التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّـٰثَٰتِ فِي ٱلۡعُقَدِ} (4)

هذا النوع الثاني من الأنواع الخاصة المعطوفة على العام من قوله : { من شر ما خلق } [ الفلق : 2 ] . وعُطف { شر النفاثات في العقد } على شر الليل لأن الليل وقت يتحين فيه السحَرة إجراء شعوذتهم لئلا يطلع عليهم أحد .

والنفث : نفخ مع تحريك اللسان بدون إخراج ريق فهو أقل من التفل ، يفعله السحرة إذا وضعوا علاج سحرهم في شيء وعَقدوا عليه عُقَداً ثم نفثوا عليها .

فالمراد ب { النفاثات في العقد } : النساء الساحرات ، وإنما جيء بصفة المؤنث لأن الغالب عند العرب أن يتعاطى السحرَ النساء لأن نساءهم لا شغل لهن بعد تهيئة لوازم الطعام والماء والنظافة ، فلذلك يكثر انكبابهن على مثل هاته السفاسف من السحر والتَّكهن ونحو ذلك ، فالأوهام الباطلة تتفشى بينهن ، وكان العرب يزعمون أن الغُول ساحرةٌ من الجِن . وورد في خبر هجرة الحبشة أن عمارة بن الوليد بن المغيرة اتُّهم بزوجة النجاشي وأن النجاشي دعَا له السوَاحر فنفخن في إحليله فصار مسلوب العقل هائماً على وجهه ولحق بالوحوش .

و{ العُقد } : جمع عقدة وهي ربط في خيط أو وَتَر يزعم السحرة أنه سحر المسحور يستمر ما دامت تلك العقد معقودة ، ولذلك يخافون من حَلها فيدفنونها أو يخبئونها في محل لا يُهتدى إليه . أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من شر السحرة لأنه ضمن له أن لا يلحقه شر السحرة ، وذلك إبطال لقول المشركين في أكاذيبهم إنه مسحور ، قال تعالى : { وقال الظالمون إنْ تتبعون إلا رجلاً مسحوراً } [ الفرقان : 8 ] .

وجملة القول هنا : أنه لما كان الأصح أن السورة مكية فإن النبي صلى الله عليه وسلم مأمون من أن يصيبه شر النفاثات لأن الله أعاذه منها .

وأمّا السحر فقد بسطنا القول فيه عند قوله تعالى : { يعلِّمون الناس السحر } في سورة البقرة ( 102 ) .

وإنما جعلت الاستعاذة من النفاثات لا من النفْث ، فلم يقل : إذا نفثن في العقد ، للإِشارة إلى أن نفثهن في العُقد ليس بشيء يجلب ضراً بذاته وإنما يجلب الضر النافثاتُ وهن متعاطيات السحر ، لأن الساحر يحرص على أن لا يترك شيئاً مما يحقق له ما يعمله لأجله إلاّ احتال على إيصاله إليه ، فربما وضع له في طعامه أو شرابه عناصر مفسدة للعقل أو مهلكة بقصد أو بغير قصد ، أو قاذورات يُفسد اختلاطُها بالجسد بعضَ عناصر انتظام الجسم يختلّ بها نشاط أعصابه أو إرادته ، وربما أغرى به من يغتاله أو من يتجسس على أحواله ليُرِي لمن يسألونه السحر أن سحره لا يتخلف ولا يخطىء .

وتعريف { النفاثات } تعريف الجنس وهو في معنى النكرة ، فلا تفاوت في المعنى بينه وبين قوله : { ومن شر غاسق } [ الفلق : 3 ] وقوله : { ومن شر حاسد } [ الفلق : 5 ] . وإنما أوثر لفظ { النفاثات } بالتعريف لأن التعريف في مثله للإِشارة إلى أن حقيقة معلومة للسامع مثل التعريف في قولهم : « أرسلها العراك » كما تقدم في قوله تعالى : { الحمد للَّه } في سورة الفاتحة ( 2 ) .

وتعريف { النفاثات } باللام إشارة إلى أنهن معهودات بين العرب .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّـٰثَٰتِ فِي ٱلۡعُقَدِ} (4)

السادسة : قوله تعالى : { ومن شر النفاثات في العقد } يعني الساحرات اللائي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها . شبه النفخ كما يعمل من يرقي . قال الشاعر :

أعوذ بربي من النافثا*** ت في عِضهِ العاضهِ المُعْضِهِ{[16606]}

وقال متمم بن نويرة :

نَفَثْتَ في الخيط شبيهَ الرُّقَى *** من خشيةِ الجِنَّة والحاسدِ

وقال عنترة :

فإن يَبْرَأْ فلم أَنْفُثْ عليه *** وإن يُفْقَدْ فَحُقَّ لَهُ الفُقُودُ

السابعة : وروى النسائي عن أبي هريرة قال : فال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من عقد عقدة ثم نفث فيها ، فقد سحر ، ومن سحر فقد أشرك ، ومن تعلق{[16607]} شيئا وكل إليه " .

واختلف في النفث عند الرقي فمنعه قوم ، وأجازه آخرون . قال عكرمة : لا ينبغي للراقي أن ينفث ، ولا يمسح ، ولا يعقد .

قال إبراهيم : كانوا يكرهون النفث في الرقى .

وقال بعضهم : دخلت على الضحاك وهو وجع ، فقلت : ألا أعَوِّذُك يا أبا محمد ؟ قال : لا شيء من ذلك ، ولكن لا تنفث ، فعوذته بالمعوذتين .

وقال ابن جريج : قلت لعطاء : القرآن ينفخ به أو ينفث ؟ قال : لا شيء من ذلك ، ولكن تقرؤه هكذا ، ثم قال بعد : انفث إن شئت .

وسئل محمد بن سيرين عن الرقية ينفث فيها ، فقال : لا أعلم بها بأسا .

وإذا اختلفوا فالحاكم بينهم السنة .

روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث في الرقية ، رواه الأئمة ، وقد ذكرناه أول السورة وفي " الإسراء " . وعن محمد بن حاطب أن يده احترقت فأتت به أمه النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل ينفث عليها ويتكلم بكلام ، زعم أنه لم يحفظه . وقال محمد بن الأشعث : ذهب بي إلى عائشة رضي الله عنها وفي عيني سوء ، فرقتني ونفثت .

وأما ما روي عن عكرمة من قوله : لا ينبغي للراقي أن ينفث ، فكأنه ذهب فيه إلى أن الله تعالى جعل النفث في العقد مما يستعاذ به ، فلا يكون بنفسه عُوذَة . وليس هذا هكذا ؛ لأن النفث في العقد إذا كان مذموما لم يجب أن يكون النفث بلا عقد مذموما . ولأن النفث في العقد إنما أريد به السحر المضر بالأرواح ، وهذا النفث لاستصلاح الأبدان ، فلا يقاس ما ينفع بما يضر . وأما كراهة عكرمة المسح فخلاف السنة . قال علي رضي الله عنه : اشتكيت ، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أقول : اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني ، وإن كان متأخرا فاشفني وعافني ، وإن كان بلاء فصبرني . فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( كيف قلت ) ؟ فقلت له ، فمسحني بيده ، ثم قال : " اللهم اشفه " ، فما عاد ذلك الوجع بعد . وقرأ عبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن سابط وعيسى بن عمر ورويس عن يعقوب ( من شر النافثات ) في وزن ( فاعلات ) . ورويت عن عبد الله بن القاسم مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما . وروي أن نساء سحرن النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى عشرة عقدة ، فأنزل الله المعوذتين إحدى عشرة آية . قال ابن زيد : كن من اليهود ، يعني السواحر المذكورات . وقيل : هن بنات لبيد بن الأعصم .


[16606]:العضه (كعنب): الكذب والسحر والبهتان. والعاضه: الساحر.
[16607]:أي علق شيئا من التعاويذ والتمائم معتقدا أنها تجلب إليه نفعا أو تدفع عنه ضررا. وقيل: المراد تمائم الجاهلية مثل الحرازات وأظفار السباع. أما ما يكون من القرآن والأسماء الإلهية فهو خارج عن هذا الحكم. (شرح سنن النسائي).