روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (164)

{ إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والارض } أخرج البيهقي عن أبي الضحى معضلاً أنه كان للمشركين حول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً ، فلما سمعوا هذه الآية تعجبوا وقالوا : إن كنت صادقاً فأت بآية نعرف بها صدقك فنزلت . ولفرط جهلهم لم يكفهم الحجة الإجمالية المشير إليها الوصفان ، وإنما جمع السموات وأفرد الأرض للانتفاع بجميع أجزاء الأولى باعتبار ما فيها من نور كواكبها وغيره دون الثانية فإنه إنما ينتفع بواحدة من آحادها وهي ما نشاهده منها وقال أبو حيان : لم تجمع الأرض لأن جمعها ثقيل وهو مخالف للقياس ، ورب مفرد لم يقع في القرآن جمعه لثقله وخفة المفرد ، وجمع لم يقع مفرده كالألباب وفي «المثل السائر » نحوه ، وقال بعض المحققين : جمع السموات لأنها طبقات ممتازة كل واحدة من الأخرى بذاتها الشخصية كما يدل عليه قوله تعالى : { فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سموات } [ البقرة : 9 2 ] سواء كانت متماسة كما هو رأي الحكيم أو لا كما جاء/ في الآثار أن بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام مختلفة الحقيقة لما أن الاختلاف في الآثار المشار إليه بقوله تعالى : { وأوحى في كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا } [ فصلت : 2 1 ] يدل عليه ، ولم يجمع الأرض لأن طبقاتها ليست متصفة بجميع ذلك فإنها ، سواء كانت متفاصلة بذواتها ، كما ورد في الأحاديث من أن بين كل أرضين كما بين كل سماءين أو لا تكون متفاصلة كما هو رأي الحكيم غير مختلفة في الحقيقة اتفاقاً .

{ واختلاف الليل والنهار } أي تعاقبهما وكون كل منهما خلفاً للآخر ، أو اختلاف كل منهما في أنفسهما ازدياداً وانتقاصاً ، أو ظلمة ونوراً ، وقدم الليل لسبقه في الخلق أو لشرفه .

{ والفلك التي تَجْرِى في البحر } عطف على { خُلِقَ السموات } لا على { السموات } أو عطف على { وَسَخَّر لَكُمُ } والفلك من الألفاظ التي استعملت مفرداً وجمعاً ، وقدر بينهما تغاير اعتباري ، فإن اعتبر أن ضمته أصلية كضمة قفل فمفرد ، وإن اعتبر أنها عارضة كضمة أسد فجمع ، ومن الأول : قوله تعالى : { فِى الفلك المشحون } [ يس : 1 4 ] ومن الثاني : قوله تعالى : { إِذَا كُنتُمْ في الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم } [ يونس : 22 ] وقيل : إنه جمع فلك بفتح الفاء وسكون اللام وقيل : إنه اسم جمع ، زعم بعضهم أنه قرئ { فَلَكٍ } بضمتين وهو عند بعض مفرد لا غير . وقال الكواشي : الفلك والفلك بضمتين لغتان الواحد والجمع سواء في اللفظ ، ويعرف ذلك بجمع ضمير فعلهما وإفراده .

{ بِمَا يَنفَعُ الناس } ( ما ) إما مصدرية أي بنفعهم أو موصولة أي بالذي ينفعهم وعلى الأول : ضمير الفاعل إما للفلك لأنه مذكر اللفظ مؤنث المعنى كما قيل أو للجري أو للبحر واحتمال كونها موصوفة لا يلائمه مقام الاستدلال { وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السماء مِن مَّاء } عطف على { الفلك } وقيل : وتأخيره عن ذكرها مع كونه أعم منها نفعاً لما فيه من مزيد تفضيل ، وقيل : المقصود من الأول الاستدلال بالبحر وأحواله لا بالفلك الجاري فيه لأن الاستدلال بذلك إما بصنعته على وجه يجري في الماء ، أو العلم بكيفية إجرائه ، أو بتسخير الريح والبحر لذلك ، أو توسله إلى ما ينفع الناس وشيء منها ليس من حاله في نفسه ، ولأن الاستدلال بالفلك الجاري في البحر استدلال بحال من أحوال البحر بخلاف ما لو استدل بالبحر وجميع أحواله فإنه أعم وأليق بالمقام ، إلا أنه خص الفلك بالذكر مع أن مقتضى المقام حينئذٍ أن يقال : والعجائب التي في البحر لأنه سبب الاطلاع على أحواله وعجائبه فكان ذكره ذكراً لجميع أحواله ، وطريقاً إلى العلم بوجوه دلالته ، ولذلك قدم على ذكر المطر والسحاب لأن منشأهما البحر في غالب الأمر ، وإلا فالمناسب بعد ذكر اختلاف الليل والنهار الذي هو من الآيات العلوية ذكر المطر والسحاب اللذين هما من كائنات الجو وعدم نظم الفلك في البين لكونها من الآيات السفلية .

وعندي أن هذا خلاف الظاهر جداً وإن جل قائله إذ يؤول المعنى إلى والبحر الذي تجري فيه الفلك بما ينفع الناس وهو قلب للنظم الكريم بغير داع إليه ولا دليل يعوّل عليه ، وأي مانع من كون الاستدلال باختلاف الفلك وذهابها مرة كذا ومرة كذا على حسب ما تحركها المقادير الإلهية ، أو بالفلك الجارية في البحر من حيث إنها جارية فيه موقرة مقبلة ومدبرة ، متعلقة بحبال الهواء على لطفه ، وكثافتها لا ترسب إلى قاع البحر مع تلاطم أمواجه واضطراب لججه ، وكون شيء من ذلك ليس حالاً لها في نفسها غير مسلم ، ووجه الترتيب على ما أرى أنه سبحانه ذكر أولاً : خلق أمرين علوي وسفلي ، واختلاف شيئين بمدخلية أمرين سماوي وأرضي ثانياً : إذ تعاقب الليل والنهار أو اختلافهما/ ازدياداً وانتقاصاً أو ظلمة ونوراً إنما هو بمدخلية سير الفلك وحيلولة جرم الأرض على كيفيتين مخصوصتين ، ثم عقب ذلك بما يشبه آيتي الليل والنهار السابح كل منهما في لجة بحر فلكه الدوار المسخر بالجريان فيه ذهاباً وإياباً بما ينفع الناس في أمر معاشهم وانتظام أحوالهم ، وهو الفلك التي تجري على كبد البحر بذلك ، ويختلف جريانها شرقاً وغرباً على حسب تسليك المقادير الإلهية لها في هاتيك المسالك ، فالآية حينئذٍ على حد قوله تعالى :

{ وَءايَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ * والشمس تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم * والقمر قدرناه مَنَازِلَ حتى عَادَ كالعرجون القديم * لاَ الشمس يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ * وَءايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ في الفلك المشحون } [ يس : 7 3 1 4 ] إلا أن الفرق بين الآيتين أن الآيتين في الثانية ذكرتا متوسطتين صريحاً بين حديث الفلك وشأن الليل والنهار ، وفي الأولى تقدم ما يشعر بهما ويشير إليهما ، ثم عقب ذلك بما يشترك فيه العالم العلوي والعالم السفلي ، وله مناسبة لذكر البحر بل ولذكر الفلك التي تجري فيه بما ينفع الناس وهو إنزال الماء من السماء ونشر ما كان دفيناً في الأرض بالإحياء ، وفي ذلك النفع التام والفضل العام . ومن الأولى : ابتدائية والثانية : بيانية ، وجوّز أن تكون تبعيضية وأن تكون بدلاً من الأولى ، والمراد من السماء جهة العلو ، وقد تقدم تحقيق ذلك .

{ فَأَحْيَا بِهِ الارض } بتهييج قواها النامية ، وإظهار ما أودع فيها من أنواع النبات والأزهار والأشجار { بَعْدَ مَوْتِهَا } وعدم ظهور ذلك فيها لاستيلاء اليبوسة عليها حسبما تقتضيه طبيعتها { وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ } عطف إما على { أَنَزلَ } والجامع كون كل منهما آية مستقلة لوحدانيته تعالى وهو الغرض المسوق له الكلام مع الاشتراك في الفاعل ، و( أحيا ) من تتمة الأول كان الاستدلال بالإنزال المسبب عنه الإحياء فلا يكون الفصل به مانعاً للعطف ، إما على ( أحياء ) فيدخل تحت فاء السببية ، وسببية إنزال الماء للبث باعتبار أن الماء سبب حياة المواشي والدواب والبث فرع الحياة ، ولا يحتاج إلى تقدير الضمير للربط لإغناء فاء السببية عنه في المشهور ، وقيل : يحتاج إلى تقدير به أي بالماء ليشعر بارتباطه بأنزل استقلالاً كأحيا وفاء السببية لا تكفي في ذلك إذ يجوز أن يكون السبب مجموعهما ، وحديث أن المجرور إنما يحذف إن جر الموصول بمثله أكثري لا كلي ، ومن بيانية على التقدير الأول على الصحيح ، والمراد { مِن كُلّ دَابَّةٍ } كل نوع من الدواب ، ومعنى بثها تكثيرها بالتوالد والتولد ، فالاستدلال بتكثير كل نوع مما يدب على الأرض وعدم انحصاره في البعض ، وقيل : تبعيضية لأن الله تعالى لم يبث إلا بعض الأفراد بالنسبة إلى ما في قدرته ، على أنه أثبت الزمخشري دواب في السماء أيضاً في سورة { حم * عسق } [ الشورى : 1 ، 2 ] ، وفيه أن بث كل نوع مما يدب على الأرض لا ينافي كون بعض أفراده مقدراً ولا وجوده في السماء ، على أن مدلول التبعيضية كون شيء جزءاً من مدخولها لا فرداً منه ، وزائدة على التقدير الثاني لعدم تقدم المبين ، وعدم صحة التبعيض ، وهي زيادة في الإثبات لم يجوزها سوى الأخش .

{ وَتَصْرِيفِ الرياح } أي تقليب الله تعالى لها جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً ، حارة وباردة وعاصفة ولينة وعقيماً ولواقح ، وتارة بالرحمة ومرة بالعذاب ، وقرأ حمزة والكسائي ( الريح ) على الإفراد وأريد به الجنس ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الرياح للرحمة والريح للعذاب ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا هبت ريح قال : «اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً » ولعله قصد بالأول والثاني قوله تعالى : { وَمِنْ ءاياته أَن يُرْسِلَ الرياح مبشرات } [ الروم : 6 4 ] وقوله تعالى : { وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم } [ الذاريات : 1 4 ] / وعقب إحياء الأرض بالمطر ، وبث كل دابة فيها بتصريف الرياح لأن في ذلك تربية النبات وبقاء حياة الحيوانات التي تدب على وجه الأرض ولو أمسك الله تعالى الريح ساعة لأنتن ما بين السماء والأرض كما نطق به بعض الآثار .

{ والسحاب } عطف على ما قبله ، وهو اسم جنس واحده سحابة سمي بذلك لانسحابه في الجو أو لجر الرياح له { المسخر بَيْنَ السماء والارض } صفة للسحاب باعتبار لفظه ، وقد يعتبر معناه فيوصف بالجمع ك { سَحَابًا ثِقَالاً } [ الأعراف : 7 5 ] ، و( بين ) ظرف لغو متعلق بالمسخر ومعنى تسخيره أنه لا ينزل ولا يزول مع أن الطبع يقتضي صعوده إن كان لطيفاً وهبوطه إن كان كثيفاً ، وقيل : الظرف مستقر وقع حالاً من ضمير المسخر ومتعلقه محذوف أي المسخر للرياح حيث تقلبه في الجو بمشيئة الله تعالى ، وتعقيب تصريف الرياح بالسحاب لأنه كالمعلول للرياح كما يشير إليه قوله تعالى : { الله الذي يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً } [ الروم : 8 4 ] ولأن في جعله ختم المتعاطفات مراعاة في الجملة لما بدىء به منها لأنه أرضي سماوي فينتظم بدء الكلام وختمه ، وبما ذكرنا علم وجه الترتيب في الآية ، وقال بعض الفضلاء : لعل تأخير تصريف الرياح وتسخير السحاب في الذكر عن جريان الفلك وإنزال الماء مع انعكاس الترتيب الخارجي للإشعار باستقلال كل من الأمور المعدودة في كونها آية ولو روعي الترتيب الخارجي لربما توهم كون المجموع المرتب بعضه على بعض آية واحدة ، ولا يخفى أنه يبعد هذا التوهم ظاهر قوله تعالى : { لايات } اسم ( إن ) دخلته اللام لتأخره عن خبرها والتنكير للتفخيم كماً وكيفاً أي آيات عظيمة كثيرة دالة على القدرة القاهرة والحكمة الباهرة والرحمة الواسعة المقتضية لاختصاص الإلهية به سبحانه .

{ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي يتفكرون ، فالعقل مجاز عن التفكر الذي هو ثمرته ، أخرج ابن أبي الدنيا وابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية قال : «ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها » وفيها تعريض بجعل المشركين الذين اقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم آية تصدقه وتسجيل عليهم بسخافة العقول ، وإلا فمن تأمل في تلك الآيات وجد كلاً منها مشتملاً على وجوه كثيرة من الدلالة على وجوده تعالى ووحدانيته وسائر صفاته الكمالية الموجبة لتخصيص العبادة به تعالى واستغنى عن سائرها ، ومجمل القول في ذلك أن كل واحد من هذه الأمور المعدودة قد وجد على وجه خاص من الوجوه الممكنة دون ما عداه مستتبعاً لآثار معينة ، وأحكام مخصوصة من غير أن تقتضي ذاته وجوده فضلاً عن وجوده على النمط الكذائي فإذاً لا بد له من موجد لامتناع وجود الممكن بلا موجد قادر إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، حكيم عالم بحقائق الأشياء وما فيها من المفاسد والمصالح يوجده حسبما يستدعيه علمه بما فيه من المصلحة وتقتضيه مشيئته ، متعال عن مقابلة غيره إذ لو كان معه واجب يقدر على ما يقدر الحق تعالى عليه فإن وافقت إرادة كل منهما إيجاده على وجه مخصوص أراده الآخر فالتأثير إن كان لكل منهما لزم اجتماع فاعلين على أثر واحد وهو يستلزم اجتماع العلتين التامتين ، وإن كان الفعل لأحدهما لزم ترجيح الفاعل من غير مرجح لاستوائهما في إرادة إيجاده على الاستقلال ، وعجز الآخر لما أن الفاعل سد عليه إيقاع ما أراده ، وإن اختلفت الإرادتان بأن أراد أحدهما وجوده على نحو ، وأراد الآخر وجوده على نحو آخر لزم التمانع والتطارد لعدم المرجح فيلزم عجزهما والعجز مناف للألوهية بديهة ، وفي الآية إثبات الاستدلال بالحجج العقلية وتنبيه على شرف علم الكلام وفضل أهله وربما أشارت إلى شرف علم الهيئة .

( ومن باب الإشارة ) :إن في إيجاد سموات الأرواح وأرض النفوس ، واختلاف النور والظلمة بينهما ، وفلك البدن التي تجري في بحر الاستعداد بما ينفع الناس في كسب كمالاتهم ، وتكميل نشأتهم ، وما أنزل الله من سماء الأرواح من ماء العلم فأحيا به أرض النفوس بعد موتها بالجهل وبث فيها القوى الحيوانية ، وفرق في أفلاكها سيارات عالم الملكوت ، وتصريف رياح النفحات المحركة لأغصان أشجار الشوق في رياض القلوب وسحاب التجليات المسخر بين سماء الروح وأرض النفس ليمطر قطرات الخطاب على نيران الألباب لتسكن ساعة من الاحتراق بالتهاب نار الوجد لآيات ودلائل { لقوم يعقلون } [ البقرة : 164 ] بالعقل المنور بالأنوار القدسية المجرد عن شوائب الوهم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (164)

ثم ذكر الأدلة التفصيلية فقال : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أخبر تعالى أن في هذه المخلوقات العظيمة ، آيات أي : أدلة على وحدانية الباري وإلهيته ، وعظيم سلطانه ورحمته وسائر صفاته ، ولكنها { لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي : لمن لهم عقول يعملونها فيما خلقت له ، فعلى حسب ما منّ الله على عبده من العقل ، ينتفع بالآيات ويعرفها بعقله وفكره وتدبُّره ، ففي { خَلْقِ السَّمَاوَاتِ } في ارتفاعها واتساعها ، وإحكامها ، وإتقانها ، وما جعل الله فيها من الشمس والقمر ، والنجوم ، وتنظيمها لمصالح العباد .

وفي خلق { الْأَرْضِ } مهادا للخلق ، يمكنهم القرار عليها والانتفاع بما عليها ، والاعتبار . ما يدل ذلك على انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير ، وبيان قدرته العظيمة التي بها خلقها ، وحكمته التي بها أتقنها ، وأحسنها ونظمها ، وعلمه ورحمته التي بها أودع ما أودع ، من منافع الخلق ومصالحهم ، وضروراتهم وحاجاتهم . وفي ذلك أبلغ الدليل على كماله ، واستحقاقه أن يفرد بالعبادة ، لانفراده بالخلق والتدبير ، والقيام بشئون عباده { و } في { اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } وهو تعاقبهما على الدوام ، إذا ذهب أحدهما ، خلفه الآخر ، وفي اختلافهما في الحر ، والبرد ، والتوسط ، وفي الطول ، والقصر ، والتوسط ، وما ينشأ عن ذلك من الفصول ، التي بها انتظام مصالح بني آدم وحيواناتهم ، وجميع ما على وجه الأرض ، من أشجار ونوابت ، كل ذلك بانتظام وتدبير ، وتسخير ، تنبهر له العقول ، وتعجز عن إدراكه من الرجال الفحول ، ما يدل ذلك على قدرة مصرفها ، وعلمه وحكمته ، ورحمته الواسعة ، ولطفه الشامل ، وتصريفه وتدبيره ، الذي تفرد به ، وعظمته ، وعظمة ملكه وسلطانه ، مما يوجب أن يؤله ويعبد ، ويفرد بالمحبة والتعظيم ، والخوف والرجاء ، وبذل الجهد في محابه ومراضيه .

{ و } في { وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ } وهي السفن والمراكب ونحوها ، مما ألهم الله عباده صنعتها ، وخلق لهم من الآلات الداخلية والخارجية ما أقدرهم عليها .

ثم سخر لها هذا البحر العظيم والرياح ، التي تحملها بما فيها من الركاب والأموال ، والبضائع التي هي من منافع الناس ، وبما تقوم به مصالحهم وتنتظم معايشهم .

فمن الذي ألهمهم صنعتها ، وأقدرهم عليها ، وخلق لهم من الآلات ما به يعملونها ؟ أم من الذي سخر لها البحر ، تجري فيه بإذنه وتسخيره ، والرياح ؟ أم من الذي خلق للمراكب البرية والبحرية ، النار والمعادن المعينة على حملها ، وحمل ما فيها من الأموال ؟ فهل هذه الأمور ، حصلت اتفاقا ، أم استقل بعملها هذا المخلوق الضعيف العاجز ، الذي خرج من بطن أمه ، لا علم له ولا قدرة ، ثم خلق له ربه القدرة ، وعلمه ما يشاء تعليمه ، أم المسخر لذلك رب واحد ، حكيم عليم ، لا يعجزه شيء ، ولا يمتنع عليه شيء ؟ بل الأشياء قد دانت لربوبيته ، واستكانت لعظمته ، وخضعت لجبروته .

وغاية العبد الضعيف ، أن جعله الله جزءا من أجزاء الأسباب ، التي بها وجدت هذه الأمور العظام ، فهذا يدل على رحمة الله وعنايته بخلقه ، وذلك يوجب أن تكون المحبة كلها له ، والخوف والرجاء ، وجميع الطاعة ، والذل والتعظيم .

{ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ } وهو المطر النازل من السحاب .

{ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } فأظهرت من أنواع الأقوات ، وأصناف النبات ، ما هو من ضرورات الخلائق ، التي لا يعيشون بدونها .

أليس ذلك دليلا على قدرة من أنزله ، وأخرج به ما أخرج ورحمته ، ولطفه بعباده ، وقيامه بمصالحهم ، وشدة افتقارهم وضرورتهم إليه من كل وجه ؟ أما يوجب ذلك أن يكون هو معبودهم وإلههم ؟ أليس ذلك دليلا على إحياء الموتى ومجازاتهم بأعمالهم ؟ { وَبَثَّ فِيهَا } أي : في الأرض { مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ } أي : نشر في أقطار الأرض من الدواب المتنوعة ، ما هو دليل على قدرته وعظمته ، ووحدانيته وسلطانه العظيم ، وسخرها للناس ، ينتفعون بها بجميع وجوه الانتفاع .

فمنها : ما يأكلون من لحمه ، ويشربون من دره ، ومنها : ما يركبون ، ومنها : ما هو ساع في مصالحهم وحراستهم ، ومنها : ما يعتبر به ، ومع{[117]}  أنه بث فيها من كل دابة ، فإنه سبحانه هو القائم بأرزاقهم ، المتكفل بأقواتهم ، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ، ويعلم مستقرها ومستودعها .

وفي { تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ } باردة وحارة ، وجنوبا وشمالا ، وشرقا ودبورا وبين ذلك ، وتارة تثير السحاب ، وتارة تؤلف بينه ، وتارة تلقحه ، وتارة تدره ، وتارة تمزقه وتزيل ضرره ، وتارة تكون رحمة ، وتارة ترسل بالعذاب .

فمن الذي صرفها هذا التصريف ، وأودع فيها من منافع العباد ، ما لا يستغنون عنه ؟ وسخرها ليعيش فيها جميع الحيوانات ، وتصلح الأبدان والأشجار ، والحبوب والنوابت ، إلا العزيز الحكيم الرحيم ، اللطيف بعباده المستحق لكل ذل وخضوع ، ومحبة وإنابة وعبادة ؟ .

وفي تسخير السحاب بين السماء والأرض على خفته ولطافته يحمل الماء الكثير ، فيسوقه الله إلى حيث شاء ، فيحيي به البلاد والعباد ، ويروي التلول والوهاد ، وينزله على الخلق وقت حاجتهم إليه ، فإذا كان يضرهم كثرته ، أمسكه عنهم ، فينزله رحمة ولطفا ، ويصرفه عناية وعطفا ، فما أعظم سلطانه ، وأغزر إحسانه ، وألطف امتنانه "

أليس من القبيح بالعباد ، أن يتمتعوا برزقه ، ويعيشوا ببره وهم يستعينون بذلك على مساخطه ومعاصيه ؟ أليس ذلك دليلا على حلمه وصبره ، وعفوه وصفحه ، وعميم لطفه ؟

فله الحمد أولا وآخرا ، وباطنا وظاهرا .

والحاصل ، أنه كلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات ، وتغلغل فكره في بدائع المبتدعات ، وازداد تأمله للصنعة وما أودع فيها من لطائف البر والحكمة ، علم بذلك ، أنها خلقت للحق وبالحق ، وأنها صحائف آيات ، وكتب دلالات ، على ما أخبر به الله عن نفسه ووحدانيته ، وما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر ، وأنها مسخرات ، ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها ومصرفها .

فتعرف أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه مفتقرون ، وإليه صامدون ، وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات ، فلا إله إلا الله ، ولا رب سواه .


[117]:- في ب: ومنها.