{ وَهُوَ الذى أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } تذكير لنعمة أخرى من نعمه سبحانه الجليلة المنبئة عن كمال قدرته عز وجل وسعة رحمته ، والمراد من الماء المطر ومن السماء السحاب أو الكلام على تقدير مضاف أي من جانب السماء . وقيل : الكلام على ظاهره والإنزال من السماء حقيقة إلى السحاب ومنه إلى الأرض واختاره الجبائي ، واحتج على فساد قول من يقول : إن البخارات الكثيرة تجتمع في باطن الأرض ثم تصعد وترتفع إلى الهواء وينعقد السحاب منها ويتقاطر ماء وذلك هو المطر المنزل بوجوه ، أحدها : أن البرد قد يوجد في وقت الحر بل في حميم الصيف ونجد المطر في أبرد وقت ينزل غير جامد وذلك يبطل ما ذكر . ثانيها : أن البخارات إذا ارتفعت وتصاعدت تفرقت وإذا تفرقت لم يتولد منها قطرات الماء بل البخار إنما يجتمع إذا اتصل بسقف أملس كما في بعض الحمامات أما إذا لم يكن كذلك لم يسل منه ماء كثير فإذا تصاعدت البخارات في الهواء وليس فوقها سطح أملس تتصل به وجب أن لا يحصل منها شيء من الماء . ثالثها : أنه لو كان تولد المطر من صعود البخارات فهي دائمة الارتفاع من البحار فوجب أن يدوم هناك نزول المطر وحيث لم يكن كذلك علمنا فساد ذلك القول . ثم قال : والقوم إنما احتاجوا إلى هذا القول لأنهم اعتقدوا أن الأجسام قديمة فيمتنع دخول الزيادة والنقصان فيها وحينئذ لا معنى لحدوث الحوادث إلا اتصاف تلك الذوات بصفة بعد أن كانت موصوفة بصفة أخرى . ولهذا السبب احتاجوا في تكوين كل شيء عن مادة معينة . وأما المسلمون فلما اعتقدوا أن الأجسام محدثة وأن خالق العالم فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد فعند هذا لا حاجة إلى استخراج هذه التكلفات وحيث دل ظاهر القرآن على أن الماء إنما ينزل من السماء ولا دليل على امتناع هذا الظاهر وجب القول بحمله عليه انتهى .
ولا يخفى على من راجع كتب القوم أنهم أجابوا عن جميع تلك الوجوه وأن الذي دعاهم إلى القول بذلك ليس مجرد ما ذكر بل ألقوا بامتناع الخرق والالتئام أيضاً ووجود كرة النار تحت السماء وانقطاع عالم العناصر عندها ومشاهدة من على جبل شامخ سحاباً يمطر مع عدم مشاهدة ماء نازل من السماء إليه إلى غير ذلك . وهذا وإن كان بعضه مما قام الدليل الشرعي على بطلانه وبعضه مما لم يقم الدليل عليه ولم يشهد بصحته الشرع لكن مشاهدة من على الجبل ما ذكر ونحوها يستدعي صحة قولهم في الجملة ولا أرى فيه بأساً ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : ما من قطرة تنزل إلا ومعها ملك ، وهو عند الكثير محمول على ظاهره .
والفلاسفة يحملون هذا الملك على الطبيعة الحالة في تلك الجسمية الموجبة لذلك النزول ، وقيل : هو نور مجرد عن المادة قائم بنفسه مدبر للقطر حافظ إياه ، ويثبت أفلاطون هذا النور المجرد لكل نوع من الأفلاك والكواكب والبسائط العنصرية ومركباتها على ما ذهب إليه صاحب «الإشراق » وهو أحد الأقوال في «المثل الأفلاطونية » ، ويشير إلى نحو ذلك كلام الشيخ صدر الدين القونوي في «تفسير الفاتحة » ، ونصب { مَاء } على المفعولية لأنزل ، وتقديم المفعول غير الصريح عليه لما مر مراراً .
{ فَأَخْرَجْنَا بِهِ } أي بسبب الماء ، والفاء للتعقيب وتعقيب كل شيء بحسبه . و { أَخْرَجْنَا } عطف على { أَنَزلَ } والإلتفات إلى التكلم إظهاراً لكمال العناية بشأن ما أنزل الماء لأجله ، وذكر بعضهم نكتة خاصة لهذا الإلتفات غير ما ذكر وهي أنه سبحانه لما ذكر فيما مضى ما ينبهك على أنه الخالق اقتضى ذلك التوجه إليه حتى يخاطب واختيار ضمير العظمة دون ضمير المتكلم وحده لإظهار كمال العناية أي فأخرجنا بعظمتنا بذلك الماء مع وحدته { نَبَاتَ كُلّ شَىْء } أي كل صنف من أصناف النبات المختلفة في الكم والكيف والخواص والآثار اختلافاً متفاوتاً في مراتب الزيادة والنقصان حسبما يفصح عنه قوله سبحانه : { يسقى بِمَاء واحد وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِى الاكل } [ الرعد : 4 ] «والنبات كالنبت وهو على ما قال الراغب ما يخرج من الأرض من الناميات سواء كان له ساق كالشجر أو لم يكن له ساق كالنجم لكن اختص في التعارف بما لا ساق له بل قد اختص عند العامة بما تأكله الحيوانات ، ومتى اعتبرت الحقائق فإنه يستعمل في كل نام نباتاً كان أو حيواناً أو إنساناً » . والمراد هنا عند بعض المعنى الأول .
وجعل قوله تعالى : { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً } شروعاً في تفصيل ما أجمل من الإخراج وقد بدأ بتفصيل حال النجم وضمير { مِنْهُ } للنبات ، والخضر بمعنى الأخضر كأعور وعور ، وأكثر ما يستعمل الخضر فيما تكون خضرته خلقية ، وأصل الخضرة لون بين البياض والسواد وهو إلى السواد أقرب ولذا يسمى الأخضر أسود وبالعكس ، والمعنى فأخرجنا من النبات الذي لا ساق له شيئاً غضاً أخضر وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة . وجوز عود الضمير إلى الماء ومن سببية . وجعل أبو البقاء هذا الكلام حينئذ بدلاً من { أَخْرَجْنَا } الأول ، وذكر بعض المحققين أن في الآية على تقدير عود الضمير إلى الماء معنى بديعاً حيث تضمنت الإشارة إلى أنه تعالى أخرج من الماء الحلو الأبيض في رأي العين أصنافاً من النبات والثمار مختلفة الطعوم والألوان وإلى ذلك نظر القائل يصف المطر
: يمد على الآفاق بيض خيوطه *** فينسج منها للثرى حلة خضرا
وقوله تعالى : { نُّخْرِجُ مِنْهُ } صفة لخضراً ، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة بما فيها من الغرابة ، وجوز أن يكون مستأنفاً أي نخرج من ذلك الخضر { حَبّاً مُّتَرَاكِباً } أي بعضه فوق بعض كما في السنبل وقرىء { يَخْرُجُ مِنْهَا * حُبَّ } { مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النخل }( {[280]} ) جمع نخل كما قال الراغب والنخل معروف ويستعمل في الواحد والجمع » ، وهذا شروع في تفصيل حال الشجر إثر بيان حال النجم عند البعض . فالجار والمجرور خبر مقدم .
وقوله سبحانه : { مِن طَلْعِهَا } بدل منه بدل بعض من كل بإعادة العامل . وقوله سبحانه : { قنوان } مبتدأ ؛ وحاصلة من طلع النخيل قنوان ، وجوز أن يكون الخبر محذوفاً لدلالة { أَخْرَجْنَا } عليه وهو كون خاص وبه يتعلق الجار والتقدير ومخرجه من طلع النخل قنوان . وعلى القراءة السابقة آنفاً يكون { قنوان } معطوفاً على ( حب ) وقيل : المعنى وأخرجنا من النخل نخلاً من طلعها قنوان ( أو ) ومن النخل شيئاً من طلعها قنوان ، وهو جمع قنو بمعنى العذق وهو للتمر بمنزلة العنقود للعنب . وتثنيته أيضاً قنوان ولا يفرق بين المثنى والجمع إلا الإعراب ، ولم يأت مفرد يستوي مثناه وجمعه إلا ثلاثة أسماء هذا وصنو وصنوان ورئد ورئدان بمعنى مثل قاله ابن خالويه ، وحكى سيبويه شقد وشقدان . وحش وحشان للبستان نقله الجلال السيوطي في «المزهر » . وقرىء بضم القاف وبفتحها على أنه اسم جمع لأن فعلان ليس من زنات التكسير .
{ دَانِيَةٌ } أي قريبة من المتناول كما قال الزجاج . واقتصر على ذكرها عن مقابلها لدلالتها عليه وزيادة النعمة فيها ؛ وقيل : المراد دانية من الأرض بكثرة ثمرها وثقل حملها والدنو على القولين حقيقة ، ويحتمل أن يراد به سهولة الوصول إلى ثمارها مجازاً . { وجنات مّنْ أعناب } عطف على { نَبَاتَ كُلّ شَىْء } أي وأخرجنا به جنات كائنة من أعناب ، وجعله الواحدي عطفاً على { خُضْرًا } . وقال الطيبي : الأظهر أن يكون عطفاً على { حَبّاً } لأن قوله سبحانه : { نَبَاتَ كُلّ شَىْء } مفصل لاشتماله على كل صنف من أصناف النامي ، والنامي الحب والنوى وشبههما . وقوله سبحانه : { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً } الخ تفصيل لذلك النبات ، وهو بدل من { فَأَخْرَجْنَا } الأول بدل اشتمال ، وقيل : وهذا مبني على أن المراد بالنبات المعنى العام وحينئذٍ لا يحسن عطفه عليه لأنه داخل فيه وإن أريد ما لا ساق له تعين عطفه عليه لأنه غير داخل فيه وتعين أن يقدر لقوله سبحانه { وَمِنَ النخل } فعل آخر كما أشير إليه فتدبر .
وقرأ أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود والأعمش ويحيى بن يعمر وأبو بكر عن عاصم { وجنات } بالرفع على الابتداء أي ولكم أو ثم جنات أو نحو ذلك ، وجوز الزمخشري أن يكون على العطف على { قنوان } قال في «التقريب » وفيه نظر لأنه إن عطف على ذلك فمن أعناب حينئذ إما صفة { جنات } فيفسد المعنى إذ يصير المعنى وحاصلة من النخيل جنات حصلت من أعناب ، وإما خبر لجنات فلا يصح لأنه يكون عطفاً لها على مفرد ويكون المبتدأ نكرة فلا يصح ، وفي «الكشف » أن الثاني بعيد الفهم من لفظ الزمخشري وإن أمكن الجواب بأن العطف على المخصص مخصص كما قال ابن مالك ، واستشهد عليه بقوله
: عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي *** فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعاً
والظاهر الأول لكنه عطف جملة على جملة ويقدر ومخرجة من الخضر أو من الكرم أو حاصلة جنات من أعناب دون صلته لأن التقييد لازم كما حقق في عطف المفرد وحده ، ولا يخفى أن هذا تكلف مستغنى عنه ، ولعل زيادة الجنات هنا كما قيل من غير اكتفاء بذكر اسم الجنس كما فيما تقدم وما تأخر لما/ أن الانتفاع بهذا الجنس لا يتأتى غالباً إلا عند اجتماع طائفة من أفراده .
{ والزيتون والرمان } نصب على الاختصاص لعزة هذين الصنفين عندهم أو على العطف على { نَبَاتُ } . وقوله سبحانه : { مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه } إما حال من { *الزيتون } لسبقه اكتفى به عن حال ما عطف عليه والتقدير والزيتون مشتبهاً وغير متشابه والرمان كذلك ، وإما حال من { *الرمان } لقربه ويقدر مثله في الأول . وأياً ما كان ففي الكلام مضاف مقدر وهو بعض أي بعض ذلك مشتبهاً وبعضه غير متشابه في الهيئة والمقدار واللون والطعم وغير ذلك من الأوصاف الدالة على كمال قدرة صانعها وحكمة منشيها ومبدعها جل شأنه وإلا كان المعنى جميعه مشتبه وجميعه غير متشابه وهو غير صحيح . ومن الناس من جوز كونه حالاً منهما مع التزام التأويل . وافتعل وتفاعل هنا بمعنى كاستوى وتساوى . وقرىء { والرمان متشابها وَغَيْرَ متشابه } .
{ انظروا } نظر اعتبار واستبصار { إلى ثَمَرِهِ } أي ثمر ذلك أي الزيتون والرمان والمراد شجرتهما وأريد بهما فيما سبق الثمرة ففي الكلام استخدام . وعن الفراء أن المراد في الأول : شجر الزيتون وشجر الرمان وحينئذ لا استخدام ، وأياً ما كان فالضمير راجع إليها بتأويله باسم الإشارة . ورجوعه إلى كل واحد منهما على سبيل البدل بعيد لا نظير له في عدم تعيين مرجع الضمير . وجوز رجوع الضمير إلى جميع ما تقدم بالتأويل المذكور ليشمل النخل وغيره مما يثمر { إِذَا أَثْمَرَ } أي إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضئيلاً لا يكاد ينتفع به . وقرأ حمزة والكسائي { ثَمَرِهِ } بضم الثاء وهو جمع ثمرة كخشبة وخشب أو ثمار ككتاب وكتب { وَيَنْعِهِ } أي وإلى حال نضجه أو إلى نضيجه كيف يعود ضخماً ذا نفع عظيم ولذة كاملة .
وهو في الأصل مصدر ينعت الثمرة إذا أدركت ، وقيل : جمع يانع كتاجر وتجر . وقرىء بالضم وهي لغة فيه . وقرأ ابن محيصن { *ويانعه } ، ولا يخفى أن في التقييد بقوله تعالى : { ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } على ما أشرنا إليه إشعاراً بأن المثمر حينئذ ضعيف غير منتفع به فيقابل حال الينع . ويدل كمال التفاوت على كمال القدرة . وعن الزمخشري أنه قال فإن قلت هلا قيل : إلى غض ثمره وينعه ؟ قلت : في هذا الأسلوب فائدة وهي أن الينع وقع فيه معطوفاً على الثمر على سنن الاختصاص نحو قوله سبحانه : { وَجِبْرِيلَ وميكال } [ البقرة : 98 ] للدلالة على أن الينع أولى من الغض » وله وجه وجيه وإن خفي على بعض الناظرين .
{ إِنَّ فِى ذلكم } إشارة إلى ما أمروا بالنظر إليه . وما في اسم الإشارة من معنى البعد لما مر غير مرة { لاَيَاتٍ } عظيمة أو كثيرة دالة على وجود القادر الحكيم ووحدته { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي يطلبون الايمان بالله تعالى كما قال القاضي أو مؤمنون بالفعل ، وتخصيصهم بالذكر لأنهم الذين انتفعوا بذلك دون غيرهم كما قيل ووجه دلالة ما ذكر على وجود القادر الحكيم ووحدته أن حدوث هاتيك الأجناس المختلفة والأنواع المتشعبة من أصل واحد وانتقالها من حال إلى حال على نمط بديع لا بد أن يكون بإحداث صانع يعلم تفاصيلها ويرجح ما تقتضيه حكمته من الوجوه الممكنة على غيره ولا يعوقه ضد يعانده أو ند يعارضه ، ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر هذه النعمة الجليلة الدالة على توحيده وبخ من أشرك به سبحانه ورد عليه بقوله عز شأنه :
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَهُوَ الذى أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } أي من سماء الروح ماء العلم { فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْء } أي كل صنف من الأخلاق والفضائل { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ } أي النبات { خُضْرًا } زينة النفس وبهجة لها { نُّخْرِجُ مِنْهُ } أي الخضر { حَبّاً مُّتَرَاكِباً } أي أعمالا مترتبة شريفة ونيات صادقة يتقوى القلب بها { وَمِنَ النخل } أي نخل العقل { مِن طَلْعِهَا } أي من ظهور تعلقها { قنوان } معارف وحقائق { دَانِيَةٌ } قريبة التناول لظهورها بنور الروح كأنها بديهية { وجنات مّنْ أعناب } وهي أعناب الأحوال والأذواق ومنها تعتصر سلافة المحبة
وفي سكرة منها ولو عمر ساعة *** ترى الدهر عبداً طائعاً ولك الحكم
{ والزيتون } أي زيتون التفكر { والرمان } أي رمان الهمم الشريفة والعزائم النفيسة { مُشْتَبِهاً } كما في أفراد نوع واحد { وَغَيْرَ متشابه } كنوعين وفردين منهما مثلاً { انظروا إلى * ثَمَرَه * إِذَا أَثْمَرَ } أي راعوه بالمراقبة عند السلوك وبدأ الحال { وَيَنْعِهِ } [ الأنعام : 99 ] وهو كماله عند الوصول بالحضور
ثم ساق - سبحانه - حجة خامسة تدل دلالة واضحة على كمال قدرته وعلمه ورحمته وإحسانه إلى خلقه فقال - تعالى - :
{ وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ } .
أى : وهو - سبحانه - الذى أنزل من السحاب ماء فأخرجنا بسبب ذلك كل صنف من أصناف النبات والثمار المختلفة فى الكم والكيف والطعوم والألوان ، قال - تعالى -
{ وَفِي الأرض قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } وسمى السحاب سماء لأن العرب تسمى كل ما علا سماء ، و نزول الماء من السحاب قد جاء صريحاً فى مثل قوله - تعالى - { أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون } و { مِنَ } فى قوله { مِنَ السمآء } ابتدائية ، لأن ماء المطر يتكون فى طبقات الجو العليا البادرة عند تصاعد البخار الأرضى إليها فيصير البخار كثيفا وهو السحاب ثم يتحول إلى ماء ، والباء فى { بِهِ } للسببية . حيث جعل الله - تعالى - الماء سبباً فى خروج النبات ، والفاء فى قوله { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } للتفريع و { أَخْرَجْنَا } عطف على { أَنزَلَ } والالتفات إلى التكلم إظهار لكمال العناية بشأن ما أنزل الماء لأجله .
ثم شرع - سبحانه - فى تفصيل ما أجمل من الإخراج فقال : { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً } أى : فأخرجنا من النبات الذى لا ساق له نباتا غضا أخر ، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة ، وخضر بمعنى أخضر اسم فاعل . يقال " خضر الزرع - من باب فرح - وأخضر ، فهو خضر وأخضر .
وقوله { نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً } . أى : نخرج من هذا النبات الخضر { حَبّاً مُّتَرَاكِباً } أى : متراكما بعضه فوق بعض كما فى الحنطة والشعير وسائر الحبوب ، يقال : ركبه - كسمعه - ركوباً ومراكباً . أى : علاه .
وجملة { نُّخْرِجُ مِنْهُ } صفة لقوله " خضرا " . وعبر عنها بصيغة المضارع لاستحضار الصورة لما فيها من الغرابة لأن إخراج الحب المتراكب من هذا الخضر الغض يدعو إلى التأمل والإعجاب بمظاهر قدرة الله .
وبعد أن ذكر - سبحانه - ما ينبت من الحب أتبعه بذكر ما ينبت من النوى فقال : { وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ } .
الطلع : أول ما يبدو ويخرج من تمر النخل كالكيزان . وقشره يسمى الكفرى ؛ وما فى داخله يسمى الإغريق لبياضه .
والقنوان : جمع قنو وهو العرجون بما فيه الشماريخ ، وهو ومثناه سواه لا يفرق بينهما إلا فى الإعراب . أى : ونخرج بقدرتنا من طلع النخل قنوان دانية القطوف ، سهلة التناول أو بعضها دان قريب من بعض لكثرة حملها .
قال صاحب الكشاف : و { قِنْوَانٌ } رفع بالابتداء ، و { مِنَ النخل } خبره و { ن طَلْعِهَا } بدل منه . كأنه قيل : وحاصلة من طلع النخل قنوان دانية . وذكر القريبة وترك ذكر البعيدة ، لأن النعمة فيها أظهر وأدل ، واكتفى بذكر القريبة على ذكر البعيدة كقوله : { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } وقوله : { وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ } معطوف على { نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ } أى : فأخرجنا بهذا الماء نبات كل شىء وأخرجنا به جنات كائنة من أعناب .
وجعله : بعضهم عطفاً على { خَضِراً } . وقيل هو معطوف على { حَبّاً } .
وقوله : { والزيتون والرمان } منصوب على الاختصاص أى : وأخص من نبات كل شىء الزيتون والرمان ، وقيل معطوف على { نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ } .
قال الآلوسى : وقوله : { مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } إما حال من الزيتون لسبقه اكتفى به عن حال ما عطف عليه وهو الرمان والتقدير : والزيتون مشتبها وغير متشابه والرمان كذلك ، وإما حال من الرمان لقربه ويقدر مثله فى الأول .
وأياما كان ففى الكلام مضاف مقدر وهو بعض . أى بعض ذلك مشتبهاً وبعضه غير متشابه فى الهيئة والمقدار واللون والطعم وغير ذلك من الأوصاف الدالة على كمال قدرة صانعها ، وحكمة منشئها ومبدعها كما قال - تعالى - { يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل } ثم أمر الله عباده أن يتأملوا فى بديع صنعه فقال : { انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } أى : انظروا نظر تأمل واعتبار إلى ثمار كل واحد مما ذكرنا حال ابتدائه حين يكون ضئيلا ضعيفاً لا يكاد ينتفع به ، وحال ينعه أى : نضجه كيف يصير كبيراً أو جامعاً لألوان من المنافع والملاذ .
يقال : أينعت الثمرة إذا نضجت .
وقوله { إِنَّ فِي ذلكم لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أى : إن فى ذلكم الذى ذكرناه من أنواع النبات والثمار ، وذلكم الذى أمرتم بالنظر إليه لدلائل عظيمة على وجود القادر الحكيم لقوم يصدقون بأن الذى أخرج هذا النبات وهذه الثمار لهو المستحق للعبادة دون ما سواه أو هو القادر على أن يحيى الموتى ويبعثهم .
قال الشيخ القاسمى : قال بعضهم : القوم كانوا ينكرون البعث فاحتج عليهم بتعريف ما خلق ونقله من حال إلى حال وهو ما يعلمونه قطعاً ويشاهدونه من إحياء الأرض بعد موتها ، وإخراج أنواع النبات والثمار منها . وأنه لا يقدر على ذلك أحد إلى الله - تعالى - فبين أنه - سبحانه - كذلك قادر على إنشائهم من نفوسهم وأبدانهم ، وعلى البعث بإنزال المطر من السماء ، ثم إنبات الأجساد كالنبات ، ثم جعلها خضرة بالحياة ثم تصوير الأعمال بصورة كثيرة ، وإفادة أمور زائدة وتفريعها ، وإعطاء أطعمة مشتبهة فى الصورة غير متشابهة فى اللذة جزاء عليها " .
هذا وقد أفاض الإمام الرازى - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية فى بيان مظاهر قدرة الله وكمال رحمته وحكمته فقال ما ملخصه :
" اعلم أنه - تعالى - ذكره هنا أربعة أنواع من الأشجار : النخل والعنب والزيتون والرمان . وإنما قدم الزرع على الشجر لأن الزرع غذاء ، وثمار الأشجار فواكه ، والغذاء مقدم على الفاكهة ، وإنما قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يجرى مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب . وإنما ذكر العنب عقيب النخيل ، لأن العنب أشرف أنواع الفواكه ، وذلك لأنه من أول ما يظهر يصير منتفعاً به إلى آخر الحال .
وأما الزيتون فهو - أيضاً - كثير النفع لأنه يمكن تناوله كما هو وينفصل - أيضاً - عنه دهن كثير عظيم النفع . وأما الرمان فحاله عجيب جداً . واعلم أن أنواع النبات أكثر من أن تفى بشرحها مجلدات ، فلهذا السبب ذكر - سبحانه - هذه الأقسام الأربعة التى هى أشرف أنواع النبات ، واكتفى بذكرها تنبيهاً على البواقى .
ثم قال : وقد أمر - سبحانه - بالنظر فى حال ابتداء الثمر ونضجه لأن هذا هو موضوع الاستدلال ، والحجة التى هى تمام المقصود من هذه الآية وذلك لأن هذه الثمار والأزهار تتولد فى أول حدوثها عن صفات مخصوصة وعند تمامها لا تبقى على حالاتها الأولى بل تنتقل إلى أحوال مضادة للأحوال السابقة مثل أنها كانت موصوفة بلون الخضرة فتصير ملونة بلون السواد أو بلون الحمرة وكانت موصوفة بالحموضة فتصير موصوفة بالحلاوة ، وربما كانت فى أول الأمر باردة بحسب الطبيعة فتصير فى آخر أمرها حارة بحسب الطبيعة - أيضاً - فحصول هذه المتبدلات والمتغيرات لا بد له من سبب ، وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع والفصول والأنجم والأفلاك ، لأن نسبة هذه الأحوال بأسرها إلى جميع هذه الأجسام المتباينة متساوية متشابهة ، والنسب المتشابهة لا يمكن أن تكون أسباباً لحدوث الحوادث المختلفة . ولما بطل إسناد حدوث هذه الحوادث إلى الطبائع والأنجم والأفلاك وجب إسناده إلى القادر المختار الحكيم الرحيم المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة ، والمصلحة الحكيمة " .