البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيۡهِ قَالُواْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَٰعَةٖ مُّزۡجَىٰةٖ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَيۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجۡزِي ٱلۡمُتَصَدِّقِينَ} (88)

المزجاة : المدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقاراً من أزجيته إذا دفعته وطردته ، والريح تزجي السحاب .

وقال حاتم الطائي :

لبيك على ملحان ضيف مدفع *** وأرملة تزجي مع الليل أرملا

{ فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين .

قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون } : في الكلام حذف تقديره : فذهبوا من الشام إلى مصر ودخلوها ، فلما دخلوا عليه ، والضمير في عليه عائد على يوسف ، وكان آكد ما حدثوه فيه شكوى ما أصابهم من الجهد قبل ما وصاهم به من تحسس نبأ يوسف وأخيه .

والضر : الهزال من الشدة والجوع ، والبضاعة كانت زيوفاً قاله ابن عباس .

وقال الحسن : قليلة .

وقال ابن جبير : ناقصة .

وقيل : كانت عروضاً .

قيل : كانت ضوفاً وسمناً .

وقيل : صنوبراً وحبة الخضراء وهي الفستق قاله : أبو صالح ، وزيد بن أسلم ، وقيل : سويق المقل والأقط ، وقيل : قديد وحش .

وقيل : حبالاً وأعدالاً وأقتاباً ، ثم التمسوا منه إيفاء الكيل .

وقد استدل بهذا على أن الكيل على البائع ولا دليل فيه .

وتصدق علينا أي : بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة ، أو زدنا على حقنا ، فسموا ما هو فضل وزيادة لا تلزمه صدقة .

قيل : لأن الصدقات محرمة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .

وقيل : كانت تحل لغير نبينا صلى الله عليه وسلم .

وسئل ابن عيينة عن ذلك فقال : ألم تسمع وتصدق علينا ، أراد أنها كانت حلالاً لهم .

وقال الزمخشري : والظاهر أنهم تمسكنوا له وطلبوا أن يتصدق عليهم ، ومن ثم رق لهم وملكته الرحمة عليهم ، فلم يتمالك أن عرفهم نفسه .

وقوله إنّ الله يجزي المتصدقين شاهد ، لذلك لذكر الله وجزائه انتهى .

وقيل : كانت الصدقة محرمة ، ولكن قالوها تجوز استعطافاً منهم له في المبايعة كما تقول لمن ساومته في سلعة : هبني من ثمنها كذا ، فلم يقصد أن يهبك ، وإنما حسنت معه الأفعال حتى يرجع منك إلى سومك .

وقال ابن جريج : إنما خصوا بقولهم : وتصدق علينا أمر أخيهم بنيامين أي : أوف لنا الكيل في المبايعة ، وتصدق علينا برد أخينا على أبيه .

وقال النقاش في قوله : إن الله يجزي المتصدقين ، هي من المعاريض التي هي مندوحة عن الكذب ، وذلك أنهم كانوا يعتقدونه ملكاً كافراً على غير دينهم .

ولو قالوا : إن الله يجزيك بصدقتك في الآخرة كذبوا ، فقالوا له لفظاً يوهم أنهم أرادوه ، وهم يصح لهم إخراجه منه بالتأويل .