التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ} (4)

و{ الوسواس } : المتكلم بالوسوسة ، وهي الكلام الخفيّ ، قال رُؤبة يصف صائداً في قُتْرتِه :

وَسْوَسَ يَدْعُو مُخلصاً ربَّ الفَلَقْ

فالوسواس اسم فاعل ويطلق الوسواس بفتح الواو مجازاً على ما يخطر بنفس المرء من الخواطر التي يتوهمها مثل كلام يكلم به نفسه قال عُروة بن أذينة :

وإذا وجَدْت لها وسَاوِسَ سَلوَةٍ *** شفَع الفؤادُ إلى الضمير فسَلَّها

والتعريف في { الوسواس } تعريف الجنس وإطلاق { الوسواس } على معنييه المجازي والحقيقي يشمل الشياطين التي تلقي في أنفُس الناس الخواطر الشريرة ، قال تعالى : { فوسوس إليه الشيطان } [ طه : 120 ] ، ويشمل الوسواسُ كل من يتكلم كلاماً خفياً من الناس وهم أصحاب المكائد والمؤامرات المقصود منها إلحاق الأذى من اغتيال نفوس أو سرقة أموال أو إغراءٍ بالضلال والإِعراض عن الهدى ، لأن شأن مذاكرة هؤلاء بعضهم مع بعض أن تكون سِراً لئلا يطلع عليها من يريدون الإِيقاعَ به ، وهم الذين يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم الدوائر ويغرون الناس بأذِيَّتِهِ .

و { الخناس } : الشديد الخنْس والكثيرُه . والمراد أنه صار عادة له . والخنس والخنوس : الاختفاء . والشيطان يلقب ب { الخناس } لأنه يتصل بعقل الإِنسان وعزمه من غير شعور منه فكأنَّه خنس فيه ، وأهل المكر والكيد والتختل خنّاسون لأنهم يتحينون غفلات الناس ويتسترون بأنواع الحيل لكيلا يشعر الناس بهم .

فالتعريف في { الخناس } على وزاننِ تعريف موصوفه ، ولأن خواطر الشر يهم بها صاحبها فيطرق ويتردد ويخاف تبعاتها وتزجره النفس اللّوامة ، أو يزَعه وازع الدين أو الحياء أو خوف العقاب عند الله أو عند الناس ثم تعاوده حتى يطمئن لها ويرتاض بها فيصمم على فعلها فيقترفها ، فكأنَّ الشيطان يبدو له ثم يختفي ، ثم يبدو ثم يختفي حتى يتمكن من تدليته بغرور .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ} (4)

يعني : من شر الشيطان . والمعنى : من شر ذي الوسواس ، فحذف المضاف . قاله الفراء . وهو ( بفتح الواو ) بمعنى الاسم ، أي الموسوس . و( بكسر الواو ) المصدر ، يعني الوسوسة . وكذا الزلزال والزلزال . والوسوسة : حديث النفس . يقال : وسوست إليهم نفسه وسوسة ووسوسة ( بكسر الواو ) . ويقال لهمس الصائد والكلاب وأصوات الحلي : وسواس . وقال ذو الرمة :

فبات يُشْئِزُه ثَأَدٌ ويُسْهِرُه *** تَذَؤُّبُ الريح والوسواسُ والهِضَبُ{[16610]}

وقال الأعشى :

تسمع للحَلْيِ وسواسا إذا انصرفت *** كما استعان بريح عِشْرَقٌ زَجِلُ{[16611]}

وقيل : إن الوسواس الخناس ابن لإبليس ، جاء به إلى حواء ، ووضعه بين يديها ، وقال : اكفليه . فجاء آدم عليه السلام{[16612]} فقال : ما هذا ( يا حواء{[16613]} ) قالت : جاء عدونا بهذا ، وقال لي : اكفليه . فقال : ألم أقل لك : لا تطيعيه في شيء ، هو الذي غرنا حتى وقعنا في المعصية ؟ وعمد إلى الولد فقطعه أربعة أرباع ، وعلق كل ربع على شجرة ، غيظا له ، فجاء إبليس فقال : يا حواء{[16614]} ، أين ابني ؟ فأخبرته بما صنع به آدم عليه السلام ، فقال : يا خناس ، فحيي فأجابه . فجاء به إلى حواء وقال : اكفليه ، فجاء آدم عليه السلام فحرقه بالنار ، وذر رماده في البحر ، فجاء إبليس ( عليه اللعنة ) فقال : يا حواء ، أين ابني ؟ فأخبرته بفعل آدم إياه ، فذهب إلى البحر ، فقال : يا خناس ، فحيي فأجابه . فجاء به إلى حواء الثالثة ، وقال : اكفليه . فنظر إليه آدم ، فذبحه وشواه ، وأكلاه جميعا . فجاء إبليس فسألها فأخبرته ( حواء ) . فقال : يا خناس ، فحيي فأجابه ، ( فجاء به ) من جوف آدم وحواء . فقال إبليس : هذا الذي أردت ، وهذا مسكنك في صدر ولد آدم ، فهو ملتقم قلب آدم ما دام غافلا يوسوس ، فإذا ذكر الله لفظ قلبه وانخنس . ذكر هذا الخبر الترمذي الحكيم في نوادر الأصول بإسناد عن وهب بن منبه . وما أظنه يصح ، والله تعالى أعلم . ووصف بالخناس ؛ لأنه كثير الاختفاء ، ومنه قوله تعالى : { فلا أقسم بالخنس }{[16615]} [ التكوير : 15 ] يعني النجوم ، لاختفائها بعد ظهورها . وقيل : لأنه يخنس إذا ذكر العبد الله ، أي يتأخر . وفي الخبر " إن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم ، فإذا غفل وسوس ، وإذا ذكر الله خنس " أي تأخر وأقصر . وقال قتادة : " الخناس " : الشيطان له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان ، فإذا غفل الإنسان{[16616]} وسوس له ، وإذا ذكر العبد ربه خنس . يقال : خنسته فخنس ، أي أخرته فتأخر ، وأخنسته أيضا . ومنه قول أبي العلاء الحضرمي أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم :

وإن دَحَسُوا بالشر فاعفُ تكرُّمًا *** وإن خَنَسُوا عند{[16617]} الحديث فلا تَسَلْ

الدحس : الإفساد .

وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الشيطان واضع خَطْمه على قلب ابن آدم ، فإذا ذكر الله خنس ، وإذا نسي الله التقم قلبه فوسوس " .

وقال ابن عباس : إذا ذكر الله العبد خنس من قلبه فذهب ، وإذا غفل التقم قلبه فحدثه ومَنَّاه .

وقال إبراهيم التيمي : أول ما يبدو الوسواس من قبل الوضوء .

وقيل : سمي خناسا ؛ لأنه يرجع إذا غفل العبد عن ذكر الله . والخنس : الرجوع . وقال الراجز :

وصاحبٍ يمْتَعِسُ{[16618]} امتِعاسا *** يزداد إن حيَّيْتَهُ{[16619]} خِنَاسَا

وقد روى ابن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى : { الوسواس الخناس } وجهين : أحدهما : أنه الراجع بالوسوسة عن الهدى . الثاني : أنه الخارج بالوسوسة من اليقين .


[16610]:شئز الرجل : قلق من مرض أو هم. والثأد: الندى والقر والأمر القبيح. وتذؤب الريح: هبوبها من كل وجه، وهو مأخوذ من خداع الذئب. والهضب (بكسر الهاء): الأمطار.
[16611]:العشرق (كزبرج): نبت له ورق فإذا يبس طار. ونبت زجل: صوتت فيه الريح.
[16612]:زيادة عن نوادر الأصول للترمذي الحكيم.
[16613]:زيادة عن نوادر الأصول للترمذي الحكيم.
[16614]:زيادة عن الترمذي الحكيم.
[16615]:آية 15 سورة التكوير.
[16616]:في نسخة من الأصل: "ابن آدم".
[16617]:في اللسان: "عنك".
[16618]:يمتعس: يتحرك.
[16619]:في بعض الأصول "جتتنه" وبعضها "جننته" وفي بعضها بدون إعجام.