هذا النوع الثاني من الأنواع الخاصة المعطوفة على العام من قوله : { من شر ما خلق } [ الفلق : 2 ] . وعُطف { شر النفاثات في العقد } على شر الليل لأن الليل وقت يتحين فيه السحَرة إجراء شعوذتهم لئلا يطلع عليهم أحد .
والنفث : نفخ مع تحريك اللسان بدون إخراج ريق فهو أقل من التفل ، يفعله السحرة إذا وضعوا علاج سحرهم في شيء وعَقدوا عليه عُقَداً ثم نفثوا عليها .
فالمراد ب { النفاثات في العقد } : النساء الساحرات ، وإنما جيء بصفة المؤنث لأن الغالب عند العرب أن يتعاطى السحرَ النساء لأن نساءهم لا شغل لهن بعد تهيئة لوازم الطعام والماء والنظافة ، فلذلك يكثر انكبابهن على مثل هاته السفاسف من السحر والتَّكهن ونحو ذلك ، فالأوهام الباطلة تتفشى بينهن ، وكان العرب يزعمون أن الغُول ساحرةٌ من الجِن . وورد في خبر هجرة الحبشة أن عمارة بن الوليد بن المغيرة اتُّهم بزوجة النجاشي وأن النجاشي دعَا له السوَاحر فنفخن في إحليله فصار مسلوب العقل هائماً على وجهه ولحق بالوحوش .
و{ العُقد } : جمع عقدة وهي ربط في خيط أو وَتَر يزعم السحرة أنه سحر المسحور يستمر ما دامت تلك العقد معقودة ، ولذلك يخافون من حَلها فيدفنونها أو يخبئونها في محل لا يُهتدى إليه . أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من شر السحرة لأنه ضمن له أن لا يلحقه شر السحرة ، وذلك إبطال لقول المشركين في أكاذيبهم إنه مسحور ، قال تعالى : { وقال الظالمون إنْ تتبعون إلا رجلاً مسحوراً } [ الفرقان : 8 ] .
وجملة القول هنا : أنه لما كان الأصح أن السورة مكية فإن النبي صلى الله عليه وسلم مأمون من أن يصيبه شر النفاثات لأن الله أعاذه منها .
وأمّا السحر فقد بسطنا القول فيه عند قوله تعالى : { يعلِّمون الناس السحر } في سورة البقرة ( 102 ) .
وإنما جعلت الاستعاذة من النفاثات لا من النفْث ، فلم يقل : إذا نفثن في العقد ، للإِشارة إلى أن نفثهن في العُقد ليس بشيء يجلب ضراً بذاته وإنما يجلب الضر النافثاتُ وهن متعاطيات السحر ، لأن الساحر يحرص على أن لا يترك شيئاً مما يحقق له ما يعمله لأجله إلاّ احتال على إيصاله إليه ، فربما وضع له في طعامه أو شرابه عناصر مفسدة للعقل أو مهلكة بقصد أو بغير قصد ، أو قاذورات يُفسد اختلاطُها بالجسد بعضَ عناصر انتظام الجسم يختلّ بها نشاط أعصابه أو إرادته ، وربما أغرى به من يغتاله أو من يتجسس على أحواله ليُرِي لمن يسألونه السحر أن سحره لا يتخلف ولا يخطىء .
وتعريف { النفاثات } تعريف الجنس وهو في معنى النكرة ، فلا تفاوت في المعنى بينه وبين قوله : { ومن شر غاسق } [ الفلق : 3 ] وقوله : { ومن شر حاسد } [ الفلق : 5 ] . وإنما أوثر لفظ { النفاثات } بالتعريف لأن التعريف في مثله للإِشارة إلى أن حقيقة معلومة للسامع مثل التعريف في قولهم : « أرسلها العراك » كما تقدم في قوله تعالى : { الحمد للَّه } في سورة الفاتحة ( 2 ) .
وتعريف { النفاثات } باللام إشارة إلى أنهن معهودات بين العرب .
السادسة : قوله تعالى : { ومن شر النفاثات في العقد } يعني الساحرات اللائي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها . شبه النفخ كما يعمل من يرقي . قال الشاعر :
أعوذ بربي من النافثا*** ت في عِضهِ العاضهِ المُعْضِهِ{[16606]}
نَفَثْتَ في الخيط شبيهَ الرُّقَى *** من خشيةِ الجِنَّة والحاسدِ
فإن يَبْرَأْ فلم أَنْفُثْ عليه *** وإن يُفْقَدْ فَحُقَّ لَهُ الفُقُودُ
السابعة : وروى النسائي عن أبي هريرة قال : فال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من عقد عقدة ثم نفث فيها ، فقد سحر ، ومن سحر فقد أشرك ، ومن تعلق{[16607]} شيئا وكل إليه " .
واختلف في النفث عند الرقي فمنعه قوم ، وأجازه آخرون . قال عكرمة : لا ينبغي للراقي أن ينفث ، ولا يمسح ، ولا يعقد .
قال إبراهيم : كانوا يكرهون النفث في الرقى .
وقال بعضهم : دخلت على الضحاك وهو وجع ، فقلت : ألا أعَوِّذُك يا أبا محمد ؟ قال : لا شيء من ذلك ، ولكن لا تنفث ، فعوذته بالمعوذتين .
وقال ابن جريج : قلت لعطاء : القرآن ينفخ به أو ينفث ؟ قال : لا شيء من ذلك ، ولكن تقرؤه هكذا ، ثم قال بعد : انفث إن شئت .
وسئل محمد بن سيرين عن الرقية ينفث فيها ، فقال : لا أعلم بها بأسا .
وإذا اختلفوا فالحاكم بينهم السنة .
روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث في الرقية ، رواه الأئمة ، وقد ذكرناه أول السورة وفي " الإسراء " . وعن محمد بن حاطب أن يده احترقت فأتت به أمه النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل ينفث عليها ويتكلم بكلام ، زعم أنه لم يحفظه . وقال محمد بن الأشعث : ذهب بي إلى عائشة رضي الله عنها وفي عيني سوء ، فرقتني ونفثت .
وأما ما روي عن عكرمة من قوله : لا ينبغي للراقي أن ينفث ، فكأنه ذهب فيه إلى أن الله تعالى جعل النفث في العقد مما يستعاذ به ، فلا يكون بنفسه عُوذَة . وليس هذا هكذا ؛ لأن النفث في العقد إذا كان مذموما لم يجب أن يكون النفث بلا عقد مذموما . ولأن النفث في العقد إنما أريد به السحر المضر بالأرواح ، وهذا النفث لاستصلاح الأبدان ، فلا يقاس ما ينفع بما يضر . وأما كراهة عكرمة المسح فخلاف السنة . قال علي رضي الله عنه : اشتكيت ، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أقول : اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني ، وإن كان متأخرا فاشفني وعافني ، وإن كان بلاء فصبرني . فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( كيف قلت ) ؟ فقلت له ، فمسحني بيده ، ثم قال : " اللهم اشفه " ، فما عاد ذلك الوجع بعد . وقرأ عبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن سابط وعيسى بن عمر ورويس عن يعقوب ( من شر النافثات ) في وزن ( فاعلات ) . ورويت عن عبد الله بن القاسم مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما . وروي أن نساء سحرن النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى عشرة عقدة ، فأنزل الله المعوذتين إحدى عشرة آية . قال ابن زيد : كن من اليهود ، يعني السواحر المذكورات . وقيل : هن بنات لبيد بن الأعصم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.