التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{۞رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّـٰلِحِينَ} (101)

أعقب ذكر نعمة الله عليه بتوجهه إلى مناجاة ربه بالاعتراف بأعظم نعم الدنيا والنعمة العظمى في الآخرة ، فذكر ثلاث نعم : اثنتان دنيويتان وهما : نعمة الولاية على الأرض ونعمة العلم ، والثالثة : أخروية وهي نعمة الدين الحق المعبر عنه بالإسلام وجعل الذي أوتيه بعضاً من الملك ومن التأويل لأن ما أوتيه بعض من جنس الملك وبعض من التأويل إشعاراً بأن ذلك في جانب مُلك الله وفي جانب علمه شيء قليل . v وعلى هذا يكون المراد بالمُلك التصرف العظيم الشبيه بتصرف المَلِك إذ كان يوسف عليه السلام هو الذي يُسير المَلك برأيه . ويجوز أن يراد بالمُلك حقيقته ويكون التبعيض حقيقياً ، أي آتيتني بعض المُلك لأن المُلك مجموع تصرفات في أمر الرعية ، وكان ليوسف عليه السلام من ذلك الحظُّ الأوفر ، وكذلك تأويل الأحاديث .

وتقدم معنى تأويل الأحاديث عند قوله تعالى : { ويعلمك من تأويل الأحاديث } [ يوسف : 6 ] في هذه السورة .

و{ فاطر السماوات والأرض } نداء محذوف حرف ندائه . والفاطر : الخالق . وتقدم عند قوله تعالى : { قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض } في سورة الأنعام ( 14 ) .

والولي : الناصر ، وتقدم عند قوله تعالى : { قل أغير الله أتخذ ولياً } في سورة الأنعام .

وجملة { أنت وليي في الدنيا والآخرة } من قبيل الخبر في إنشاء الدعاء وإن أمكن حمله على الإخبار بالنسبة لولاية الدنيا ، قيل لإثباته ذلك الشيء لولاية الآخرة . فالمعنى : كن وليي في الدنيا والآخرة .

وأشار بقوله : { توفني مسلما } إلى النعمة العظمى وهي نعمة الدين الحق ، فإن طلب توفّيه على الدين الحق يقتضي أنه متصف بالدين الحق المعبر عنه بالإسلام من الآن ، فهو يسأل الدوام عليه إلى الوفاة .

والمسلم : الذي اتصف بالإسلام ، وهو الدين الكامل ، وهو ما تعبّدَ اللّهَ به الأنبياء والرسل عليهم السلام . وقد تقدم عند قوله تعالى : { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } في سورة آل عمران ( 102 ) .

والإلحاق : حقيقته جعل الشيء لاَ حقاً ، أي مُدركاً من سبقه في السّيْر . وأطلق هنا مجازاً على المَزيد في عداد قوم .

والصالحون : المتصفون بالصلاح ، وهو التزام الطاعة . وأراد بهم الأنبياء . فإن كان يوسف عليه السلام يومئذٍ نبيئاً فدعاؤهُ لطلب الدوام على ذلك ، وإن كان نُبّىء فيما بعد فهو دعاء لحصوله ، وقد صار نبيئاً بعد ورسولاً .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّـٰلِحِينَ} (101)

قوله تعالى : " رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث " قال قتادة : لم يتمن الموت أحد ، نبي ولا غيره إلا يوسف عليه السلام ، حين تكاملت عليه النعم وجمع له الشمل اشتاق إلى لقاء ربه عز وجل . وقيل : إن يوسف لم يتمن الموت ، وإنما تمنى الوفاة على الإسلام ، أي إذا جاء أجلي توفني مسلما ، وهذا قول الجمهور . وقال سهل بن عبدالله التستري : لا يتمنى الموت إلا ثلاث : رجل جاهل بما بعد الموت ، أو رجل يفر من أقدار الله تعالى عليه ، أو مشتاق محب للقاء الله عز وجل . وثبت في الصحيح عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لا بد متمنيا فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ) رواه مسلم . وفيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يتمنين أحدكم الموت ولا يدع{[9290]} به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا ) . وإذا ثبت هذا فكيف يقال : إن يوسف عليه السلام تمنى الموت والخروج من الدنيا وقطع العمل ؟ هذا بعيد ! إلا أن يقال : إن ذلك كان جائزا في شرعه ، أما أنه يجوز تمني الموت والدعاء به عند ظهور الفتن وغلبتها ، وخوف ذهاب الدين ، على ما بيناه في كتاب " التذكرة " . " ومن " من قوله : " من الملك " للتبعيض ، وكذلك قوله : " وعلمتني من تأويل الأحاديث " لأن ملك مصر ما كان كل الملك ، وعلم التعبير ما كان كل العلوم . وقيل : " من " للجنس كقوله : " فاجتنبوا الرجس من الأوثان{[9291]} " [ الحج :30 ] وقيل : للتأكد . أي آتيتني الملك وعلمتني تأويل الأحاديث .

قوله تعالى : " فاطر السماوات والأرض " نصب على النعت للنداء ، وهو رب ، وهو نداء مضاف ، والتقدير : يا رب ! ويجوز أن يكون نداء ثانيا . والفاطر الخالق ، فهو سبحانه فاطر الموجودات ، أي خالقها ومبدئها ومنشئها ومخترعها على الإطلاق من غير شيء ، ولا مثال سبق ، وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة " مستوفى{[9292]} ، عند قوله : " بديع السماوات والأرض " [ البقرة : 117 ] وزدناه بيانا في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى . " أنت وليي " أي ناصري ومتولي أموري في الدنيا والآخرة . " توفني مسلما وألحقني بالصالحين " يريد آباءه الثلاثة ، إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فتوفاه الله - طاهرا طيبا صلى الله عليه وسلم - بمصر ، ودفن في النيل في صندوق من رخام ، وذلك أنه لما مات تشاح الناس عليه ، كل يحب أن يدفن في محلتهم ، لما يرجون من بركته ، واجتمعوا على ذلك حتى هموا بالقتال ، فرأوا أن يدفنوه في النيل من حيث مفرق الماء بمصر ، فيمر عليه الماء ، ثم يتفرق في جميع مصر ، فيكونوا فيه شرعا ففعلوا ، فلما خرج موسى ببني إسرائيل أخرجه من النيل : ونقل تابوته بعد أربعمائة سنة إلى بيت المقدس ، فدفنوه مع آبائه لدعوته : " وألحقني بالصالحين " وكان عمره مائة عام وسبعة أعوام . وعن الحسن قال : ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة ، وكان في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة ، ثم جمع له شمله فعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنه ؛ وكان له من الولد إفراثيم ، ومنشا ، ورحمة ، زوجة أيوب ، في قول ابن لهيعة . قال الزهري : وولد لإفراثيم - بن يوسف - نون بن إفراثيم ، وولد لنون يوشع ، فهو يوشع بن نون ، وهو فتى موسى الذي كان معه صاحب أمره ، ونبأه الله في زمن موسى عليه السلام ، فكان بعده نبيا ، وهو الذي افتتح أريحا ، وقتل من كان بها من الجبابرة ، واستوقفت له الشمس حسب ما تقدم في " المائدة " {[9293]} . وولد لمنشا بن يوسف موسى بن منشا ، قبل موسى بن عمران . وأهل التوراة يزعمون أنه هو الذي طلب العالم ليتعلم منه حتى أدركه ، والعالم هو الذي خرق السفينة ، وقتل الغلام ، وبنى الجدار ، وموسى بن منشا معه حتى بلغه معه حيث بلغ ، وكان ابن عباس ينكر ذلك ، والحق الذي قاله ابن عباس ، وكذلك في القرآن . ثم كان بين يوسف وموسى أمم وقرون ، وكان فيما بينهما شعيب ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .


[9290]:قيل: وجه صحة عطفه على النفي من حيث إنه بمعنى النهي. وقال ابن حجر: فيه إيماء إلى أن الأول نهي على بابه، ويكون قد جمع بين لغتي حذف حرف العلة وإثباته.
[9291]:راجع ج 12 ص 54.
[9292]:راجع ج 2 ص 86 فما بعد.
[9293]:راجع ج 6 ص 130 فما بعد.