التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (41)

عطف على جملة { وإما نرينك بعض الذي نعدهم } [ الرعد : 40 ] المتعلقة بجملة { لكل أجل كتاب } . عقبت بهذه الجملة لإنذار المكذبين بأن ملامح نصر النبي صلى الله عليه وسلم قد لاحت وتباشير ظَفَره قد طلعت ليتدبروا في أمرهم ، فكان تعقيب المعطوف عليها بهذه الجملة للاحتراس من أن يتوهموا أن العقاب بطيء وغيرُ واقع بهم . وهي أيضاً بشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله مظهر نصره في حياته وقد جاءت أشراطه ، فهي أيضاً احتراس من أن ييأس النبي صلى الله عليه وسلم من رؤية نصره مع علمه بأن الله متم نوره بهذا الدّين .

والاستفهام في { أولم يروا أنا } إنكاري ، والضمير عائد إلى المكذبين العائد إليهم ضمير { نعدهم } . والكلام تهديد لهم بإيقاظهم إلى ما دب إليهم من أشباح الاضمحلال بإنقاص الأرض ، أي سكانها .

والرؤية يجوز أن تكون بصرية . والمراد : رؤية آثار ذلك النقص ؛ ويجوز أن تكون علمية ، أي ألم يعملوا ما حل بأرضي الأمم السابقة من نقص .

وتعريف { الأرض } تعريف الجنس ، أي نأتي أية أرض من أرضي الأمم . وأطلقت الأرض هنا على أهلها مجازاً ، كما في قوله تعالى : { واسأل القرية } [ سورة يوسف : 82 ] بقرينة تعلق النقص بها ، لأن النقص لا يكون في ذات الأرض ولا يرى نقص فيها ولكنه يقع فيمن عليها . وهذا من باب قوله تعالى : { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها } [ سورة محمد : 10 ] .

وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد ب{ الأرض } أرض الكافرين من قريش فيكون التعريف للعهد ، وتكون الرؤية بصرية ، ويكون ذلك إيقاظاً لهم لما غلب عليه المسلمون من أرض العدوّ فخرجت من سلطانه فتنقص الأرض التي كانت في تصرفهم وتزيد الأرض الخاضعة لأهل الإسلام . وبنوا على ذلك أن هذه الآية نزلت بالمدينة وهو الذي حمل فريقاً على القول بأن سورة الرعد مدنية فإذا اعتبرت مدنية صح أن تفسر الأطراف بطرفين وهما مكة والمدينة فإنهما طرفا بلاد العرب ، فمكة طرفها من جهة اليَمن ، والمدينة طرف البلاد من جهة الشام ، ولم يزل عدد الكفار في البلدين في انتقاص بإسلام كفارها إلى أن تمحضت المدينة للإسلام ثم تمحضت مكة له بعد يوم الفتح .

وأيّاً ما كان تفسير الآية وسبب نزولها ومكانه فهي للإنذار بأنهم صائرون إلى زوال وأنهم مغلوبون زائلون ، كقوله في الآية الأخرى في سورة الأنبياء : { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون } [ سورة الأنبياء : 51 ] ، أي ما هم الغالبون . وهذا إمهال لهم وإعذار لعلهم يتداركون أمرهم .

وجملة { والله يحكم لا معقب لحكمه } [ سورة الرعد : 41 ] عطف على جملة { أولم يروا أنا } مؤكدة للمقصود منها ، وهو الاستدلال على أن تأخير الوعيد لا يدل على بطلانه ، فاستدل على ذلك بجملة { وإما نرينك بعض الذي نعدهم } ثم بجملة { أولم يروا أنا نأتي الأرض } ثم بجملة { والله يحكم } ، لأن المعنى : أن ما حكم الله به من العقاب لا يبطله أحد وأنه واقع ولو تأخر .

ولذلك فجملة { لا معقب لحكمه } في موضع الحال ، وهي المقيدة للفعل المراد إذ هي مصب الكلام إذ ليس الغرض الإعلام بأن الله يحكم إذ لا يكاد يخفى ، وإنما الغرض التنبيه إلى أنه لا معقب لحكمه . وأفاد نفي جنس المعقب انتفاء كل ما من شأنه أن يكون معقباً من شريك أو شفيع أو داع أو راغب أو مستعصم أو مفتد .

والمعقب : الذي يعقب عملاً فيبطله ، مشتق من العَقِب ، وهو استعارة غلبت حتى صارت حقيقة . وتقدم عند قوله تعالى : { له معقبات } [ سورة الرعد : 11 ] في هذه السورة ، كأنه يجيء عقب الذي كان عمل العمل .

وإظهار اسم الجلالة بعد الإضمار الذي في قوله : أنا نأتي الأرض } لتربية المهابة ، وللتذكير بما يحتوي عليه الاسم العظيم من معنى الإلهية والوحدانية المقتضية عدم المنازع ، وأيضاً لتكون الجملة مستقلة بنفسها لأنها بمنزلة الحكمة والمثل .

وجملة { وهو سريع الحساب } يجوز أن تكون عطفاً على جملة { والله يحكم } فتكون دليلاً رابعاً على أن وعده واقع وأن تأخره وإن طال فما هو إلا سريع باعتبار تحقق وقوعه ؛ ويجوز أن يكون عطفاً على جملة الحال . والمعنى : يحكم غير منقوص حكمه وسريعاً حسابه . ومآل التقديرين واحد .

والحساب : كناية عن الجزاء والسرعة : العجلة ، وهي في كل شيء بحسبه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (41)

قوله تعالى : " أولم يروا " يعني ، أهل مكة ، " أنا نأتي الأرض " أي نقصدها . " ننقصها من أطرافها " اختلف فيه ، فقال ابن عباس ومجاهد : " ننقصها من أطرافها " موت علمائها وصلحائها . قال القشيري : وعلى هذا فالأطراف الأشراف ، وقد قال ابن الأعرابي : الطَّرَف والطَّرْف الرجل الكريم ، ولكن هذا القول بعيد ؛ لأن مقصود الآية : أنا أريناهم النقصان في أمورهم ، ليعلموا أن تأخير العقاب عنهم ليس عن عجز ، إلا أن يحمل قول ابن عباس على موت أحبار اليهود والنصارى . وقال مجاهد أيضا وقتادة والحسن : هو ما يغلب عليه المسلمون مما في أيدي المشركين ، وروي ذلك عن ابن عباس ، وعنه أيضا هو خراب الأرض حتى يكون العمران في ناحية منها ، وعن مجاهد : نقصانها خرابها وموت أهلها . وذكر وكيع بن الجراح عن طلحة بن عمير عن عطاء بن أبي رباح في قول الله تعالى : " أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها " قال : ذهاب فقهائها وخيار أهلها . قال أبو عمر بن عبد البر : قول عطاء في تأويل الآية حسن جدا ، تلقاه أهل العلم بالقبول .

قلت : وحكاه المهدوي عن مجاهد وابن عمر ، وهذا نص القول الأول نفسه ، روى سفيان عن منصور عن مجاهد ، " ننقصها من أطرفها " قال : موت الفقهاء والعلماء ، ومعروف في اللغة أن الطَّرف الكريم من كل شيء ، وهذا خلاف ما ارتضاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم من قول ابن عباس . وقال عكرمة والشعبي : هو النقصان وقبض الأنفس . قال أحدهما : ولو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك{[9436]} . وقال الآخر : لضاق عليك حش تتبرز فيه . قيل : المراد به هلاك من هلك من الأمم قبل قريش وهلاك أرضهم بعدهم ، والمعنى : أو لم تر قريش هلاك من قبلهم ، وخراب أرضهم بعدهم ؟ ! أفلا يخافون أن يحل بهم مثل ذلك ، وروي ذلك أيضا عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج . وعن ابن عباس أيضا أنه بركات الأرض وثمارها وأهلها . وقيل : نقصها{[9437]} بجور ولاتها .

قلت : وهذا صحيح معنى ، فإن الجور والظلم يخرب البلاد ، بقتل أهلها وانجلائهم عنها ، وترفع من الأرض البركة ، والله أعلم .

قوله تعالى : " والله يحكم لا معقب لحكمه " أي ليس يتعقب حكمه أحد بنقص ولا تغير . " وهو سريع الحساب " أي الانتقام من الكافرين ، سريع الثواب للمؤمن . وقيل : لا يحتاج . في حسابه إلى روية قلب ، ولا عقد بنان ، حسب ما تقدم في " البقرة{[9438]} " بيانه .


[9436]:الحش: موضع قضاء الحاجة.
[9437]:من ي.
[9438]:راجع ج 2 ص 434 فما بعد.