فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{۞رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّـٰلِحِينَ} (101)

ولما أتم الله نعمته على يوسف عليه السلام بما خلصه من المحن العظيمة وبما خوله من الملك وعلمه من العلم ، تاقت نفسه إلى الخير الأخروي الدائم الذي لا ينقطع فقال { رب قد آتيتني من الملك } من للتبعيض أي بعض الملك لأنه لم يؤت كل الملك إنما أوتي ملكا خاصا وهو ملك مصر في زمن خاص ، وقيل زائدة وقيل لبيان الجنس ، والملك عبارة عن الاتساع في الشيء المقدور لمن له السياسة والتدبير ولم يملك جميع أقطار الأرض إلا أربعة : اثنان مسلمان اسكندر وسليمان ، واثنان كافران بختنصر وشداد ابن عاد .

قلت وسيملك خامس وهو عيسى ابن مريم حين ينزل من السماء إلى الأرض كما وردت به الأحاديث الصحيحة .

{ وعلمتني من تأويل الأحاديث } أي بعضها لأنه لم يعط جميع علم التأويل سواء أريد به مطلق العلم والفهم أو مجرد تأويل الرؤيا ، وقيل من للجنس كما في قوله فاجتنبوا الرجس من الأوثان وقيل زائدة كما تقدم .

{ فاطر السماوات والأرض } أي يا فاطرهما أو منتصب بإضمار أعني أو على أنه صفة لرب أو بدل أو بيان والفاطر الخالق والمنشئ والمخترع والمبدع { أنت وليي } أي ناصري ومتولي أموري { في الدنيا والآخرة } تتولاني فيهما .

{ توفني مسلما } أي على الإسلام لا يفارقني حتى أموت ، قيل إنه دعا بذلك مع علمه بأن كل نبي لا يموت إلا مسلما إظهارا للعبودية والافتقار وشدة الرغبة في طلب سعادة الخاتمة وتعليما لغيره ، وهذه حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر والمطلوب هاهنا هو الإسلام بهذا المعنى قاله الرازي والخطيب والكرخي .

قال ابن عباس : ما سأل نبي الوفاة غير يوسف عليه السلام اشتاق إلى لقاء الله وأحب أن يلحق به وبآبائه فدعا الله أن يتوفاه { و } قال { ألحقني بالصالحين } من النبيين من آبائي وغيرهم فأظفر بثوابهم منك ودرجاتهم عندك قال الضحاك : يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ، وقال عكرمة : يعني أهل الجنة .

قيل إنه لما دعا بهذا الدعاء توفاه الله عز وجل ولم يأت عليه أسبوع بعد هذا الدعاء قيل كان عمره عند أن ألقي في الجب سبع عشرة سنة وكان في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة إلى قدوم أبيه يعقوب ثم عاش بعد اجتماع شملهم حتى كمل عمره المقدار الذي سيأتي وتوفاه الله .

وليس في اللفظ ما يدل أنه طلب الوفاة في الحال ولهذا ذهب الجمهور إلى أنه لم يتمن الموت بهذا الدعاء في الحال وإنما دعا ربه أن يتوفاه على دين الإسلام ويلحقه بالصالحين من عباده عند حضور أجله .

وقد عاش بعد ذلك سنين كثيرة وولد له من امرأة العزيز ثلاثة أولاد إفراثيم وميشا ورحمة امرأة أيوب ، ولما مات دفنوه في أعلى النيل في صندوق من رخام وقيل من حجارة المرمر لتعم البركة جانبيه ، فسبحان من لا انقضاء لملكه ، فبقي أربعمائة سنة إلى أن أخرجه موسى وحمله معه حتى دفنه بقرب آبائه بالشام في الأرض المقدسة فهو الآن هناك .