روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيۡهِ قَالُواْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَٰعَةٖ مُّزۡجَىٰةٖ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَيۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجۡزِي ٱلۡمُتَصَدِّقِينَ} (88)

{ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ } أي على يوسف عليه السلام بعد ما رجعوا إلى مصر بموجب أمر أبيهم ، وإنما لم يذكر إيذاناً بمسارعتهم إلى ما أمروا به وإشعاراً بأن ذلك أمر محقق لا يفتقر إلى الذكر والبيان . وأنكر اليهود رجوعهم بعد أخذ بنيامين إلى أبيهم ثم عودهم إلى مصر وزعموا أنهم لما جاؤا أولاً للميرة اتهمهم بأنهم جواسيس فاعتذروا وذكروا أنهم أولاد نبي الله تعالى يعقوب وأنهم كانوا اثني عشر ولداً هلك واحد منهم وتخلف أخوه عند أبيهم يتسلى به عن الهالك حيث أنه كان يحبه كثيراً فقال : ائتوني به لأتحقق صدقكم وحبس شمعون عنده حتى يجيؤا فلما أتوا به ووقع من أمر السرقة أظهر والخضوع والانكسار فلم يملك عليه السلام نفسه حتى تعرف إليهم ثم أمرهم بالعود إلى أبيهم ليخبروه الخبر ويأتوا به وهو الذي تضمنته نوراتهم اليوم وما بعد الحق إلا الضلال { قَالُواْ ياأَيُّهَا العزيز } خاطبوه بذلك تعظيماً له على حد خطابهم السابق به على ما هو الظاهر ، وهل كانوا يعرفون اسمه أم لا ، لم أر من تعرض لذلك فإن كانوا يعرفون ازداد أمر جهالتهم غرابة ، والمراد على ما قال الإمام وغيره يا أيها الملك القادر المنيع { مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر } الهزال من شدة الجوع ، والمراد بالأهل ما يشمل الزوجة وغيرها { وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍّ مُزْجَاةٍ } مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقاراً ، من أزجيته إذا دفعته وطردته والريح تزجي السحاب ، وأنشدوا لحاتم :

ليبك على ملحان ضيف مدفع *** وأرملة تزجى مع الليل أرملاً

وكنى بها عن القليل أو الردىء لأنه لعدم الاعتناء يرمى ويطرح ، وقيل : كانت بضاعتهم من متاع الأعراب صوفاً وسمناً ، وقيل : الصنوبر وحبة الخضراء( {[426]} ) وروى ذلك عن أبي صالح . وزيد بن أسلم ، وقيل : سويق المقل والأقط ، وقيل : قديد وحش ، وقيل : حبالاً وإعدالاً وأحقاباً ، وقيل : كانت دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بوضيعة ، وروى ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، والمروى عن الحسن تفسيرها بقليلة لا غير ، وعلى كل فمزجاة صفة حقيقية للبضاعة ، وقال الزجاج : هي من قولهم : فلان يزجى العيش أي يدفع الزمان بالقليل ، والمعنى إنا جئنا ببضاعة يدفع بها الزمان وليس مما ينتفع بها ، والتقدير على هذا ببضاعة مزجاة بها الأيام أي تدفع بها ويصير عليها حتى تنقضي كما قيل :

درج الأيام تندرج *** وبيوت الهم لا تلج

وما ذكر أولاً هو الأولى ، وعن الكلبي أن { بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ } من لغة العجم ، وقيل : من لغط القبط . وتعقب ذلك ابن الانباري بأنه لا ينبغي أن يجعل لفظ معروف الاشتقاق والتصريف منسوباً إلى غير لغة العرب فالنسبة إلى ذلك مزجاة .

وقرأ حمزة . والكسائي { *مزجية } بالإمالة لأن أصلها الياء ، والظاهر أنهم إنما قدموا هذا الكلام ليكون ذريعة إلى إسعاف مرامهم ببعث الشفقة وهز العطف والرأفة وتحريك سلسلة الرحمة ثم قالوا : { فَأَوْفِ لَنَا الكيل } أي أتمه لنا ولا تنقصه لقلة بضاعتنا أو رداءتها ، واستدل بهذا على أن الكيل على البائع ولا دليل فيه { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } ظاهره بالإيفاء أو بالمسامحة وقبول المزجاة أو بالزيادة على ما يساويها .

وقال الضحاك . وابن جريج . إنهم أرادوا تصدق علينا برد أخينا بنيامين على أبيه ، قيل : وهو الأنسب بحالهم بالنسبة إلى أمر أبيهم وكأنهم أرادوا تفضل علينا بذلك لأن رد الأخ ليس بصدقة حقيقة ، وقد جاءت الصدقة بمعنى التفضل كما قيل ، ومنه تصدق الله تعالى على فلان بكذا ، وأما قول الحسن لمن سمعه يقول : اللهم تصدق على إن الله تعالى لا يتصدق إنما يتصدق من يبغي الثواب قل : اللهم أعطني أو تفضل على أو ارحمني فقد رد بقوله صلى الله عليه وسلم : «صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم فاقبلوا صدقته » وأجيب عنه مجازاً ومشاكلة ، وإنما رد الحسن على القائل لأنه لم يكن بليغاً كما في قصة المتوفي ، وادعى بعضهم تعين الحمل على المجاز أيضاً إذا كان المراد طلب الزيادة على ما يعطي بالثمن بناء على أن حرمة أخذ الصدقة ليست خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم كما ذهب إليه سفيان بن عيينة بل هي عامة له عليه الصلاة والسلام ولمن قبله من الأنبياء عليهم السلام وآلهم كما ذهب إليه البعض ، والسائلون من إحدى الطائفتين لا محالة ، وتعقب بأنا لو سلمنا العموم لا نسلم أن المحرم أخذ الصدقة مطلقاً بل المحرم إنما هو أخذ الصدقة المفروضة وما هنا ليس منها ، والظاهر كما قال الزمخشري : أنهم تمسكنوا له عليه السلام بقولهم : { مَسَّنَا } الخ وطلبوا إليه يتصدق عليهم بقوله : { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } فلو لم يحمل على الظاهر لما طابقه ذلك التمهيد ولا هذا التوطيد أعني { إِنَّ الله يَجْزِى المتصدقين } بذكر الله تعالى وجزائه الحاملين على ذلك وإن فاعله منه تعالى بمكان .

قال النقاش : وفي العدول عن إن الله تعالى يجزيك بصدقتك إلى ما في النظم الكريم مندوحة عن الكذب فهو من المعاريض ، فإنهم كانوا يعتقدونه ملكاً كافراً وروى مثله عن الضحاك ، ووجه عدم بدءهم بما أمروا به على القول بخلاف الظاهر في متعلق التصدق بأن فيما سلكوه استجلاباً للشفقة والرحمة فكأنهم أرادوا أن يملأوا حياض قلبه من نميرها ليسقوا به أشجار تحسسهم لتثمر لهم غرض أبيهم ، ووجهه بعضهم بمثل هذا ثم قال : على أن قولهم { وَتَصَدَّقْ } الخ كلام ذو وجهين فإنه يحتمل الحمل على المحملين فلعله عليه السلام حمله على طلب الرد ولذلك : { قَالَ } مجيباً عما عرضوا به وضمنوه كلامهم من ذلك : { هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ } .

( ومن باب الإشارة { قَالُواْ ياأَيُّهَا العزيز مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر } أرادوا ضر المجاعة ولو أنهم علموا وأنصفوا لقصدوا ضر فراقك فإنه قد أضر بأبيهم وبهم وبأهلهم لو يعلمون :

كفى حزناً بالواله الصب أن يرى *** منازل من يهوى معطلة قفرا

واعلم أن فيما قاله إخوة يوسف له عليه السلام من هنا إلى { المتصدقين } تعليم آداب الدعاء والرجوع إلى الأكابر ومخاطبة السادات فمن لم يرجع إلى باب سيده بالذلة والافتقار وتذليل النفس وتصغير ما يبدو منها وير أن ما من سيده إليه على طريق الصدقة والفضل لا على طريق الاستحقاق كان مبعداً مطروداً ، وينبغي لعشاق جمال القدم إذا دخلوا الحضرة أن يقولوا : يا أيها العزيز مسنا وأهلنا من ضر فراقك والبعد عن ساحة وصالك ما لا يحتمله الصم الصلاب :

خليلي ما ألقاه في الحب إن يدم *** على صخرة صماء ينفلق الصخر ، ويقولوا : { جِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ } من أعمال معلولة وأفعال مغشوشة ومعرفة قليلة لم تحط بذرة من أنوار عظمتك وكل ذلك لا يليق بكمال عزتك وجلال صمديتك { فَأَوْفِ لَنَا } كيل قربك من بيادر جودك وفضلك { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } [ يوسف : 88 ] بنعم مشاهدتك فإنه إذا عومل المخلوق بما عومل فمعاملة الخالق بذلك أولى .


[426]:- معروفة وليست الفستق كما ظنه أبو حيان اهـ منه.
 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيۡهِ قَالُواْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَٰعَةٖ مُّزۡجَىٰةٖ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَيۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجۡزِي ٱلۡمُتَصَدِّقِينَ} (88)

واستجاب الأبناء لنصيحة أبيهم ، فأعدوا عدتهم للرحيل إلى مصر للمرة الثالثة ، ثم ساروا في طريقهم حتى دخلوها ، والتقوا بعزيز مصر الذي احتجز أخاهم بنيامين ، وتحكى السورة الكريمة ما دار بينهم وبينه فتقول :

{ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ ياأيها العزيز . . . } .

قوله - تعالى - { فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ ياأيها العزيز مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الكيل وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ . . . } حكاية لما قاله إخوة يوسف له ، بعد أن امتثلوا أمر أبيهم ، فخجوا إلى مصر للمرة الثالثة ، ليتحسسوا من يوسف وأخيه ، وليشتروا من عزيزها ما هم في حاجة إليه من طعام .

والبضاعة : هي القطعة من المال ، يقصد بها شراء شئ .

والمزجاة : هي القليلة الرديئة التي ينصرف عنها التجار إهمالاً لها .

وقالوا : وكانت بضاعتهمدراهم زيوفا لا تؤخذ إلا بوضيعة - أى : بأقل قيمة - وقيل غير ذلك .

وأصل الإِزجاء : السوق والدفع قليلاً قليلاً ، ومنه قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً . . . } أى : يرسله رويدا رويدا . . .

وسميت البضاعة الرديئة القلية مزجاة ، لأنها ترد وتدفع ولا يقبلها التجار إلى بأبخس الأثمان .

والمعنى : وقال إخوة يوسف له بأدب واستعطاف ، بعد أن دخلوا عليه للمرة الثالثة { ياأيها العزيز } أى : الملك صاحب الجاه والسلطان والسعة في الرزق ، { مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر } أى : أصابنا وأصاب أهلنا معنا الفقر والجدب والهزل من شدة الجوع .

{ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ } أى : وجئنا معنا من بلادنا ببضاعة قليلة رديئة يردها وينصرف عنها كل من يراها من التجار ، إهمالاً لها ، واحتقارا لشأنها .

وإنما قالوا له ذلك : استدراراً لعطفه ، وتحريكاً لمروءته وسخائه ، قبل أن يخبروه بمطلبهم الذي حكاه القرآن في قوله :

{ فَأَوْفِ لَنَا الكيل وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ . . . } أى : هذا هو حالنا شرحناه لك ، وهو يدعو إلى الشفقة والرحمة ، ما دام أمرنا كذلك ، فأتمم لنا كيلنا ولا تنقص منه شيئا ، وتصدق علينا فوق حقنا بما أنت أهل له من كرم ورحمة { إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين } على غيرهم جزاء كريما حسنا .