سمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه السورة { قل أعوذ برب الفلق } . روى النسائي عن عقبة بن عامر قال : اتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راكب فوضعت يدي على قدمه فقلت : أقرئني يا رسول الله سورة هود وسورة يوسف ، فقال : لن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من { قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس } .
وهذا ظاهر في أنه أراد سورة { قل أعوذ برب الفلق } لأنه كان جوابا على قول عقبة : أقرأني سورة هود الخ ، ولأنه عطف على قوله { قل أعوذ برب الفلق } قوله { قل أعوذ برب الناس } ولم يتم سورة { قل أعوذ برب الفلق } .
عنونها البخاري في صحيحه { سورة قل أعوذ برب الفلق } بإضافة سورة إلى أول جملة منها .
وجاء في بعض كلام الصحابة تسميتها مع سورة الناس { المعوذتين } . روى أبو داود والترمذي وأحمد عن عقبة بن عامر قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذات بكسر الواو المشددة وبصيغة الجمع بتأويل الآيات المعوذات ، أي آيات السورتين وفي رواية بالمعوذتين في دبر كل صلاة . ولم يذكر أحد من المفسرين أن الواحدة منهما تسمى المعوذة بالإفراد ، وقد سماها ابن عطية سورة المعوذة الأولى ، فإضافة سورة إلى المعوذة من إضافة المسمى إلى الاسم ، ووصف السورة بذلك مجاز يجعلها كالذي يدل الخائف على المكان الذي يعصمه من مخيفه أو كالذي يدخله المعاذ .
وسميت في أكثر المصاحف ومعظم كتب التفسير { سورة الفلق } .
وفي الإتقان : أنها وسورة الناس تسميان « المشقشقتين » بتقديم الشينين على القافين من قولهم خطيب مشقشق اه . أي مسترسل القول تشبيها له بالفحل الكريم من الإبل يهدر بشقشقة وهي كاللحم يبرز من فيه إذا غضب ولم أحقق وجه وصف المعوذتين بذلك .
وفي تفسير القرطبي والكشاف أنها وسورة الناس تسميان « المشقشقتين » بتقديم القاف على الشينين زاد القرطبي : أي تبرئان من النفاق ، وكذلك قال الطيبي ، فيكون اسم المقشقشة مشتركا بين أربع سور هذه ، وسورة الناس ، وسورة براءة ، وسورة الكافرون .
واختلف فيها أمكية هي أم مدنية ، فقال جابر بن زيد والحسن وعطاء وعكرمة : مكية ، ورواه كريب عن ابن عباس . وقال قتادة : هي مدنية ، ورواه أبو صالح عن ابن عباس .
والأصح أنها مكية لأن رواية كريب عن ابن عباس مقبولة بخلاف رواية أبي صالح عن ابن عباس ففيها متكلم .
وقال الواحدي : قال المفسرون إنها نزلت بسبب أن لبيد بن الأعصم سحر النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس في الصحاح أنها نزلت بهذا السبب ، وبنى صاحب الإتقان عليه ترجيح أن السورة مدنية وسنتكلم على قصة لبيد بن الأعصم عند قوله تعالى { ومن شر النفاثات في العقد } .
وقد قيل : أن سبب نزولها والسورة بعدها : أن قريشا ندبوا ، أي ندبوا من اشتهر بينهم أنه يصيب النبي صلى الله عليه وسلم بعينه فأنزل الله المعوذتين ليتعوذ منهم بهما ، ذكره الفخر عن سعيد بن المسيب ولم يسنده .
وعدت العشرين في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة الفيل وقبل سورة الناس .
واشتهر عن عبد الله بن مسعود في الصحيح أنه كان ينكر أن تكون المعوذتان من القرآن ويقول : إنما أمر رسول الله أن يتعوذ بهما ، أي ولم يؤمر بأنهما من القرآن . وقد أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على القراءة بهما في الصلاة وكتبا في مصاحفهم ، وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بهما في صلاته .
والغرض منها تعليم النبي صلى الله عليه وسلم كلمات للتعوذ بالله من شر ما يتقى شره من المخلوقات الشريرة ، والأوقات التي يكثر فيها حدوث الشر ، والأحوال التي يستر أحوال الشر من ورائها لئلا يرمى فاعلوها بتبعاتها ، فعلم الله نبيه هذه المعوذة ليتعوذ بها ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بهذه السورة وأختها ويأمر أصحابه بالتعوذ بهما فكان التعوذ بهما من سنة المسلمين .
الأمر بالقول يقتضي المحافظة على هذه الألفاظ لأنها التي عينها الله للنبيء صلى الله عليه وسلم ليتعوذ بها فإجابتُها مرجوة ، إذ ليس هذا المقول مشتملاً على شيء يُكلف به أو يُعمل حتى يكون المراد : قل لهم كذا كما في قوله : { قل هو الله أحد } [ الإخلاص : 1 ] ، وإنما هو إنشاء معنى في النفس تدل عليه هذه الأقوال الخاصة .
وقد روي عن ابن مسعود في أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المعوذتين فقال : " قِيل لي قُل فقلتُ لكم فقولوا " . يريد بذلك المحافظة على هذه الألفاظ للتعوذ وإذ قد كانت من القرآن فالمحافظة على ألفاظها متعينة والتعوذ يحصل بمعناها وبألفاظها حتى كَلِمة { قُل .
والخطاب { بقُل } للنبيء صلى الله عليه وسلم وإذ قد كان قرآناً كان خطاب النبي صلى الله عليه وسلم به يشمل الأمة حيث لا دليل على تخصيصه به ، فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعضَ أصحابه بالتعوذ بهذه السورة ولذلك أيضاً كان يعوِّذ بهما الحَسَن والحُسَيْن كما ثبت في « الصحيح » ، فتكون صيغة الأمر الموجهة إلى المخاطب مستعملة في معنَيي الخطاب من توجُّهه إلى معيّن وهو الأصل ، ومن إرادة كلّ من يصح خطابُه وهو طريق من طرق الخطاب تدل على قصده القرائن ، فيكون من استعمال المشترك في معنييه .
واستعمال صيغة التكلم في فعل { أعوذ } يتبع ما يراد بصيغة الخطاب في فعل { قل } فهو مأمور به لكل من يريد التعوذ بها .
وأما تعويذُ قارئها غيرَه بها كما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بالمعوذتين الحسن والحسين ، وما رُوي عن عائشة قالت : « إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوِّذات ، فلما ثَقُل كنت أنفث عليه بهن وأمْسح بيدِ نفسه لبركتها » ، فذلك على نية النيابة عمن لا يحسن أن يعوذ نفسه بنفسه بتلك الكلمات لعجز أو صغر أو عدم حفظ .
والعَوْذ : اللجأ إلى شيء يقِي من يلجأُ إليه ما يخافه ، يُقال : عاذ بفلان ، وعاذ بحصن ، ويقال : استعاذ ، إذا سأل غيره أن يُعيذه قال تعالى : { فاستعِذ باللَّه إنه سميع عليم } [ الأعراف : 200 ] . وعاذ من كذا ، إذا صار إلى ما يعيذه منه قال تعالى : { فاستعذ باللَّه من الشيطان الرجيم } [ النحل : 98 ] .
و{ الفلق } : الصبح ، وهو فَعَل بمعنى مفعول مثل الصَّمَد لأن الليل شبه بشَيء مغلق ينفلق عن الصبح ، وحقيقة الفَلْق : الانشقاق عن باطن شيء ، واستعير لظهور الصبح بعد ظلمة الليل ، وهذا مثل استعارة الإخراج لظهور النور بعد الظلام في قوله تعالى : { وأغطش ليلها وأخرج ضحاها } [ النازعات : 29 ] ، واستعارة السلخ له في قوله تعالى : { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار } [ يس : 37 ] .
وربُّ الفلق : هو الله ، لأنه الذي خلق أسبابَ ظهور الصبح ، وتخصيص وصف الله بأنه رب الفلق دون وصف آخر لأن شراً كثيراً يحدث في الليل من لصوص ، وسباع ، وذوات سموم ، وتعذر السير ، وعُسر النجدة ، وبُعد الاستغاثة واشتداد آلام المرضى ، حتى ظن بعض أهل الضلالة الليل إله الشر .
والمعنى : أعوذ بفالق الصبح مَنجاةً من شرور الليل ، فإنه قادر على أن ينجيني في الليل من الشر كما أنجى أهل الأرض كلهم بأن خلق لهم الصبح ، فوُصفَ الله بالصفة التي فيها تمهيدٌ للإِجابة .
وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر ، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة . وهي خمس آيات .
وهذه السورة وسورة " الناس " و " الإخلاص " : تعوذ بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سحرته اليهود ، على ما يأتي . وقيل : إن المعوذتين كان يقال لهما : المقشقشتان ، أي تبرئان من النفاق . وقد تقدم . وزعم ابن مسعود أنهما دعاء تعوذ به ، وليستا من القرآن ، خالف به الإجماع من الصحابة وأهل البيت . قال ابن قتيبة : لم يكتب عبد الله بن مسعود في مصحفه المعوذتين ؛ لأنه كان يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين - رضي الله عنهما - بهما ، فقدر أنهما بمنزلة : أعيذكما بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامَّة . قال أبو بكر الأنباري : وهذا مردود على ابن قتيبة ؛ لأن المعوذتين من كلام رب العالمين ، المعجز لجميع المخلوقين ، و " أعيذكما بكلمات الله التامة " من قول البشر بين . وكلام الخالق الذي هو آية لمحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ، وحجة له باقية على جميع الكافرين ، لا يلتبس بكلام الآدميين ، على مثل عبد الله بن مسعود الفصيح اللسان ، العالم باللغة ، العارف بأجناس الكلام ، وأفانين القول . وقال بعض الناس : لم يكتب عبد الله المعوذتين ؛ لأنه أمن عليهما من النسيان ، فأسقطهما وهو يحفظهما ، كما أسقط فاتحة الكتاب من مصحفه ، وما يشك في حفظه وإتقانه لها . فرد هذا القول على قائله ، واحتج عليه بأنه قد كتب : " إذا جاء نصر الله والفتح " ، و " إنا أعطيناك الكوثر " ، و " قل هو الله أحد " ، وهن يجرين مجرى المعوذتين في أنهن غير طوال ، والحفظ إليهن أسرع ، ونسيانهن مأمون ، وكلهن يخالف فاتحة الكتاب ؛ إذ الصلاة لا تتم إلا بقراءتها . وسبيل كل ركعة أن تكون المقدمة فيها قبل ما يقرأ من بعدها ، فإسقاط فاتحة الكتاب من المصحف ، على معنى الثقة ببقاء حفظها ، والأمن نسيانها ، صحيح ، وليس من السور ما يجري في هذا المعنى مجراها ، ولا يسلك به طريقها . وقد مضى هذا المعنى في سورة " الفاتحة " {[1]} . والحمد لله .
الأولى : روى النسائي عن عقبة بن عامر ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكب ، فوضعت يدي على قدمه ، فقلت : أقرئني سورة [ هود ]{[16582]} أقرئني سورة يوسف . فقال لي : " ولن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من { قل أعوذ برب الفلق } " .
وعنه قال : بينا أنا أسير مع النبي صلى الله عليه وسلم بين الجحفة والأبواء ، إذ غشتنا ريح مظلمة شديدة ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ ب{ أعوذ برب الفلق } ، و{ أعوذ برب الناس } ، ويقول : " يا عقبة ، تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما " . قال : وسمعته يقرأ بهما في الصلاة .
وروى النسائي عن عبدالله قال : أصابنا طش{[16583]} وظلمة ، فانتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج{[16584]} . ثم ذكر كلاما معناه : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي بنا{[16585]} ، فقال : قل . فقلت : ما أقول ؟ قال : " { قل هو الله أحد } والمعوذتين حين تمسي ، وحين تصبح ثلاثا ، يكفك كل شيء " .
وعن عقبة بن عامر الجهني قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قل ) . قلت : ما أقول ؟ قال قل : ( " { قل هو الله أحد } . { قل أعوذ برب الفلق } . { قل أعوذ برب الناس }فقرأهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : لم يتعوذ الناس بمثلهن ، أو لا يتعوذ الناس بمثلهن " .
وفي حديث ابن عباس : " { قل أعوذ برب الفلق } و{ قل أعوذ برب الناس } ، هاتين السورتين " .
وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث ، كلما أشتد وجعه كنت أقرأ عليه ، وأمسح عنه بيده ، رجاء بركتها .
الثانية : ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى سحره يهودي من يهود بني زريق ، يقال له : لبيد بن الأعصم ، حتى يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء ولا يفعله ، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث - في غير الصحيح : سنة - ثم قال : " يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه ؟ أتاني ملكان ، فجلس أحدهما عند رأسي ، والآخر عند رجلي{[16586]} ، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي : ما شأن الرجل ؟ قال : مطبوب{[16587]} . قال ومن طبه ؟ قال لبيد بن الأعصم . قال في ماذا ؟ قال : في مشط ومشاطة{[16588]} وجف طلعة{[16589]} ذكر ، تحت راعوفة في بئر ذي أوران{[16590]} " فجاء البئر واستخرجه . انتهى الصحيح .
وقال ابن عباس{[16591]} : " أما شعرت يا عائشة أن الله تعالى أخبرني بدائي " . ثم بعث عليا والزبير وعمار بن ياسر ، فنزحوا ماء تلك البئر كأنه نقاعة الحناء ، ثم رفعوا الصخرة وهي الراعوفة - صخرة تترك أسفل البئر يقوم عليها المائح{[16592]} ، وأخرجوا الجف ، فإذا مشاطة رأس إنسان ، وأسنان من مشط ، وإذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغرزة بالإبر ، فأنزل الله تعالى هاتين السورتين ، وهما إحدى عشرة آية على عدد تلك العقد ، وأمر أن يتعوذ بهما ، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة ، ووجد النبي صلى الله عليه وسلم خفة ، حتى انحلت العقدة الأخيرة ، فكأنما أنشط من عقال ، وقال : ليس به بأس . وجعل جبريل يرقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول : ( باسم الله أرقيك ، من كل شيء يؤذيك ، من شر حاسد وعين ، والله يشفيك ) . فقالوا : يا رسول الله ، ألا نقتل الخبيث . فقال : " أما أنا فقد شفاني الله ، وأكره أن أثير على الناس شرا " .
وذكر القشيري في تفسيره أنه ورد في الصحاح : أن غلاما من اليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فدست{[16593]} إليه اليهود ، ولم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم . والمشاطة بضم الميم : ما يسقط من الشعر عند المشط . وأخذ عدة من أسنان مشطه ، فأعطاها اليهود ، فسحروه فيها ، وكان الذي تولى ذلك لبيد بن الأعصم اليهودي . وذكر نحو ما تقدم عن ابن عباس .
الثالثة : وقد تقدم في " البقرة " القول في السحر وحقيقته ، وما ينشأ عنه من الآلام والمفاسد ، وحكم الساحر ، فلا معنى لإعادته{[16594]} .
الرابعة : قوله تعالى : " الفلق " اختلف فيه ، فقيل : سجن في جهنم ، قاله ابن عباس . وقال أبي بن كعب : بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل النار من حره . وقال الحبلي أبو عبد الرحمن{[16595]} : هو اسم من أسماء جهنم . وقال الكلبي : واد في جهنم . وقال عبد الله بن عمر : شجرة في النار . سعيد بن جبير : جب في النار . النحاس : يقال لما اطمأن من الأرض فلق ، فعلى هذا يصح هذا القول . وقال جابر بن عبد الله والحسن وسعيد بن جبير أيضا ومجاهد وقتادة والقرظي وابن زيد : الفلق : الصبح . وقال ابن عباس . تقول العرب : هو أبين من فلق الصبح ، وفرق الصبح . وقال الشاعر :
يا ليلةً لم أنمها بِتُّ مُرْتَفِقًا{[16596]} *** أرعَى النجومَ إلى أن نَوَّرَ الفَلَقُ
وقيل : الفلق : الجبال والصخور تنفرد بالمياه ، أي تتشقق . وقيل : هو التفليق بين الجبال والصخور ؛ لأنها تتشقق من خوف الله عز وجل . قال زهير :
ما زلتُ أرمُقُهُمْ حتى إذا هَبَطَتْ *** أيدي الرِّكَابِ بهم من رَاكِسٍ فَلَقَا
الراكس : بطن الوادي . وكذلك هو في قول النابغة :
أتاني ودوني راكِسٌ فالضَّوَاجِعُ{[16597]}
والراكس أيضا : الهادي ، وهو الثور وسط البيدر{[16598]} ، تدور عليه الثيران في الدِّياسة . وقيل : الرحم تنفلق بالحيوان . وقيل : إنه كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان والصبح والحب والنوى ، وكل شيء من نبات وغيره ، قاله الحسن وغيره . قال الضحاك : الفلق الخلق كله . قال :
وَسْوَسَ يدعو مخلصاً ربَّ الفلقْ *** سِرًّا وقد أوَّنَ تأوينَ العُقُقْ{[16599]}
قلت : هذا القول يشهد له الاشتقاق ، فإن الفلق الشق . فلقت الشيء فلقا أي شققته . والتفليق مثله . يقال : فلقته فانفلق وتفلق . فكل ما انفلق عن شيء من حيوان وصبح وحب ونوى وماء فهو فلق ، قال الله تعالى : { فالق الإصباح }{[16600]} [ الأنعام : 96 ] قال : { فالق الحب والنوى }{[16601]} [ الأنعام : 95 ] . وقال ذو الرمة يصف الثور الوحشي :
حتَّى إذا ما انجَلَى{[16602]} عن وجْهِهِ فَلَقٌ *** هادِيه في أخريات الليل منتصبُ
يعني بالفلق هنا : الصبح بعينه . والفلق أيضا : المطمئن من الأرض بين الربوتين ، وجمعه : فلقان ، مثل خلق وخلقان ، وربما قال : كان ذلك بفالق كذا وكذا ، يريدون المكان المنحدر بين الربوتين ، والفلق أيضا مِقْطَرةُ{[16603]} السجان . فأما الفِلْق ( بالكسر ) : فالداهية والأمر العجب ، تقول منه : أفلق الرجل وافتلق . وشاعر مفلق ، وقد جاء بالفِلق ( أي بالداهية ) . والفلق أيضا : القضيب يشق باثنين ، فيعمل منه قوسان ، يقال لكل واحدة منهما : فلق ، وقولهم : جاء بِعُلَقٍ فُلَق ، وهي الداهية ، لا يجرى [ مجرى عمر ]{[16604]} ) . يقال منه : أعلقت وأفلقت ، أي جئت بعلق فلق ، ومر يفتلق في عدوه ، أي يأتي بالعجب من شدته .