؤه أن إكلة أموال اليتامى يصلونها، وهي كذلك، فالسعير إذًا في هذا الموضع صفة للجحيم على ما وصفنا.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما}: استحلالا، فإذا استحل كفر. فذلك الوعيد له، وقيل: {ظلما} أي غصبا، والأكل هو عبارة عن الأخذ كقوله: {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} (آل عمران 275) إنما هو نهي عن أخذه وكذلك قوله: {الذين يأكلون الربا} (البقرة 175) وقوله {وذروا ما بقي من الربا} (البقرة 278) إنما هو نهي عن قبض الربا فعلى ذلك الأكل في هذه الآية عبارة عن الأخذ والاستحلال.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

وإنما علق الله تعالى الوعيد في الآية لمن يأكل أموال اليتامى ظلما، لأنه قد يأكله على وجه الاستحقاق، بأن يأخذ منه أجرة المثل. أو يأكل منه بالمعروف، أو يأخذه قرضا على نفسه، فإن قيل: إذا أخذه قرضا على نفسه، أو أجرة المثل، فلا يكون أكل مال اليتيم، وإنما أكل مال نفسه. قلنا: ليس الأمر على ذلك، لأنه يكون أكل مال اليتيم، لكنه على وجه التزم عوضه في ذمته، أو استحقه بالعمل في ماله، فلم يخرج بذلك من استحقاق الاسم بأنه مال اليتيم، ولو سلم ذلك لجاز أن يكون المراد بذلك ضربا من التأكيد وبيانا، لأنه لا يكون أكل مال اليتيم إلا ظلما. ونصب ظلما على المصدر، وتقديره: إن من أكل مال اليتيم فإنه يظلمه ظلما..

جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :

245- لا يسبق إلى الفهم من الأكل معنى الأكل، وإنما يسبق إلى معنى الاحتياج والتفويت للمال، حتى يعلم-على الارتياح، أو بأدنى تأمل- أن الظلم بهبة ماله واعتاقه والتبرع به، وإتلافه وإحراقه، وإلقائه في البحر وغير ذلك من وجوه الإتلاف كالظلم بالأكل، بل يكاد يصير الأكل كناية عن الإتلافات. [شفاء الغليل: 83-84].

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{ظُلْماً}: ظالمين، أو على وجه الظلم من أولياء السوء وقضاته.

{فِي بُطُونِهِمْ} ملء بطونهم يقال: أكل فلان في بطنه، وفي بعض بطنه... ومعنى يأكلون ناراً: ما يجر إلى النار، فكأنه نار في الحقيقة.

{سَعِيراً}: ناراً من النيران مبهمة الوصف.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنه تعالى أكد الوعيد في أكل مال اليتيم ظلما، وقد كثر الوعيد في هذه الآيات مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك، كقوله: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا} {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا} ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة في وعيد من يأكل أموالهم، وذلك كله رحمة من الله تعالى باليتامى لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة، وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى. وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: دلت هذه الآية على أن مال اليتيم قد يؤكل غير ظلم، وإلا لم يكن لهذا التخصيص فائدة، وذلك ما ذكرناه فيما تقدم أن للولي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف.

المسألة الثانية: قوله: {إنما يأكلون في بطونهم نارا} فيه قولان: الأول: أن يجري ذلك على ظاهره...

والقول الثاني: أن ذلك توسع، والمراد: أن أكل مال اليتيم جار مجرى أكل النار من حيث أنه يفضي إليه ويستلزمه، وقد يطلق اسم أحد المتلازمين على الآخر، كقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} قال القاضي: وهذا أولى من الأول لأن قوله: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا} الإشارة فيه إلى كل واحد، فكان حمله على التوسع الذي ذكرناه أولى.

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: الأكل لا يكون إلا في البطن فما فائدة قوله: {إنما يأكلون في بطونهم نارا}.

وجوابه: أنه كقوله: {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} والقول لا يكون إلا بالفهم، وقال: {ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} والقلب لا يكون إلا في الصدر، وقال: {ولا طائر يطير بجناحيه} والطيران لا يكون إلا بالجناح، والغرض من كل ذلك التأكيد والمبالغة.

المسألة الرابعة: أنه تعالى وإن ذكر الأكل إلا أن المراد منه كل أنواع الإتلافات، فإن ضرر اليتيم لا يختلف بأن يكون إتلاف ماله بالأكل، أو بطريق آخر، وإنما ذكر الأكل وأراد به كل التصرفات المتلفة لوجوه: أحدها: أن عامة مال اليتيم في ذلك الوقت هو الأنعام التي يأكل لحومها ويشرب ألبانها. فخرج الكلام على عادتهم. وثانيها: أنه جرت العادة فيمن أنفق ماله في وجوه مراداته خيرا كانت أو شرا، أنه يقال: إنه أكل ماله. وثالثها: أن الأكل هو المعظم فيما يبتغي من التصرفات.

...

المسألة السادسة: أنه تعالى ذكر وعيد مانعي الزكاة بالكي فقال: {يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} وذكر وعيد آكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار، ولا شك أن هذا الوعيد أشد، والسبب فيه أن في باب الزكاة الفقير غير مالك لجزء من النصاب، بل يجب على المالك أن يملكه جزأ من ماله، أما ههنا اليتيم مالك لذلك المال فكان منعه من اليتيم أقبح، فكان الوعيد أشد، ولأن الفقير قد يكون كبيرا فيقدر على الاكتساب، أما اليتيم فإنه لصغره وضعفه عاجز فكان الوعيد في إتلاف ماله أشد.

ثم قال تعالى: {وسيصلون سعيرا} وفيه مسائل:

...

.

المسألة الثالثة: روي أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية، فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى: {وإن تخالطوهم فإخوانكم} ومن الجهال من قال: صارت هذه الآية منسوخة بتلك، وهو بعيد لأن هذه الآية في المنع من الظلم وهذا لا يصير منسوخا، بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى إن كان على سبيل الظلم فهو من أعظم أبواب الإثم كما في هذه الآية، وإن كان على سبيل التربية والإحسان فهو من أعظم أبواب البر، كما في قوله: {وإن تخالطوهم فإخوانكم}، والله أعلم.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

أما اللمسة الثانية، فهي صورة مفزعة: صورة النار في البطون.. وصورة السعير في نهاية المطاف.. إن هذا المال.. نار.. وإنهم ليأكلون هذه النار. وإن مصيرهم لإلى النار فهي النار تشوي البطون وتشوي الجلود. هي النار من باطن وظاهر. هي النار مجسمة حتى لتكاد تحسها البطون والجلود، وحتى لتكاد تراها العيون، وهي تشوي البطون والجلود!

ولقد فعلت هذه النصوص القرآنية، بإيحاءاتها العنيفة العميقة فعلها في نفوس المسلمين. خلصتها من رواسب الجاهلية. هزتها هزة عنيفة ألقت عنها هذه الرواسب. وأشاعت فيها الخوف والتحرج والتقوى والحذر من المساس -أي مساس- بأموال اليتامى.. كانوا يرون فيها النار التي حدثهم الله عنها في هذه النصوص القوية العميقة الإيحاء. فعادوا يجفلون أن يمسوها ويبالغون في هذا الإجفال!

من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما نزلت: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما).. الآية.. انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء، فيحبس له، حتى يأكله أو يفسد. فاشتد ذلك عليهم. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: (ويسألونك عن اليتامى. قل: إصلاح لهم خير، وإن تخالطوهم فإخوانكم. والله يعلم المفسد من المصلح، ولو شاء الله لأعنتكم..) الآية فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم..

وكذلك رفع المنهج القرآني هذه الضمائر، إلى ذلك الأفق الوضيء؛ وطهرها من غبش الجاهلية ذلك التطهير العجيب..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

جملة معترضة تفيد تكرير التحذير من أكل مال اليتامى، جرّتهُ مناسبة التعرّض لقسمة أموال الأموات، لأنّ الورثة يكثر أن يكون فيهم يتامى لكثرة تزوّج الرجال في مدّة أعمارهم، فقلّما يخلو ميِّت عن ورثة صغار، وهو مؤذن بشدّة عناية الشارع بهذا الغرض، فلذلك عاد إليه بهذه المناسبة.

وقوله: {ظلماً} حال من {يأكلون} مقيِّدة ليخرج الأكلُ المأذون فيه بمثل قوله: {ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} [النساء: 6]، فيكون كقوله: {ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [النساء: 29].

ثم يجوز أن يكون (نارا) من قوله: {إنما يأكلون في بطونهم ناراً} مراداً بها نار جهنّم، كما هو الغالب في القرآن، وعليه ففِعْلُ {يأكلون} ناصب (ناراً) المذكور على تأويل يأكلون ما يفضي بهم إلى النار، فأطلق النار مجازاً مرسلاً بعلاقة الأَوْل أو السببية أي ما يفضي بهم إلى عذاب جهنّم، فالمعنى أنّهم حين يأكلون أموال اليتامى قد أكلوا ما يفضي بهم إلى جهنّم.

وعلى هذا فعطف جملة: {وسيصلون سعيراً} عَطْف مرادف لمعنى جملة {يأكلون في بطونهم ناراً}.

ويجوز أن يكون اسم النار مستعاراً للألم بمعنى أسباب الألم فيكون تهديداً بعذاب دنيوي أو مستعاراً للتلف لأنّ شأن النار أن تلتهم ما تصيبه، والمعنى إنّما يأخذون أموالاً هي سبب في مصائب تعتريهم في ذواتهم وأموالهم كالنار إذا تدنو من أحد فتؤلمه وتتلف متاعه، فيكون هذا تهديداً بمصائب في الدنيا على نحو قوله تعالى: {يمحق اللَّه الربا} [البقرة: 276] ويكون عطف جملة {وسيصلون سعيراً} جارياً على ظاهر العطف من اقتضاء المغايرة بين المتعاطفين، فالجملة الأولى تهديد بعذاب في الدنيا، والجملة الثانية وعيد بعذاب الآخرة.

وذِكْرُ {في بطونهم} على كلا المعنيين مجرّد تخييل وترشيح لاستعارة {يأكلون} لمعنى يأخذون ويستحوذون.

والسين في {سيصلون} حرف تنفيس أي استقبال، أي أنها تدخل على المضارع فتمحّضه للاستقبال، سوءا كان استقبالاً قريباً أو بعيداً، وهي مرادفة سوف، وقيل: إنّ سوف أوسع زمانا. وتفيدان في مقام الوعد تحقيقَ الوعد وكذلك التوعّد.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

إن اليتامى مظنة ان يبخسوا في الميراث، فأكل مالهم هنا ظلما هو بخسهم حظهم في الميراث، أو أكل الأوصياء أموالهم والأخذ من مال اليتيم سماه الله تعالى أكلا لما فيه من معنى الأخذ وان يقصد به تنمية ماله كما ينمي جسمه بالأكل، ولكنها تنمية آثمة مآلها البوار "ومن نبت لحمه من حرام فالنار أولى به "وقال سبحانه {ظلما} لكمال التشنيع على الكل، إذ هم يظلمون ضعيفا لا يقوى على الانتصاف منهم، وقد ذكر سبحانه إثم ذلك الكل بقوله: {إنما يأكلون في بطونهم} و هذا تصوير لضرر الأكل عليهم، لأنه يكون أكلهم كمن يأكل النار و يضعها في بطنه أي يملأ بطنه بها فهو في ألم دائم حتى يهلك، وكذلك دائما من يأكلون أموال اليتامى لا يأكلون أكلأ هنيئا ولا مريئا، بل هم في وسواس دائم حتى يقضى الله عليهم، وقد رأينا بيوتا خربت لأنها أكلت مال اليتيم. وهذا عقابهم في حاضرهم، أما العقاب الذي ينتظرهم في الآخرة فقال: {وسيصلون سعيرا} أي ستوقد بهم نار شديدة الأوار، يستمرون في بلاء شديد منها. اللهم ارزقنا رزقا حسنا، وجنبنا ما حرمت، وأقنعنا بالحلال الطيب، إنك سميع الدعاء.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

ومازال الحق يضع المنهج في أمر اليتامى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا 10}

لماذا يركز القرآن على هذه الجزئية؟ لأن الله يريد من خلقه أن يستقبلوا قدر الله فيمن يحبون وفيمن يحتاجون إليهم برضا، فإذا كان الطفل صغيرا ويرى أباه يسعى في شأنه ويقدم له كل جميل في الحياة وبعد ذلك يموت، فإن كان هذا الصغير قد رأى واحدا مات أبوه وكفله المجتمع الإيماني الذي يعيش في كفالة عوضته عن أب واحد بآباء إيمانيين متعددين، فإذا مات والد هذا الطفل فإنه يستقبل قدر الله وخطبه بدون فزع. فالذي يجعل الناس تستقبل الخطوب بالفزع والجزع والهلع أنهم يرون ان الطفل إذا ما مات أبوه وصار يتيما فإنه يضيع، ويقول الطفل لنفسه: إن أبي عندما يموت سأصير مضيعا. لكن لو أن المجتمع حمى حق اليتيم وصار كل مؤمن أبا لليتيم وكل مؤمنة اما لليتيم لاختلف الأمر، فإذا ما نزل قضاء الله في أبيه فإنه يستقبل القضاء برضا وتسليم.

{إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا 10} (سورة النساء).

إن كل العملية السلبية والنهبية أهم ما فيها هو الأكل؛ لأن الأكل هو المتكرر عند الناس، وهو يختلف عن اللباس، فكل فصل يحتاج الإنسان إلى ملابس تناسبه، لكن الأكل عملية يومية؛ لذلك فأي نهب يكون من أجل الأكل. ولذلك نقول في أمثالنا العامية عن النهاب:"فلان بطنه واسعة" إنها مسألة الأكل.

وقد أوضح الحق هذا الأمر لأكل مال اليتيم: أنت تحشو في بطنك نارا. ويعني ذلك أنه يأكل في بطنه ما يؤدي إلى النار في الآخرة. وهذا قد يحدث عقابا في الدنيا فيصاب آكل مال اليتيم في بطنه بأمراض تحرق أحشاءه، ويوم القيامة يرى المؤمنون هؤلاء القوم الذين أكلوا مال اليتيم، وعليهم سمات أكل مال اليتيم. وإياك أن تفهم أن البطون هي التي ستكون ممتلئة بالنار فقط، وألا يكون هناك نار أمام العيون. بل سيكون في البطون نار وسيصلون سعيرا.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

الوجه الحقيقي لأفعال البشر:

لقد ذكرنا في مطلع هذه السّورة أن آيات هذه السورة نزلت لبناء مجتمع صالح وسليم، ولهذا تسعى آياتها في تطهير المجتمع من الرواسب الجاهلية وما تبقّى في نفوس بعض المسلمين الحديثي العهد بالإِسلام من العادات السيئة أوّلا، لتتهيأ الأرضية لإِقامة ذلك المجتمع الصالح المنشود.

وأية عادة ترى أقبح من أكل أموال اليتامى؟ ولهذا ابتدأت هذه السورة بعبارات شديدة النكير على من يتصرف في أموال اليتامى تصرفاً غير مشروع، وغير صحيح، والآية الحاضرة هي أوضح هذه العبارات.

تقول هذه الآية: (إِنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظُلماً إِنّما يأكلون في بطونهم ناراً).

ولقد ورد نظير هذه العبارة في موضع آخر من القرآن الكريم وذلك في شأن الذين يكتمون الحق، ويحرفون الكلم عن مواضعها لتحقيق بعض المكاسب المادية الشخصية إذ يقول سبحانه عنهم: (إنّ الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب، ويشترون به ثمناً قليلا أُولئك ما يأكلون في بطونهم إلاّ النّار).

ثمّ أنّه سبحانه يقول في بيان نتيجة أكل أموال اليتامى: (وسيصلون سعيراً).

و«يصلى» من «الصلى» بمعنى الدخول في النار والاحتراق بلهيبها، وأمّا «السعير» فبمعنى النار المشتعلة.

ويقصد القرآن من هذه الجملة إِنّ الذين يأكلون أموال اليتامى مضافاً إِلى أنّهم يأكلون النار في الحقيقة في هذه الدنيا سيدخلون عمّا قريب ناراً مشتعلة الأوار وحارقة اللهب في الدار الآخرة.

ويستفاد من هذه الآية أن لأعمالنا مضافاً إِلى وجهها الظاهري وجهاً واقعياً أيضاً، وجهاً مستوراً عنّا في هذه الدنيا، لا نراه بعيوننا هنا، ولكنّه يظهر في العالم الآخر، وهذا الأمر هو ما يشكل مسألة تجسم الأعمال المطروحة في المعتقدات الإِسلامية.

إِنّ القرآن يصرح في هذه الآية بأنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظُلماً وجوراً، وإِن كان الوجه الظاهري لفعلهم هذا هو الأكل من الأطعمة اللذيذة الملونة، ولكن الوجه الواقعي لهذه الأغذية هو النار المحرقة الملتهبة، وهذا الوجه هو الذي يظهر ويتجلّى على حقيقته في عالم الآخرة.

إِنّ بين الوجه الواقعي للعمل والكيفية الظاهرية للعمل تناسباً وتشابهاً دائماً، فكما أن أكل مال اليتيم وغصب حقوقه يحرق فؤاد اليتيم، ويؤذي روحه، فكذا يكون الوجه الواقعي للعمل ناراً محرقة.

إِنّ الانتباه إِلى هذا الأمر (أي الوجه الحقيقي الواقعي لكل عمل) خير رادع للذين يؤمنون بهذه الحقائق، كيما لا يرتكبوا المعاصي ولا يقترفوا الذنوب، فهل يوجد ثمّة من يحب أن يأخذ بيديه قبسات من النار، ويضعها في فمه ويبتلعها؟

إِنّه من غير الممكن والحال هذه أن يقدم المؤمنون على أكل مال اليتيم ظلماً، ولو أنّنا وجدنا ثمّة من لا يقدم على هذا الفعل، بل ولا يفكر في المعصية أبداً كالأولياء، فلأنهم يرون بفضل ما لديهم من الإِيمان والعلم، وما حصلوا عليه من تربية خلقية حقائق الأفعال البشرية ووجوهها الواقعية، فلا يفكرون في اقتراف هذه الأعمال السيئة، فضلا عن الهمّ باقترافها.

إِنّ الطفل الجاهل هو الذي يمكن أن يسحره ويجذبه جمال الجذوات المتقدمة وألسنة اللهب المندفعة منها فيمد يده إِليها، ولكن الإِنسان العاقل الذي جرب حرارة النار وذاق ألمها، كيف يمكن أن يفكر يوماً بذلك.

هذا ولقد وردت أحاديث كثيرة تنهى بشدّة عن أكل مال اليتيم والعدوان على حقوقه، وتؤكد على أنّها كبيرة موبقة، بل وتعتبر أبسط الأعمال من هذا النوع مشمولا لهذا الحكم الصارم وموضوعاً لهذه العقوبة القاسية.