موقع هاته الآية عقب سابقتها موقع الحجة من الدعوى ، ذلك أن الله تعالى أعلن أن الإله إله واحد لا إله غيره وهي قضية من شأنها أن تُتلقى بالإنكار من كثير من الناس فناسب إقامة الحجة لمن لا يقتنع فجاء بهذه الدلائل الواضحة التي لا يسع الناظر إلاّ التسليم إليها .
فإن هنا لمجرد الاهتمام بالخبر لِلَفْت الأنظار إليه ، ويحتمل أنهم نُزلوا منزلة من ينكر أن يكون في ذلك آيات ( لقوم يعقلون ) لأنهم لم يجروا على ما تدل عليه تلك الآيات .
وليست { إن } هنا بمؤذنة بتعليل للجملة التي قبلها لأن شرط ذلك أن يكون مضمون الجملة التي بعدها صالحاً لتعليل مضمون التي قبلها بحيث يكون الموقع لفاء العطف فحينئذٍ يغني وقوع ( إن ) عن الإتيان بفاء العطف كما ذكره الشيخ عبد القاهر في « دلائل الإعجاز » وقد بسطنا فيه عند قوله تعالى : { اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم } [ البقرة : 61 ] .
والمقصود من هاته الآية إثبات دلائل وجود الله تعالى ووحدانيته ولذلك ذكرت إثر ذكر الوحدانية لأنها إذا أثبتت بها الوحدانية ثبت الوجود بالضرورة . فالآية صالحة للرد على كفار قريش دُهريهم ومشركهم والمشركون هم المقصود ابتداء ، وقد قرر الله في هاته الآية دلائل كلها واضحة من أصناف المخلوقات وهي مع وضوحها تشتمل على أسرار يتفاوت الناس في دركها حتى يتناول كل صنف من العقلاء مقدار الأدلة منها على قدر قرائحهم وعلومهم .
والخلق هنا بمعنى المصدر واختير هنا لأنه جامع لكل ما فيه عبرة من مخلوقات السماوات والأرض ، وللعبرة أيضاً في نفس الهيئة الاجتماعية من تكوين السماوات والأرض والنظام الجامع بينها فكما كل مخلوق منها أو فيها هو آية وعبرة فكذلك مجموع خلقها ، ولعل الآية تشير إلى ما يعبر عنه في علم الهيئة بالنظام الشمسي وهو النظام المنضبط في أحوال الأرض مع الكواكب السيارة المعبر عنها بالسماوات .
و { السموات } جمع سماء والسماء إذا أطلقت مفردة فالمراد بها الجو المرتفع فوقنا الذي يبدو كأنه قبة زرقاء وهو الفضاء العظيم الذي تسبح فيه الكواكب وذلك المراد في نحو قوله تعالى : { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح } [ الملك : 5 ] ، { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب } [ الصافات : 6 ] ، { وأنزل من السماء ماء } [ البقرة : 22 ] . وإذا جمعت فالمراد بها أجرام عظيمة ذات نظام خاص مثل الأرض وهي السيارات العظيمة المعروفة والتي عرفت من بعد والتي ستعرف : عطارد والزهرة والمريخ والشمس والمشتري وزحل وأرانوس ونبتون . ولعلها هي السموات السبع والعرش العظيم ، وهذا السر في جمع ( السموات ) هنا وإفراد ( الأرض ) لأن الأرض عالم واحد وأما جمعها في بعض الآيات فهو على معنى طبقاتها أو أقسام سطحها .
والمعنى إن في خلق مجموع السموات مع الأرض آيات ، فلذلك أفرد الخلق وجعلت الأرض معطوفاً على السموات ليتسلط المضاف عليهما .
والآية في هذا الخلق { لقوم يعقلون } آية عظيمة لمن عرف أسرار هذا النظام وقواعد الجاذبية التي أودعها الله تعالى في سير مجموع هاته السيارات على وجه لا يعتريه خلل ولا خرق { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون } [ يس : 40 ] ، وأعظم تلك الأسرار تكوينها على هيئة كرية قال الفخر كان عمر بن الحسام يقرأ « كتاب المجسطي » على عمر الأبهري فقال لهما بعض الفقهاء يوماً ما الذي تقرءونه فقال الأبهري أفسِّر قوله تعالى : { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها } [ ق : 6 ] فأنا أفسر كيفية بنائها ولقد صدق الأبهري فيما قال فإن كل من كان أكثر توغلاً في بحار المخلوقات كان أكثر علماً بجلال الله تعالى وعظمته اهـ .
قلت ومن بديع هذا الخلق أن جعله الله تعالى يمد بعضه بعضاً بما يحتاجه كلٌّ فلا ينقص من الممدِّ شيء ، لأنه يُمده غيرهُ يما يُخلف له ما نقص ، وهكذا نجد الموجودات متفاعلة ، فالبحر يمد الجو بالرطوبة فتكون منه المياه النازلة ثم هو لا ينقص مع طول الآباد لأنه يمده كل نهر وواد .
وهي آية لمن كان في العقل دون هاته المرتبة فأدرك من مجموع هذا الخلق مشهداً بديعاً في طلوع الشمس وغروبها وظهور الكواكب في الجو وغروبها .
وأما الاعتبار بما فيها من المخلوقات وما يحف بها من الموجودات كالنجوم الثوابت والشهب وما في الأرض من جبال وبحار وأنهار وحيوان فذلك من تفاريع تلك الهيئة الاجتماعية .
وقوله : { واختلاف الليل والنهار } تذكير بآية أخرى عظيمة لا تخفى على أحد من العقلاء وهي اختلاف الليل والنهار أعني اختلاف حالتي الأرض في ضياء وظلمة ، وما في الضياء من الفوائد للناس وما في الظلمة من الفوائد لهم لحصول سكونهم واسترجاع قواهم المنهوكة بالعمل .
وفي ذلك آية لخاصة العقلاء إذ يعلمون أسباب اختلاف الليل والنهار على الأرض وأنه من آثار دوران الأرض حول الشمس في كل يوم ولهذا جعلت الآية في اختلافهما وذلك يقتضي أن كلاً منهما آية .
والاختلاف افتعال من الخلف وهو أن يجيىء شيء عوضاً عن شيء آخر يخلفه في مكانه والخلفة بكسر الخاء الخلف قال زهير :
« بها العين والآرام يمشين خلفة » . . . وقد أضيف الاختلاف لكل من الليل والنهار لأن كل واحد منهما يخلف الآخر فتحصل منه فوائد تعاكس فوائد الآخر بحيث لو دام أحدهما لانقلب النفع ضرراً { قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة مَنْ إله غير اللَّه يأتيكم بضياء أفلا تسمعون ، قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة مَنْ إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تُبْصرون } [ القصص : 71 ، 72 ] .
وللاختلاف معنى آخر هو مراد أيضاً وهو تفاوتهما في الطول والقصر فمرة يعتدلان ومرة يزيد أحدهما على الآخر وذلك بحسب أزمنة الفصول وبحسب أمكنة الأرض في أطوال البلاد وأعراضها كما هو مقرر في علم الهيئة ، وهذا أيضاً من مواضع العبرة لأنه آثار الصنع البديع في شكل الأرض ومساحتها للشمس قرباً وبعداً . ففي اختيار التعبير بالاختلاف هنا سر بديع لتكون العبارة صالحة للعبرتين .
والليل اسم لعرض الظلمة والسواد الذي يعم مقدار نصف من كرة الأرض الذي يكون غير مقابل للشمس فإذا حجب قرص الشمس عن مقدار نصف الكرة الأرضية بسبب التقابل الكروي تقلص شعاع الشمس عن ذلك المقدار من الكرة الأرضية فأخذ النور في الضعف وعادت إليه الظلمة الأصلية التي ما أزالها إلاّ شعاع الشمس ويكون تقلص النور مدرجاً من وقت مغيب قرص الشمس عن مقابلة الأفق ابتداء من وقت الغروب ثم وقت الشفق الأحمر ثم الشفق الأبيض إلى أن يحلك السواد في وقت العشاء حين بعد قرص الشمس عن الأفق الذي ابتدأ منه المغيب ، وكلما اقترب قرص الشمس من الأفق الآخر أكسبه ضياء من شعاعها ابتداء من وقت الفجر إلى الإسفار إلى الشروق إلى الضحى ، حيث يتم نور أشعة الشمس المتجهة إلى نصف الكرة تدريجاً . وذلك الضياء هو المسمى بالنهار وهو النور التام المنتظم على سطح الكرة الأرضية وإن كان قد يستنير سطح الكرة بالقمر في معظم لياليه استنارة غير تامة ، وبضوء بعض النجوم استنارة ضعيفة لا تكاد تعتبر .
فهذا هو المراد باختلاف الليل والنهار أي تعاقبهما وخلف أحدهما الآخر ، ومن بلاغة علم القرآن أن سمى ذلك اختلافاً تسمية مناسبة لتعاقب الأعراض على الجوهر لأنه شيء غير ذاتي فإن ما بالذات لا يختلف فأومأ إلى أن الليل والنهار ليسا ذاتين ولكنهما عرضان خلاف معتقد الأمم الجاهلة أن الليل جسم أسود كما صوره المصريون القدماء على بعض الهياكل وكما قال امرؤ القيس في الليل :
فقلتُ له لما تمطى بصُلبه *** وأردفَ أعجازاً ونَاءَ بكلكل
وقال تعالى في سورة الشمس : { والنهار إذا جلاها ، والليل إذا يغشاها } [ الشمس : 3 4 ] .
وقوله : { والفلك } عطف على { خلق } و { اختلاف } فهو معمول لفي أي وفي الفلك ، ووصفها بالتي تجري الموصول لتعليل العطف أي إن عطفها على خلق السماوات والأرض في كونها آية من حيث إنها تجري في البحر ، وفي كونها نعمة من حيث إنها تجري بما ينفع الناس ، فأما جريها في البحر فهو يتضمن آيتين ، إحداهما آية خلق البحر الذي تجري فيه الفلك خلقاً عجيباً عظيماً إذ كان ماء غامراً لأكثر الكرة الأرضية وما فيه من مخلوقات وما ركب في مائه من الأملاح والعقاقير الكيمياوية ليكون غير متعفن بل بالعكس يخرج للهواء أجزاء نافعة للأحياء على الأرض ، والثانية آية سير السفن فيه وهو ماء من شأنه أن يتعذر المشي عليه فجري السفن آية من آيات إلهام الله تعالى الإنسان للتفطن لهذا التسخير العجيب الذي استطاع به أن يسلك البحر كما يمشي في الأرض ، وصنع الفلك من أقدم مخترعات البشر ألهمه الله تعالى نوحاً عليه السلام في أقدم عصور البشر .
ثم إن الله تعالى سخر للفلك الرياح الدورية وهي رياح تهب في الصباح إلى جهة وفي المساء إلى جهة في السواحل تنشأ عن إحياء أشعة الشمس في رابعة النهار الهواء الذي في البر حتى يخف الهواء فيأتي هواء من جهة البحر ليخلف ذلك الهواء البري الذي تصاعد فتحدث ريح رخاء من جهة البحر ويقع عكس ذلك بعد الغروب فتأتي ريح من جهة البر إلى البحر ، وهذه الريح ينتفع بها الصيادون والتجار وهي تكون أكثر انتظاماً في مواقع منها في مواقع أخرى .
وسخر للفلك رياحاً موسمية وهي تهب إلى جهة واحدة في أشهر من السنة وإلى عكسها في أشهر أخرى تحدث من اتجاه حرارة أشعة الشمس على الأماكن الواقعة بين مدار السرطان ومدار الجدي ، من الكرة الأرضية عند انتقال الشمس من خط الاستواء إلى جهة مدار السرطان وإلى جهة مدار الجدي ، فتحدث هاته الريح مرتين في السنة وهي كثيرة في شطوط اليمن وحضرموت والبحر الهندي وتسمى الريح التجارية .
وأما كونها نعمة فلأن في هذا التسخير نفعاً للتجارة والزيارة والغزو وغير ذلك ولذلك قال بما ينفع الناس لقصد التعميم مع الاختصار .
والفلك هنا جمع لا محالة لأن العبرة في كثرتها ، وهو ومفرده سواء في الوزن فالتكسير فيه اعتباري وذلك أن أصل مفرده فلك بضمتين كعنق وكسر على فلك مثل عرب وعجم وأسد وخفف المفرد بتسكين عينه لأن ساكن العين في مضموم الفاء فرع مضموم العين ما قصد منه التخفيف على ما بينه الرضي فاستوى في اللفظ المفرد والجمع ، وقيل المفرد بفتح الفاء وسكون اللام والجمع بضم الفاء وضم اللام قيل أسد وأسد وخَشَب وخُشَبُ ثم سكنت اللام تخفيفاً ، والاستعمال الفصيح في المفرد والجمع ضم الفاء وسكون اللام قال تعالى : { واصنع الفلك } [ هود : 37 ] . و { الفلك المشحون } [ الشعراء : 119 ] وقال { والفلك التي تجري في البحر } وقال { والفلك تجري في البحر بأمره } [ إبراهيم : 32 ] ، { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين } [ يونس : 22 ] ، ثم إن أصل مفرده التذكير قال تعالى : { والفلك المشحون } ويجوز تأنيثه على تأويله بمعنى السفينة قال تعالى : { وقال اركبوا فيها } [ هود : 41 ] { وهي تجري بهم } [ هود : 42 ] كل ذلك بعد قوله : { ويصنع الفلك } [ هود : 38 ] .
وكأن هذا هو الذي اعتمده ابن الحاجب إذ عد لفظ الفلك مما أنث بدون تاء ولا ألف فقال في قصيدته « والفلك تجري وهي في القرآن » لأن العبرة باستعماله مؤنثاً وإن كان تأنيثه بتأويل ، وقد قيل إنه يجوز في مفرده فقط ضم اللام مع ضم الفاء وقرىء به شاذاً والقول به ضعيف ، وقال الكواشي هو بضم اللام أيضاً للمفرد والجمع وهو مردود إذ لم ينص عليه أهل اللغة ولا داعي إليه وكأنه قاله بالقياس على الساكن .
وفي امتنان الله تعالى بجريان الفلك في البحر دليل على جواز ركوب البحر من غير ضرورة مثل ركوبه للغزو والحج والتجارة ، وقد أخرج مالك في « الموطأ » وتبعه أهل « الصحيح » حديث أم حرام بنت مِلحان في باب الترغيب في الجهاد الثاني من « الموطأ » عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه وكانت تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم . . فنام يوماً ثم استيقظ وهو يضحك قالت فقلت ما يضحكك قال ناس من أمتي عرضوا عليَّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرة قالت فقلت ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها » الحديث . وفي حديث أبي هريرة " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء " الحديث .
وعليه فما روي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى عمرو بن العاص أن لا يحمل جيش المسلمين في البحر مؤول على الاحتياط وترك التغرير وأنا أحسبه قد قصد منه خشية تأخر نجدات المسلمين في غزواتهم لأن السفن قد يتأخر وصولها إذا لم تساعفها الرياح التي تجري بما لا تشتهي السفن ولأن ركوب العدد الكثير في سفن ذلك العصر مظنة وقوع الغرق ، ولأن عدد المسلمين يومئذٍ قليل بالنسبة للعدو فلا ينبغي تعريضه للخطر فذلك من النظر في المصلحة العامة في أحوال معينة فلا يحتج به في أحكام خاصة للناس . ولما مات عمر استأذن معاوية عثمان فأذن له في ركوبه فركبه لغزو ( قبرص ) ثم لغزو القسطنطينية وفي غزوة ( قبرص ) ظهر تأويل رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أم حرام ، وقد قيل إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة نهى عن ركوبه ثم ركبه الناس بعده .
وروي عن مالك كراهة سفر المرأة في البحر للحج والجهاد ، قال ابن عبد البر وحديث أم حرام يرد هذه الرواية ولكن تأولها أصحابه بأنه كره ذلك لخشية اطّلاعهن على عورات الرجال لعسر الاحتراز من ذلك فخصه أصحابه بسفن أهل الحجاز لصغرها وضيقها وتزاحم الناس فيها مع كون الطريق من المدينة إلى مكة من البر ممكناً سهلاً وأما السفن الكبار كسفن أهل البصرة التي يمكن فيها الاستتار وقلة التزاحم فليس بالسفر فيها للمرأة بأس عند مالك .
{ وما أنزل الله من السماء من ماء } معطوف على الأسماء التي قبله جيء به اسم موصول ليأتي عطف صلة على صلة فتبقى الجملة بمقصد العبرة والنعمة ، فالصلة الأولى وهي { أنزل الله من السماء من ماء } تذكير بالعبرة لأن في الصلة من استحضار الحالة ما ليس في نحو كلمة المطر والغيث ، وإسناد الإنزال إلى الله لأنه الذي أوجد أسباب نزول الماء بتكوينه الأشياء عند خلق هذا العالم على نظام محكم .
والسماء المفرد هو الجو والهواء المحيط بالأرض كما تقدم آنفاً ، وهو الذي يشاهده جميع السامعين .
ووجه العبرة فيه أن شأن الماء الذي يسقي الأرض أن ينبع منها فجعل الماء نازلاً عليها من ضدها وهو السماء عبرة عجيبة .
وفي الآية عبرة علمية لمن يجيء من أهل العلم الطبيعي وذلك أن جعل الماء نازلاً من السماء يشير إلى أن بخار الماء يصير ماء في الكرة الهوائية عند ما يلامس الطبقة الزمهريرية وهذه الطبقة تصير زمهريراً عندما تقل حرارة أشعة الشمس ، ولعل في بعض الأجرام العلوية وخاصة القمر أهوية باردة يحصل بها الزمهرير في ارتفاع الجو فيكون لها أثر في تكوين البرودة في أعلى الجو فأسند إليها بإنزال الماء مجازاً عقلياً وربما يستروح لهذا بحديث مروي وهو أن المطر ينزل من بحر تحت العرش أي إن عنصر المائية يتكون هنالك ويصل بالمجاورة حتى يبلغ إلى جونا قليل منه فإذا صادفته الأرض تكون من ازدواجهما الماء وقد قال تعالى : { وينزل من السماء من جبال فيها من برد } [ النور : 43 ] ، ولعلها جبال كرة القمر وقد ثبت في الهيئة أن نهار القمر يكون خمسة عشر يوماً ، وليله كذلك ، فيحصل فيه تغيير عظيم من شدة الحر إلى شدة البرد فإذا كانت مدة شدة البرد هي مدة استقباله الأرض أحدث في جو الأرض عنصر البرودة .
وقوله : { فأحيا به الأرض } معطوف على الصلة بالفاء لسرعة حياة الأرض إثر نزول الماء وكلا الأمرين الفعل والفاء موضع عبرة وموضع منة . وأطلقت الحياة على تحرك القوى النامية من الأرض وهي قوة النبات استعارة لأن الحياة حقيقة هي ظهور القوى النامية في الحيوان فشبهت الأرض به . وإذا جعلنا الحياة حقيقة في ظهور قوى النماء وجعلنا النبات يوصف بالحياة حقيقة وبالموت فقوله : { فأحيا به الأرض } مجاز عقلي والمراد إحياء ما تراد له الأرض وهو النبات .
وفي الجمع بين السماء والأرض وبين أحيا وموت طباقان .
وقوله : { وبث فيها من كل دابة } عطف إما على { أنزل } فيكون صلة ثانية وباعتبار ما عطف قبله على الصلة صلة ثالثة ، وإما عطف على { أحيا } فيكون معطوفاً ثانياً على الصلة ، وأيّاً ما كان فهو آية ومنة مستقلة ، فإن جعلته عطفاً على الصلة فمن في قوله : { من كل دابة } بيانية وهي في موضع الحال ظرف مستقر ، وإن جعلته عطفاً على المعطوف على الصلة وهو { أحيا } فمن في قوله : { من كل دابة } تبعيضية وهي ظرف لغو ، أي أكثر فيها عدداً من كل نوع من أنواع الدواب بمعنى أن كل نوع من أنواع الدواب ينبث بعض كثير من كل أنواعه ، فالتنكير في دابة للتنويع أي أكثر الله من كل الأنواع لا يختص ذلك بنوع دون آخر .
والبث في الأصل نشر ما كان خفياً ومنه بث الشكوى وبث السر أي أظهره . قالت الأعرابية « لقد أبثثتك مكتومي وأطعمتك مأدومي » وفي حديث أم زرع قالت السادسة " ولا يولج الكف ليعلم البث " أي لا يبحث عن سر زوجته لتفشوه له ، فمثلت البحث بإدخال الكف لإخراج المخبوء ، ثم استعمل البث مجازاً في انتشار الشيء بعد أن كان كامناً كما في هاته الآية واستعمل أيضاً في مطلق الانتشار ، قال الحماسي :
وهلاّ أعَدُّوني لِمِثلي تفاقدوا *** وفي الأرض مثبوتٌ شجاعٌ وعقرب
وبث الدواب على وجه عطفه على فعل { أنزل } هو خلق أنواع الدواب على الأرض فعبر عنه بالبث لتصوير ذلك الخلق العجيب المتكاثر فالمعنى وخلق فبث فيها من كل دابة .
وعلى وجه عطف { وبث } على { فأحيا } فبث الدواب انتشارها في المراعي بعد أن كانت هازلة جاثمة وانتشار نسلها بالولادة وكل ذلك انتشار وبث وصفه لبيد بقوله :
رُزقت مرابيعَ النجوم وصَابَهَا *** وَدْق الرواعدِ جَوْدُها فرِهامُها
فعلا فروعُ الأيْهقان وأطفَلَـتْ *** بالجَلْهتينِ ظِباؤها ونعامهــا
والآية أوجز من بيتي لبيد وأوفر معنى فإن قوله تعالى : { وما أنزل الله من السماء من ماء } أوجز من البيت الأول ، وقوله : { فأحيا به الأرض بعد موتها } أوجز من قوله فعلا فروع الأيهقان وأعم وأبرع بما فيه من استعارة الحياة ، وقوله : { وبث فيها من كل دابة } أوجز من قوله وأطفلت البيت مع كونه أعم لعدم اقتصاره على الظباء والنعام .
والدابة ما دب على وجه الأرض وقد أذنت كلمة { كل } بأن المراد جميع الأنواع فانتفى احتمال أن يراد من الدابة خصوص ذوات الأربع .
وقد جمع قوله تعالى : { فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة } أصول علم التاريخ الطبيعي وهو المواليد الثلاثة المعدن والنبات والحيوان ، زيادة على ما في بقية الآية سابقاً ولاحقاً من الإشارات العلمية الراجعة لعلم الهيئة وعلم الطبيعة وعلم الجغرافيا الطبيعية وعلم حوادث الجو .
وقوله : { وتصريف الرياح } عطف على مدخول { في } وهو من آيات وجود الخالق وعظيم قدرته لأن هبوب الريح وركودها آية ، واختلاف مهابِّها آية ، فلولا الصانع الحكيم الذي أودع أسرار الكائنات لما هبت الريح أو لما ركدت ، ولما اختلفت مهابُّها بل دامت من جهة واحدة وهذا موضع العبرة ، ومن تصريف الرياح أيضاً موضع نعمة وهو أن هبوبها قد يحتاج إليه أهل موضع للتنفيس من الحرارة أو لجلب الأسحبة أو لطرد حشراتٍ كالجراد ونحوه أو لجلب منافع مثل الطير .
وقد يحتاج أهل مكان إلى اختلاف مهابها لتجيء ريح باردة بعد ريح حارة أو ريح رطبة بعد ريح يابسة ، أو لتهب إلى جهة الساحل فيرجعَ أهل السفن من الأسفار أو من الصيد ، فكل هذا موضع نعمة ، وهذا هو المشاهد للناس كلهم ، ولأهل العلم في ذلك أيضاً موضع عبرة أعجب وموضع نعمة ، وذلك أن سبب تصريف الرياح أن الله أحاط الكرة الأرضية بهواء خلقه معها ، به يتنفس الحيوان وهو محيط بجميع الكرة بَحْرِها وبرها متصل بسطحها ويشغل من فوق سطحها ارتفاعاً لا يعيش الحيوان لو صعد إلى أعلاه ، وقد خلقه الله تعالى مؤلفاً من غازين هما ( النيتروجين والأكسجين ) وفيه جزء آخر عارض فيه وهو جانب من البخار المائي المتصاعد له من تبخر البُحار ورطوبة الأرض بأشعة الشمس وهذا البخار هو غاز دقيق لا يشاهد ، وهذا الهواء قابل للحرارة والبرودة بسبب مجاورة حارَ أو بارد ، وحرارته تأتي من أشعة الشمس ومن صعود حرارة الأرض حين تسخنها الشمس وبرودته تجيء من قلة حرارة الشمس ومن برودة الثلوج الصاعدة من الأرض ومن الزمهرير الذي يتزايد بارتفاع الجو كما تقدم .
ولما كانت الحرارة من طبعها أن تُمَدِّد أجزاء الأشياء فتتلطف بذلك التمدد كما تقرر في الكيمياء ، والبرودة بالعكس ، كان هواء في جهة حارة كالصحراء وهواء في جهة باردة كالمنجمد وقع اختلاف بين الهواءين في الكثافة فصَعِد الخفيف وهو الحار إلى الأعلى وانحدر الكثيف إلى الأسفل وبصعود الخفيف يترك فراغاً يخلفه فيه الكثيف طلباً للموازنة فتحدث حركة تسمى ريحاً ، فإذا كانت الحركة خفيفة لقرب التفاوت بين الهواءين سميت الحركة نسيماً وإذا اشتدت الحركة وأسرعت فهي الزوبعة . فالريح جنس لهاته الحركة والنسيم والزوبعة والزعزع أنواع له .
ومن فوائد هاته الرياح الإعانة على تكوين السحاب ونقله من موضع إلى موضع وتنقية الكرة الهوائية مما يحل بها من الجراثيم المضرة ، وهذان الأمران موضع عبرة ونعمة لأهل العلم .
وقد اختير التعبير بلفظ التصريف هنا دون نحو لفظ التبديل أو الاختلاف لأنه اللفظ الذي يصلح معناه لحكاية ما في نفس الأمر من حال الرياح لأن التصريف تفعيل من الصرف للمبالغة وقد علمت أن منشأ الريح هو صرف بعض الهواء إلى مكان وصرف غيره إلى مكانه الذي كان فيه فيجوز أن تقدر : وتصريف الله تعالى الرياح ، وجعل التصريف للريح مع أن الريح تكوَّنت بذلك التصريف لأنها تحصل مع التصريف فهو من إطلاق الاسم على الحاصل في وقت الإطلاق كما في قوله تعالى : { ويلعنهم اللاعنون } [ البقرة : 159 ] وهو ضرب من مجاز الأوْل ، وأن تجعل التصريف بمعنى التغيير أي تبديل ريح من جهة إلى جهة فتبقى الحقيقة ويفوت الإعجاز العِلمي ويكون اختيار لفظ التصريف دون التغيير لأنه أخف .
وجُمع الرياح هنا لأن التصريف اقتضى العدد لأنها كلما تغير مهبها فقد صارت ريحاً غيرَ التي سبقت .
وقرأه الجمهور ( الرياح ) بالجمع وقرأه حمزة والكسائي ( الريح ) بالإفراد على إرادة الجنس ، واستفادة العموم من اسم الجنس المعرف سواء كان مفرداً أو جمعاً سَواءٌ ، وقد قيل إن الرياح بصيغة الجمع يكثر استعماله في ريح الخير وإن الريح بالإفراد يكثر استعماله في ريح الشر واعتضدوا في ذلك بما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا رأى الريح : « اللهم اجعلها رياحاً لا ريحاً » وهي تفرقة أغلبية وإلاّ فقد غير بالإفراد في موضع الجمع ، والعكس في قراءة كثير من القراء . والحديثُ لم يَصح ، وعلى القول بالتفرقة فأحسن ما يعلل به أن الريح النافعة للناس تجيء خفيفة وتتخلل موجاتها فجَوات فلا تحصل منها مضرة فباعتبار تخلل الفجوات لهبوبها جُمعت ، وأما الريح العاصف فإنه لا يترك للناس فجوة فلذلك جعل ريحاً واحدة وهذا مأخوذ من كلام القرطبي .
والرياح جمع ريح والريح بوزن فِعْل بكسر الفاء وعينها واو انقلبت ياء لأجل الكسرة بدليل قولهم في الجمع أرواح وأما قولهم في الجمع رياح فانقلاب الواو فيه ياء كانقلابها في المفرد لسبب الكسرة كما قالوا دِيمَة ودِيَمَ وحِيلة وحِيَل وهما من الواوي .
وقوله : { والسحاب المسخر } عطف على { وتصريف الرياح } أو على { الرياح } ويكون التقدير : وتصريف السحاب المسخر أي نقله من موضع إلى موضع . وهو عبرة ومنة أما العبرة ففي تكوينه بعد أن لم يكن وتسخيره وكونِه في الفضاء ، وأما المنة ففي جميع ذلك فتكوينه منة وتسخيره من موضع إلى موضع منة وكونه بين السماء والأرض منة لأنه ينزل منه المطر على الأرض من ارتفاع فيفيد اختراق الماء في الأرض ، ولأنه لو كان على سطح الأرض لاختنق الناس فهذا ما يبدو لكل أحد ، وفي ذلك أيضاً عبرة ومنة لأهل العلم فتكوينه عبرة لهم وذلك أنه يتكون من تصاعد أبْخرة البحار ورطوبة الأرض التي تبخِّرها أشعة الشمس ولذا لم يخْلُ الهواء من بُخار الماء كما قدمناه إلاّ أن بخار الماء شفاف غازي فإذا جاور سطحاً بارداً ثقل وتكاثف فصار ضباباً أو ندى أو سحاباً ، وإنما تكاثف لأن أجزاء البخار تجتمع فتقل قدرة الهواء على حمله ، ثم إذا تكامل اجتماعه نزل مطراً ، ولكون البخار الصاعد إلى الجو أكثر بخار البحر ؛ لأن البحر أكثر سطح الكرة الأرضية كانت السحب أكثر ما تتكون من جهة البحار ، وكانوا يظنون أن المطر كله من ماء البحر وأن خراطيم السحاب تتدلى إلى أمواج البحر فتمتص منه الماء ثم ينزل مطراً . قال أبو ذؤيب الهذلي :
سقى أم عمرو كلَّ آخر ليلة *** حناتمُ سودٌ ماؤهن ثجيـج
شربن بماء البحر ثم ترفعت *** متى لجُجٍ خُضرٍ لهن نئيج
وقال البديع الإصطرلابي{[169]} :
أهْدِي لمجلسك الشريف وإنما *** أهْدِي له ما حُزتُ من نعمائه
كالبحر يُمطره السحابُ ومالَه *** فضلٌ عليه لأنه من مائــه
فلولا الرياح تسخره من موضع إلى موضع لكان المطر لا ينزل إلاّ في البحار . وموضع المنة في هذا في تكوينه حتى يحمل الماء ليحيى الأرض ، وفي تسخيره لينتقل ، وفي كونه بين السماء والأرض فهو مسخر بين السماء والأرض حتى يتكامل ما في الجو من الماء فيثقل السحاب فينزل ماء إذا لم تبق في الهواء مقدرة على حمله قال تعالى : { وينشيء السحاب الثقال } [ الرعد : 12 ] وقوله تعالى : { لأيات لقوم يعقلون } أي دلائل وقد تقدم الكلام على الآية والآيات ، وجمع الآيات لأن في كل ما ذكر من خلق السماوات والأرض وما عطف عليه آيات .
فإن أريد الاستدلال بها على وجود الله تعالى فقد كانت دلائل واضحة وكان رداً على الدُّهريين من العرب وكان ذكرهم بعد الذين كفروا وماتوا وهم كفار المراد بهم المشركون تكميلاً لأهل النحل في العرب ، ويكون قوله بعد ذلك : { ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً } [ البقرة : 165 ] رجوعاً إلى المشركين وهذا الوجه يرجع إلى الاستدلال بالعالم على الصانع وهو دليل مشهور في كتب الكلام .
وإن أريد الاستدلال بهاته الدلائل على وحدانية الله تعالى المستلزمة لوجوده وهو الظاهر من قوله : { لقوم يعقلون } ، لأن الاستدلال بهاته الدلائل وأمثالها على وجود الصانع لا يدل على كمال عقل بخلاف الاحتجاج بها على الوحدانية ، ولأنه ذكره بعد قوله : { وإلهاكم إله واحد لا إله إلا هو } ، ولأن دهماء العرب كانوا من المشركين لا من المعطلين الدهريين . وكفاية هذه الدلائل في الرد على المشركين من حيث إنهم لم يكونوا يدعون للأصنام قدرة على الخلق كما أشار إليه قوله تعالى : { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } [ النحل : 17 ] .
وإن أريد الاستدلال بهذه الآثار لوحدانية الله على الأمم التي تثبت الاشتراك للآلهة في الإيجاد مثل مجوس الفرس ومشركي اليونان . فوجه دلالة هاته الآيات على الوحدانية أن هذا النظام البديع في الأشياء المذكورة وذلك التدبير في تكوينها وتفاعلها وذهابها وعودها ومواقيتها كل ذلك دليل على أن لها صانعاً حكيماً متصفاً بتمام العلم والقدرة والحكمة وهي الصفات التي تقتضيها الأُلْهانية ، ولا جرم أن يكون الإله الموصوف بهاته الصفات واحداً لاعتراف المشركين بأن نواميس الخلق وتسيير العالم من فعل الله تعالى ، إذا لم يدعوا لشركائهم الخلق ولذلك قال تعالى : { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } [ النحل : 17 ] ، وذكر في سورة النمل الاستدلال ببعض ما هنا على أن لا إله مع الله ، فالمقصود التذكير بانتفاء حقيقة الإلهية عن شركائهم ، وأما طريقة الاستدلال العلمية فهي بالبرهان الملقب في علم الكلام ببرهان التمانع وسيأتي عند قوله : { لو كان فيهما إلهة إلا الله لفسدتا } [ الأنبياء : 22 ] في سورة الأنبياء .
والقوم : الجماعة من الرجال ويطلق على قبيلة الرجل كما قال عمرو بن معدي كرب :
* فلو أن قومي أنقطتني رماحهم *
ويطلق على الأمة . وذكر لفظ { لقوم يعقلون } دون أن يقال للذين يعقلون أو للعاقلين لأن إجراء الوصف على لفظ قوم يومىء إلى أن ذلك الوصف سجية فيهم ، ومن مكملات قوميتهم ، فإن للقبائل والأمم خصائص تميزها وتشتهر بها كما قال تعالى : { وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون } [ التوبة : 56 ] ، وقد تكرر هذا في مواضع كثيرة من القرآن ومن كلام العرب ، فالمعنى إن في ذلك آيات للذين سجيتهم العقل ، وهو تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بآيات ذلك ليست عقولهم براسخة ولا هي ملكات لهم وقد تكرر هذا في سورة يونس .
الأولى : قال عطاء : لما نزلت " وإلهكم إله واحد " قالت كفار قريش : كيف يسع الناس إله واحد ، فنزلت " إن في خلق السماوات والأرض " . ورواه سفيان عن أبيه عن أبي الضحى قال : لما نزلت " وإلهكم إله واحد " قالوا هل من دليل على ذلك ؟ فأنزل الله تعالى " إن في خلق السموات والأرض " فكأنهم طلبوا آية فبين لهم دليل التوحيد ، وأن هذا العالم والبناء العجيب لا بد له من بان وصانع . وجمع السموات لأنها أجناس مختلفة كل سماء من جنس غير جنس الأخرى . ووحد الأرض لأنها كلها تراب ، والله تعالى أعلم .
فآية السموات : ارتفاعها بغير عمد من تحتها ولا علائق من فوقها ، ودل ذلك على القدرة وخرق العادة . ولو جاء نبي فتحدي بوقوف جبل في الهواء دون علاقة كان معجزا . ثم ما فيها من الشمس والقمر والنجوم السائرة والكواكب الزاهرة شارقة وغاربة نيرة وممحوة آية ثانية . وآية الأرض : بحارها وأنهارها ومعادنها وشجرها وسهلها ووعرها .
الثانية : قوله تعالى : " واختلاف الليل والنهار " قيل : اختلافهما بإقبال أحدهما وإدبار الآخر من حيث لا يعلم . وقيل : اختلافهما في الأوصاف من النور والظلمة والطول والقصر . والليل جمع ليلة ، مثل تمرة وتمر ونخلة ونخل . ويجمع أيضا ليالي وليال بمعنى ، وهو مما شذ عن قياس الجموع ، كشبه ومشابه وحاجة وحوائج وذكر ومذاكر ، وكأن ليالي في القياس جمع ليلاة . وقد استعملوا ذلك في الشعر قال :
في كل يوم ما وُكِّلَ لَيْلاَه *** حتى يقولَ كلُّ راءٍ إذْ رَآه
قال ابن فارس في المجمل : ويقال إن بعض الطير يسمى ليلا ، ولا أعرفه{[1355]} والنهار يجمع نهر وأنهرة . قال أحمد بن يحيى ثعلب : نَهَر جمع نُهُر وهو جمع الجمع{[1356]} للنهار ، وقيل النهار اسم مفرد لم يجمع لأنه بمعنى المصدر ، كقولك الضياء ، يقع على القليل والكثير . والأول أكثر ، قال الشاعر :
لولا الثَّرِيدان هلكنا بالضُّمُر *** ثريدُ ليلٍ وثريدٌ بالنُّهُر
قال ابن فارس : النهار معروف ، والجمع نهر وأنهار . ويقال : إن النهار يجمع على النهر . والنهار : ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس . ورجل نهر : صاحب نهار . ويقال : إن النهار فرخ الحبارى . قال النضر بن شميل : أول النهار طلوع الشمس ، ولا يعد ما قبل ذلك من النهار . وقال ثعلب : أوله عند العرب طلوع الشمس ، استشهد بقول أمية بن أبي الصلت .
والشمس تطلع كل آخر ليلة *** حمراء يصبح لونها يتورد
وجاعلُ الشمس مِصْراً{[1357]} لا خفاء به *** بين النهار وبين الليل قد فَصَلاَ
إذا طلعت شمس النهار فإنها *** أمارة تسليمي عليك فسلمي
قال الزجاج في كتاب الأنواء : أول النهار ذرور الشمس . وقسم ابن الأنباري الزمن ثلاثة أقسام : قسما جعله ليلا محضا ، وهو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر . وقسما جعله نهارا محضا ، وهو من طلوع الشمس إلى غروبها . وقسما جعله مشتركا بين النهار والليل ، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، لبقايا ظلمة الليل ومبادئ ضوء النهار .
قلت : والصحيح أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، كما رواه ابن فارس في المجمل ، يدل عليه ما ثبت في صحيح مسلم عن عدي بن حاتم قال : لما نزلت " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " [ البقرة : 187 ] قال له عدي : يا رسول الله ، إني أجعل تحت وسادتي عقالين : عقالا أبيض وعقالا أسود ، أعرف بهما الليل من النهار . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن وسادك لعريض إنما هو سواد الليل وبياض النهار ) . فهذا الحديث يقضي أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، وهو مقتضى الفقه في الأيمان ، وبه ترتبط الأحكام . فمن حلف ألا يكلم فلانا نهارا فكلمه قبل طلوع الشمس حنث ، وعلى الأول لا يحنث . وقول النبي هو الفيصل في ذلك والحكم . وأما على ظاهر اللغة وأخذه من السنة فهو من وقت الإسفار إذا اتسع وقت النهار ، كما قال{[1358]} :
ملكتُ بها كفي فأنهرتُ فَتْقَها *** يرى قائمٌ من دونها ما وراءها
وقد جاء عن حذيفة ما يدل على هذا القول ، خرجه النسائي . وسيأتي في آي الصيام{[1359]} إن شاء الله تعالى .
الثالثة : قوله تعالى : " والفلك التي تجري في البحر " الفلك : السفن ، وإفراده وجمعه بلفظ واحد ، ويذكر ويؤنث . وليست الحركات في المفرد تلك بأعيانها في الجمع ، بل كأنه بنى الجمع بناء آخر ، يدل على ذلك توسط التثنية في قولهم : فلكان . والفلك المفرد مذكر ، قال تعالى : " في الفلك المشحون{[1360]} " [ يس : 41 ] فجاء به مذكرا ، وقال : " والفلك التي تجري في البحر " فأنث . ويحتمل واحدا وجمعا ، وقال : " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة{[1361]} " [ يونس : 22 ] فجمع ، فكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب فيذكر ، وإلى السفينة فيؤنث . وقيل : واحده فلك ، مثل أسد وأسد ، وخشب وخشب ، وأصله من الدوران ، ومنه : فلك السماء التي تدور عليه النجوم . وفلكت الجارية استدار ثديها ، ومنه فلكة المغزل . وسميت السفينة فلكا لأنها تدور بالماء أسهل دور .
ووجه الآية في الفلك : تسخير اللّه إياها حتى تجري على وجه الماء ووقوفها فوقه مع ثقلها . وأول من عملها نوح عليه السلام كما أخبر تعالى ، وقال له جبريل : اصنعها على جؤجؤ{[1362]} الطائر ، فعملها نوح عليه السلام وراثة في العالمين بما أراه جبريل . فالسفينة طائر مقلوب والماء في أسفلها نظير الهواء في أعلاها ، قاله ابن العربي .
الرابعة : هذه الآية وما كان مثلها دليل على جواز ركوب البحر مطلقا لتجارة كان أو عبادة ، كالحج والجهاد . ومن السنة حديث أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء . الحديث . وحديث أنس بن مالك في قصة أم حرام ، أخرجهما الأئمة : مالك وغيره . روى حديث أنس عنه جماعة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس ، ورواه بشر بن عمر عن مالك عن إسحاق عن أنس عن أم حرام ، جعله من مسند أم حرام لا من مسند أنس . هكذا حدث عنه به بندار محمد بن بشار ، ففيه دليل واضح على ركوب البحر في الجهاد للرجال والنساء ، وإذا جاز ركوبه للجهاد فركوبه للحج المفترض أولى وأوجب . وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنهما المنع من ركوبه . والقرآن والسنة يرد هذا القول ، ولو كان ركوبه يكره أو لا يجوز لنهى عنه النبي صلى اللّه عليه وسلم الذين قالوا له : إنا نركب البحر . وهذه الآية وما كان مثلها نص في الغرض وإليها المفزع . وقد تؤول ما روي عن العمرين في ذلك بأن ذلك محمول على الاحتياط وترك التغرير بالمهج في طلب الدنيا والاستكثار منها ، وأما في أداء الفرائض فلا . ومما يدل على جواز ركوبه من جهة المعنى أن اللّه تعالى ضرب البحر وسط الأرض وجعل الخلق في العدوتين{[1363]} ، وقسم المنافع بين الجهتين فلا يوصل إلى جلبها إلا بشق البحر لها ، فسهل اللّه سبيله بالفلك ، قاله ابن العربي . قال أبو عمر : وقد كان مالك يكره للمرأة الركوب للحج في البحر ، وهو للجهاد لذلك أكره . والقرآن والسنة يرد قوله ، إلا أن بعض أصحابنا من أهل البصرة قال : إنما كره ذلك مالك لأن السفن بالحجاز صغار ، وأن النساء لا يقدرن على الاستتار عند الخلاء فيها لضيقها وتزاحم الناس فيها ، وكان الطريق من المدينة إلى مكة على البر ممكنا ، فلذلك كره مالك ذلك . وأما السفن الكبار نحو سفن أهل البصرة فليس بذلك بأس . قال : والأصل أن الحج على كل من استطاع إليه سبيلا من الأحرار البالغين ، نساء كانوا أو رجالا ، إذا كان الأغلب من الطريق الأمن ، ولم يخص بحرا من بر .
قلت : فدل الكتاب والسنة والمعنى على إباحة ركوبه للمعنيين جميعا : العبادة والتجارة ، فهي الحجة وفيها الأسوة . إلا أن الناس في ركوب البحر تختلف أحوالهم ، فرب راكب يسهل عليه ذلك ولا يشق ، وآخر يشق عليه ويضعف به ، كالمائد{[1364]} المفرط الميد ، ومن لم يقدر معه على أداء فرض الصلاة ونحوها من الفرائض ، فالأول ذلك له جائز ، والثاني يحرم عليه ويمنع منه .
الخامسة : إن البحر إذا ارتج{[1365]} لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه ولا في الزمن الذي الأغلب فيه عدم السلامة ، وإنما يجوز عندهم ركوبه في زمن تكون السلامة فيه الأغلب ، فإن الذين يركبونه حال السلامة وينجون لا حاصر لهم ، والذين يهلكون فيه محصورون .
قوله تعالى : " بما ينفع الناس " أي بالذي ينفعهم من التجارات وسائر المآرب التي تصلح بها أحوالهم . وبركوب البحر تكتسب الأرباح ، وينتفع من يحمل إليه المتاع أيضا . وقد قال بعض من طعن في الدين : إن اللّه تعالى يقول في كتابكم : " ما فرطنا في الكتاب من شيء{[1366]} " [ الأنعام : 38 ] فأين ذكر التوابل المصلحة للطعام من الملح والفلفل وغير ذلك ؟ فقيل له في قوله : " بما ينفع الناس " .
السابعة : قوله تعالى : " وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها " يعني بها الأمطار التي بها إنعاش العالم وإخراج النبات والأرزاق ، وجعل منه المخزون عدة للانتفاع في غير وقت نزوله ، كما قال تعالى : " فأسكناه في الأرض{[1367]} " [ المؤمنون : 18 ] .
الثامنة : قوله تعالى : " وبث فيها من كل دابة " أي فرق ونشر ، ومنه " كالفراش المبثوث{[1368]} " [ القارعة : 4 ] ودابة تجمع الحيوان كله ، وقد أخرج بعض الناس الطير ، وهو مردود ، قال اللّه تعالى : " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها{[1369]} " [ هود : 6 ] فإن الطير يدب على رجليه في بعض حالاته ، قال الأعشى :
دبيب قَطَا البَطحاء في كل مَنْهَل
التاسعة : قوله تعالى : " وتصريف الرياح " تصريفها : إرسالها عقيما وملقحة ، وصرا ونصرا وهلاكا ، وحارة وباردة ، ولينة وعاصفة . وقيل : تصريفها إرسالها جنوبا وشمالا ، ودبورا وصبا ، ونكباء ، وهي التي تأتي بين مهبي ريحين . وقيل : تصريفها أن تأتي السفن الكبار بقدر ما تحملها ، والصغار كذلك ، ويصرف عنهما ما يضر بهما ، ولا اعتبار بكبر القلاع ولا صغرها ، فإن الريح لو جاءت جسدا واحدا لصدمت القلاع وأغرقت . والرياح جمع ريح سميت به لأنها تأتي بالروح غالبا . روى أبو داود عن أبي هريرة قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : ( الريح من روح اللّه تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا اللّه خيرها واستعيذوا باللّه من شرها{[1370]} ) . وأخرجه أيضا ابن ماجه في سننه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن سعيد عن الأوزاعي عن الزهري حدثنا ثابت الزرقي عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ( لا تسبوا الريح فإنها من روح الله تأتي بالرحمة والعذاب ولكن سلوا اللّه من خيرها وتعوذوا باللّه من شرها ) . وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : ( لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن ) . المعنى : أن اللّه تعالى جعل فيها التفريج والتنفيس والترويح ، والإضافة من طريق الفعل . والمعنى : أن اللّه تعالى جعلها كذلك . وفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : ( نصرت{[1371]} بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ) . وهذا معنى ما جاء في الخبر أن اللّه سبحانه وتعالى فرج عن نبيه صلى اللّه عليه وسلم بالريح يوم الأحزاب ، فقال تعالى : " فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها{[1372]} " [ الأحزاب : 9 ] . ويقال : نفس اللّه عن فلان كربة من كرب الدنيا ، أي فرج عنه . وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه : ( من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس اللّه عنه كربة من كرب يوم القيامة ) . أي فرج عنه . وقال الشاعر :
كأن الصَّبا ريح إذا ما تنسمت *** على كبد مهموم تجلت همومُهَا
قال ابن الأعرابي : النسيم أول هبوب الريح . وأصل الريح روح ، ولهذا قيل في جمع القلة أرواح ، ولا يقال : أرياح ، لأنها من ذوات الواو ، وإنما قيل : رياح من جهة الكثرة وطلب تناسب الياء معها . وفي مصحف حفصة " وتصريف الأرواح " .
العاشرة : قوله تعالى : " وتصريف الرياح " قرأ حمزة والكسائي " الريح " على الإفراد ، وكذا في الأعراف والكهف وإبراهيم والنمل والروم وفاطر والشورى والجاثية ، لا خلاف بينهما في ذلك ، ووافقهما ابن كثير في الأعراف والنمل والروم وفاطر والشورى . وأفرد حمزة " الرياح لواقح{[1373]} " [ الحجر : 22 ] . وأفرد ابن كثير " وهو الذي أرسل الرياح{[1374]} " [ الفرقان : 48 ] في الفرقان وقرأ الباقون بالجمع في جميعها سوى الذي في إبراهيم والشورى فلم يقرأهما بالجمع سوى نافع ، ولم يختلف السبعة فيما سوى هذه المواضع . والذي ذكرناه في الروم هو الثاني " الله الذي يرسل الرياح{[1375]} " [ الروم : 48 ] . ولا خلاف بينهم في " الرياح مبشرات " [ الروم : 46 ] . وكان أبو جعفر يزيد بن القعقاع يجمع الرياح إذا كان فيها ألف ولام في جميع القرآن ، سوى " تهوي به الريح " [ الحج : 31 ] و " الريح العقيم " [ الذاريات : 41 ] فإن لم يكن فيه ألف ولام أفرد . فمن وحد الريح فلأنه اسم للجنس يدل على القليل والكثير . ومن جمع فلاختلاف الجهات التي تهب منها الرياح . ومن جمع مع الرحمة ووحد مع العذاب فإنه فعل ذلك اعتبارا بالأغلب في القرآن ، نحو : " الرياح مبشرات " والريح العقيم " فجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب ، إلا في يونس في قوله : " وجرين بهم بريح طيبة " [ يونس : 22 ] . وروي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول إذا هبت الريح : ( اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا ) . وذلك لأن ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد ، وريح الرحمة لينة متقطعة فلذلك هي رياح . فأفردت مع الفلك في " يونس " ، لأن ريح إجراء السفن إنما هي ريح واحدة متصلة ثم وصفت بالطيب فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب .
الحادية عشرة : قال العلماء : الريح تحرك الهواء ، وقد يشتد ويضعف . فإذا بدت حركة الهواء من تجاه القبلة ذاهبة إلى سمت القبلة قيل لتلك الريح : " الصبا " . وإذا بدت حركة الهواء من وراء القبلة وكانت ذاهبة إلى تجاه القبلة قيل لتلك الريح : " الدبور " . وإذا بدت حركة الهواء عن يمين القبلة ذاهبة إلى يسارها قيل لها : " ريح الجنوب " . وإذا بدت حركة الهواء عن يسار القبلة ذاهبة إلى يمينها قيل لها : " ريح الشمال " . ولكل واحدة من هذه الرياح طبع ، فتكون منفعتها بحسب طبعها ، فالصبا حارة يابسة ، والدبور باردة رطبة ، والجنوب حارة رطبة ، والشمال باردة يابسة . واختلاف طباعها كاختلاف طبائع فصول السنة . وذلك أن اللّه تعالى وضع للزمان أربعة فصول مرجعها إلى تغيير أحوال الهواء ، فجعل الربيع الذي هو أول الفصول حارا رطبا ، ورتب فيه النشء والنمو فتنزل فيه المياه ، وتخرج الأرض زهرتها وتظهر نباتها ، ويأخذ الناس في غرس الأشجار وكثير من الزرع ، وتتوالد فيه الحيوانات وتكثر الألبان . فإذا انقضى الربيع تلاه الصيف الذي هو مشاكل للربيع في إحدى طبيعتيه وهي الحرارة ، ومباين له في الأخرى وهي الرطوبة ، لأن الهواء في الصيف حار يابس ، فتنضج فيه الثمار وتيبس فيه الحبوب المزروعة في الربيع . فإذا انقضى الصيف تبعه الخريف الذي هو مشاكل للصيف في إحدى طبيعتيه وهي اليبس ، ومباين له في الأخرى وهي الحرارة ؛ لأن الهواء في الخريف بارد يابس ، فيتناهى فيه صلاح الثمار وتيبس وتجف فتصير إلى حال الادخار ، فتقطف الثمار وتحصد الأعناب وتفرغ من جمعها الأشجار . فإذا انقضى الخريف تلاه الشتاء وهو ملائم للخريف في إحدى طبيعتيه وهي البرودة ، ومباين له في الأخرى وهو اليبس ، لأن الهواء في الشتاء بارد رطب ، فتكثر الأمطار والثلوج وتهمد الأرض كالجسد المستريح ، فلا تتحرك إلا أن يعيد اللّه تبارك وتعالى إليها حرارة الربيع ، فإذا اجتمعت مع الرطوبة كان عند ذلك النشء والنمو بإذن اللّه سبحانه وتعالى . وقد تهب رياح كثيرة سوى ما ذكرناه ، إلا أن الأصول هذه الأربع . فكل ريح تهب بين ريحين فحكمها حكم الريح التي تكون في هبوبها أقرب إلى مكانها وتسمى " النكباء " .
الثانية عشرة : قوله تعالى : " والسحاب المسخر بين السماء والأرض " سمي السحاب سحابا لانسحابه في الهواء ، وسحبت ذيلي سحبا . وتسحب فلان على فلان : اجترأ . والسحب : شدة الأكل والشرب . والمسخر : المذلل ، وتسخيره بعثه من مكان إلى آخر . وقيل : تسخيره ثبوته بين السماء والأرض من غير عمد ولا علائق ، والأول أظهر . وقد يكون بماء وبعذاب ، روى مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : ( بينما رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فإذا شرجة{[1376]} من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته ، فقال له : يا عبد الله ما اسمك ؟ قال : فلان للاسم الذي سمع في السحابة ، فقال له : يا عبد الله لم تسألني عن اسمي ؟ فقال : إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها{[1377]} ؟ قال أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثا وأرد فيها ثلثه ) . وفي رواية " وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل ) . وفي التنزيل : " والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت{[1378]} " [ فاطر : 9 ] ، وقال : " حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت{[1379]} " [ الأعراف : 57 ] وهو في التنزيل كثير . وخرج ابن ماجه عن عائشة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان إذا رأى سحابا مقبلا من أفق من الآفاق ترك ما هو فيه وإن كان في صلاة حتى يستقبله فيقول : ( اللهم إنا نعوذ بك من شر ما أرسل به ) فإن أمطر قال : ( اللهم سيبا نافعا ) مرتين أو ثلاثا ، وإن كشفه اللّه ولم يمطر حمد اللّه على ذلك . أخرجه مسلم بمعناه عن عائشة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم قالت : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا كان يوم الريح والغيم عرف ذلك في وجهه وأقبل وأدبر ، فإذا مطرت سر به وذهب عنه ذلك . قالت عائشة : فسألته فقال : ( إني خشيت أن يكون عذابا سلط على أمتي ) . ويقول إذا رأى المطر : ( رحمة ) . في رواية فقال : ( لعله يا عائشة كما قال قوم عاد " فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا{[1380]} " ) [ الأحقاف : 24 ] . فهذه الأحاديث والآي تدل على صحة القول الأول وأن تسخيرها ليس ثبوتها ، واللّه تعالى أعلم . فإن الثبوت يدل على عدم الانتقال ، فإن أريد بالثبوت كونها في الهواء ليست في السماء ولا في الأرض فصحيح ، لقوله " بين " وهي مع ذلك مسخرة محمولة ، وذلك أعظم في القدرة ، كالطير في الهواء ، قال اللّه تعالى : " ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله{[1381]} " [ النحل : 79 ] وقال : " أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن{[1382]} " [ الملك : 19 ] .
الثالثة عشرة : قال كعب الأحبار : السحاب غربال المطر ، لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض ، رواه عنه ابن عباس . ذكره الخطيب أبو بكر أحمد بن علي عن معاذ بن عبدالله بن خبيب الجهني قال : رأيت ابن عباس مر على بغلة وأنا في بني سلمة ، فمر به تبيع ابن امرأة كعب فسلم على ابن عباس فسأله ابن عباس : هل سمعت كعب الأحبار يقول في السحاب شيئا ؟ قال : نعم ، قال : السحاب غربال المطر ، لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض . قال : سمعت كعبا يقول في الأرض تنبت العام نباتا ، وتنبت عاما قابلا غيره ؟ قال نعم ، سمعته يقول : إن البذر ينزل من السماء . قال ابن عباس : وقد سمعت ذلك من كعب .
الرابعة عشرة : قوله تعالى : " لآيات " أي دلالات تدل على وحدانيته وقدرته ، ولذلك ذكر هذه الأمور عقيب قوله : " وإلهكم إله واحد " ليدل على صدق الخبر عما ذكره قبلها من وحدانيته سبحانه ، وذكر رحمته ورأفته بخلقه . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها ) أي لم يتفكر فيها ولم يعتبرها . فإن قيل : فما أنكرت أنها أحدثت أنفسها . قيل له : هذا محال ، لأنها لو أحدثت أنفسها لم تخل من أن تكون أحدثتها وهي موجودة أو هي معدومة ، فإن أحدثتها وهي معدومة كان محالا ، لأن الإحداث لا يتأتى إلا من حي عالم قادر مريد ، وما ليس بموجود لا يصح وصفه بذلك ، وإن كانت موجودة فوجودها يغني عن إحداث أنفسها . وأيضا فلو جاز ما قالوه لجاز أن يحدث البناء نفسه وكذلك النجارة والنسج ، وذلك محال ، وما أدى إلى المحال محال . ثم إن اللّه تعالى لم يقتصر بها في وحدانيته على مجرد الأخبار حتى قرن ذلك بالنظر والاعتبار في آي من القرآن ، فقال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : " قل انظروا ماذا في السموات والأرض{[1383]} " [ يونس : 101 ] والخطاب للكفار ، لقوله تعالى : " وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون " ، وقال : " أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض{[1384]} " [ الأعراف : 185 ] يعني بالملكوت الآيات . وقال : " وفي أنفسكم أفلا تبصرون{[1385]} " [ الذاريات : 21 ] . يقول : أو لم ينظروا في ذلك نظر تفكر وتدبر حتى يستدلوا بكونها محلا للحوادث والتغييرات على أنها محدثات ، وأن المحدث لا يستغني عن صانع يصنعه ، وأن ذلك الصانع حكيم عالم قدير مريد سميع بصير متكلم ، لأنه لو لم يكن بهذه الصفات لكان الإنسان أكمل منه وذلك محال . وقال تعالى : " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين{[1386]} " [ المؤمنون : 12 ] يعني آدم عليه السلام ، " ثم جعلناه " أي جعلنا نسله وذريته " نطفة في قرار مكين " [ المؤمنون : 13 ] إلى قوله " تبعثون " . فالإنسان إذا تفكر بهذا التنبيه بما جعل له من العقل في نفسه رآها مدبرة وعلى أحوال شتى مصرفة . كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما وعظما ، فيعلم أنه لم ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال ؛ لأنه لا يقدر على أن يحدث لنفسه في الحال الأفضل التي هي كمال عقله وبلوغ أشده عضوا من الأعضاء ، ولا يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة ، فيدله ذلك على أنه في حال نقصه وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز . وقد يرى نفسه شابا ثم كهلا ثم شيخا وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى حال الشيخوخة والهرم ، ولا اختاره لنفسه ولا في وسعه أن يزايل حال المشيب ويراجع قوة الشباب ، فيعلم بذلك أنه ليس هو الذي فعل تلك الأفعال بنفسه ، وأن له صانعا صنعه وناقلا نقله من حال إلى حال ، ولولا ذلك لم تتبدل أحواله بلا ناقل ولا مدبر . وقال بعض الحكماء : إن كل شيء في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير ، الذي هو بدن الإنسان ، ولذلك قال تعالى : " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم " [ التين : 4 ] وقال : " وفي أنفسكم أفلا تبصرون " [ الذاريات : 21 ] . فحواس الإنسان أشرف من الكواكب المضيئة ، والسمع والبصر منها بمنزلة الشمس والقمر في إدراك المدركات بها ، وأعضاؤه تصير عند البلى ترابا من جنس الأرض ، وفيه من جنس الماء العرق وسائر رطوبات البدن ، ومن جنس الهواء فيه الروح والنفس ، ومن جنس النار فيه المرة الصفراء . وعروقه بمنزلة الأنهار في الأرض ، وكبده بمنزلة العيون التي تستمد منها الأنهار ، لأن العروق تستمد من الكبد . ومثانته بمنزلة البحر ، لانصباب ما في أوعية البدن إليها كما تنصب الأنهار إلى البحر . وعظامه بمنزلة الجبال التي هي أوتاد الأرض . وأعضاؤه كالأشجار ، فكما أن لكل شجر ورقا وثمرا فكذلك لكل عضو فعل أو أثر . والشعر على البدن بمنزلة النبات والحشيش على الأرض ثم إن الإنسان يحكي بلسانه كل صوت حيوان ، ويحاكي بأعضائه صنيع كل حيوان ، فهو العالم الصغير مع العالم الكبير مخلوق محدث لصانع واحد ، لا إله إلا هو .