التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ} (33)

انتقال من تمهيدات سبب السورة إلى واسطة بين التمهيد والمقصد ، كطريقة التخلّص ، فهذا تخلّص لمحاجّة وفد نَجْرَانَ وقد ذكرناه في أول السورة ، فابتُدىء هنا بذكر آدم ونوح وهما أبَوا البشر أو أحدُهما وذكر إبراهيم وهو أبو المقصودين بالتفضيل وبالخطاب . فأما آدم فهو أبو البشر باتفاق الأمم كلها إلاّ شذوذاً من أصحاب النزعات الإلحادية الذين ظهروا في أوروبا واخترعوا نظرية تسلسل أنواع الحيوان بعضها من بعض وهي نظرية فائلة .

وآدم اسم أبي البشر عند جميع أهل الأديان ، وهو علَم عليه وضعه لنفسه بإلهام من الله تعالى كما وضع مبدأ اللغة ، ولا شك أنّ من أول ما يحتاج إليه هو وزوجه أن يعبِّر أحدهما للآخر ، وظاهر القرآن أنّ الله أسماه بهذا الاسم من قبل خروجه من جنة عدن ولا يجوز أن يكون اسمه مشتقاً من الأدمة ، وهي اللون المخصوص لأنّ تسمية ذلك اللون بالأدمة خاص بكلام العرب فلعلّ العرب وضعوا اسم ذلك اللون أخذاً من وصف لَون آدم أبي البشر .

وقد جاء في سفر التكوين من كتاب العهد عند اليهود ما يقتضى : أنّ آدم وُجد على الأرض في وقت يوافق سنة 3942 اثنتين وأربعين وتسعمائة وثلاثة آلاف قبل ميلاد عيسى وأنه عاش تسعمائة وثلاثين سنة فتكون وفاته في سنة 3012 اثنتي عشرة وثلاثة آلاف قبل ميلاد عيسى هذا ما تقبّله المؤرّخون المتبعون لضبط السنين . والمظنون عند المحققين الناظرين في شواهد حَضارة البشرية أنّ هذا الضبط لا يُعتمد ، وأن وجود آدم متقادم في أزمنة مترامية البعد هي أكثر بكثير مما حدّده سفر التكوين .

وأمّا نوح فتقول التوراة : إنه ابن لاَمك وسمّي عند العرب لَمَك بن متوشالخ بن أخنوخَ ( وهو إدريس عند العرب ) ابن يارد بتحتية في أوله بن مَهلئيل بميم مفتوحة فهاء ساكنة فلام مفتوحة بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم . وعلى تقديرها وتقدير سني أعمارهم يكون قد ولد سنة ست وثمانين وثمانمائة وألفين قبل ميلاد عيسى وتوفي سنة ست وثلاثين وتسعمائة وألف قبل ميلاد عيسى والقول فيه كما تقدم في ضبط تاريخ وجود ءادم .

وفي زمن نوح وقع الطوفان على جميع الأرض ونجاه الله وأولادَه وأزواجهم في الفُلْك فيكون أباً ثانياً للبشر . ومن الناس من يدّعى أنّ الطوفان لم يعم الأرض وعلى هذا الرأي ذهب مؤرّخو الصين وزعموا أنّ الطوفان لم يشمل قطرهم فلا يكون نوح عندهم أباً ثانياً للبشر . وعلى رأي الجمهور فالبشر كلهم يرجعون إلى أبناء نوح الثلاثة سام ، حام ، ويافث ، وهو أول رسول بعثه الله إلى الناس حسب الحديث الصحيح ، وعُمِّر نوح تسعماية وخمسين سنة على ما في التوراة فهو ظاهر قوله تعالى :

{ فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما } [ العنكبوت : 14 ] وفي التوراة : أنّ الطوفان حدث وعمر نوح ستمائة سنة وأنّ نوحاً صار بعد الطوفان فلاّحاً وغرس الكرم واتّخذ الخمر . وذكر الألوسي صفته بدون سند فقال : كان نوح دقيق الوجه في رأسه طول عظيمَ العينين غليظ العضدين كثير لحم الفخذين ضخم السرّة طويل القامة جسيماً طويل اللحية ، قيل : إنّ مدفنه بالعراق في نواحي الكوفة ، وقيل في ذيل جبل لبنان ، وقيل بمدينة الكرك ، وسيأتي ذكر الطوفان : في سورة الأعراف ، وفي سورة العنكبوت ، وذكر شريعته في سورة الشورى ، وفي سورة نوح .

والآل : الرهط ، وآل إبراهيم : أبناؤه وحفيده وأسباطه ، والمقصود تفضيل فريق منهم . وشمل آل إبراهيم الأنبياءَ من عقبه كموسى ، ومَن قبله ومن بعده ، وكمحمد عليه الصلاة والسلام ، وإسماعيل ، وحنظلةَ بن صفوان ، وخالد بن سنان .

وأما آل عمران : فهم مريم ، وعيسى ، فمريم بنت عمران بن ماتان كذا سماه المفسرون ، وكان من أحبار اليهود ، وصالحيهم ، وأصله بالعبرانية عمرام بميم في آخره فهو أبو مريم ، قال المفسّرون : هو من نسل سليمان بن داود ، وهو خطأ ، والحق أنه من نسل هارون أخي موسى ، كما سيأتي قريباً . وفي كتب النصارى : أنّ اسمه يوهاقيم ، فلعله كان له اسمان ومثله كثير . وليس المراد هنا عِمران والد موسى وهارون ؛ إذ المقصود هنا التمهيد لذكر مريم وابنِها عيسى بدليل قوله : { إذ قالت امرأت عمران } .

وتقدم الكلام على احتمال معنى الآل عند قوله تعالى : { وإذ نجيناكم من آل فرعون } في سورة البقرة ( 49 ) ولكنّ الآل هنا متعين للحمل على رهط الرجل وقرابته .

ومعنى اصطفاء هؤلاء على العالمين اصطفاء المجموع على غيرهم ، أو اصطفاء كلّ فاضل منهم على أهل زمانه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ} (33)

قوله تعالى : " إن الله اصطفى آدم ونوحا " اصطفى اختار ، وقد تقدم في البقرة{[3007]} . وتقدم فيها اشتقاق آدم{[3008]} وكنيته ، والتقدير إن الله اصطفى دينهم وهو دين الإسلام ، فحذف المضاف . وقال الزجاج : اختارهم للنبوة على عالمي زمانهم . " ونوحا " قيل إنه مشتق من ناح ينوح ، وهو اسم أعجمي إلا أنه انصرف لأنه على ثلاثة أحرف ، وهو شيخ المرسلين ، وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم عليه السلام بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات وسائر القرابات ، ومن قال : إن إدريس كان قبله من المؤرخين فقد وهم على ما يأتي بيانه في

" الأعراف " {[3009]} إن شاء الله تعالى .

قوله تعالى : " وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين " تقدم في البقرة معنى الآل وعلى ما يطلق مستوفى{[3010]} . وفي البخاري عن ابن عباس قال : آل إبراهيم وآل عمران المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد ، يقول الله تعالى : " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين " [ آل عمران : 68 ] وقيل : آل إبراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وإن محمدا صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم . وقيل : آل إبراهيم نفسه ، وكذا آل عمران ، ومنه قوله تعالى : " وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون " {[3011]} [ البقرة : 248 ] . وفي الحديث : ( لقد أعطي مزمارا من مزامير آل داود ) ، وقال الشاعر :

ولا تَبْكِ{[3012]} مَيْتاً بعد ميتٍ أَحِبّه *** عليٌّ وعباس وآل أبي بكر

وقال آخر :

يلاقي من تَذَكُّرِ آل ليلى *** كما يَلْقَى السَّلِيمُ من العِدَادِ{[3013]}

أراد من تذكر ليلى نفسها . وقيل : آل عمران آل إبراهيم ، كما قال : " ذرية بعضها من بعض " [ آل عمران : 34 ] . وقيل : المراد عيسى ؛ لأن أمه ابنة عمران . وقيل : نفسه كما ذكرنا . قال مقاتل : هو عمران أبو موسى وهارون ، وهو عمران بن يصهر بن فاهاث بن لاوى بن يعقوب . وقال الكلبي : هو عمران أبو مريم ، وهو من ولد سليمان عليه السلام . وحكى السهيلي : عمران بن ماتان ، وامرأته حنة ( بالنون ) . وخص هؤلاء بالذكر من بين الأنبياء ؛ لأن الأنبياء والرسل بقضهم وقضيضهم من نسلهم . ولم ينصرف عمران ؛ لأن في آخره ألفا ونونا زائدتين . ومعنى قوله : " على العالمين " أي على عالمي زمانهم ، في قول أهل التفسير . وقال الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي : جميع الخلق كلهم . وقيل " على العالمين " : على جميع الخلق كلهم إلى يوم الصور ، وذلك أن هؤلاء رسل وأنبياء فهم صفوة الخلق ، فأما محمد صلى الله عليه وسلم فقد جازت{[3014]} مرتبته الاصطفاء لأنه حبيب ورحمة . قال الله تعالى : " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " {[3015]} [ الأنبياء : 107 ] فالرسل خلقوا للرحمة ، ومحمد صلى الله عليه وسلم خلق بنفسه رحمة ، فلذلك صار أمانا للخلق ، لما بعثه الله أمن الخلق العذاب إلى نفخة الصور . وسائر الأنبياء لم يحلوا هذا المحل ؛ ولذلك قال عليه السلام : ( أنا رحمة مهداة ) يخبر أنه بنفسه رحمة للخلق من الله . وقوله ( مهداة ) أي هدية من الله للخلق . ويقال : اختار آدم بخمسة أشياء : أولها : أنه خلقه بيده في أحسن صورة بقدرته ، والثاني : أنه علمه الأسماء كلها ، والثالث : أمر الملائكة بأن يسجدوا له ، والرابع : أسكنه الجنة ، والخامس : جعله أبا البشر . واختار نوحا بخمسة أشياء : أولها : أنه جعله أبا البشر ؛ لأن الناس كلهم غرقوا وصار ذريته هم الباقين ، والثاني : أنه أطال عمره ، ويقال : طوبى لمن طال عمره وحسن عمله ،

والثالث : أنه استجاب دعاءه على الكافرين والمؤمنين ،

والرابع : أنه حمله على السفينة ،

والخامس : أنه كان أول من نسخ الشرائع ، وكان قبل ذلك لم يحرم تزويج الخالات والعمات .

واختار إبراهيم بخمسة أشياء :

أولها : أنه جعله أبا الأنبياء ؛ لأنه روى أنه خرج من صلبه ألف{[3016]} نبي من زمانه إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم ،

والثاني : أنه اتخذه خليلا ،

والثالث : أنه أنجاه من النار ،

والرابع : أنه جعله إماما للناس ،

والخامس : أنه ابتلاه بالكلمات فوفقه حتى أتمهن .

ثم قال : " وآل عمران " فإن كان عمران أبا موسى وهارون ، فإنما اختارهما على العالمين حيث بعث على قومه المن والسلوى ، وذلك لم يكن لأحد من الأنبياء في العالم . وإن كان أبا مريم فإنه اصطفى له مريم بولادة عيسى بغير أب ، ولم يكن ذلك لأحد في العالم . والله أعلم .


[3007]:- راجع جـ2 ص 133.
[3008]:- راجع جـ1 ص 279.
[3009]:- راجع جـ7 ص 232.
[3010]:- راجع جـ1 ص 381.
[3011]:- راجع جـ3 ص 247.
[3012]:- في الأصول: "ولا تنس" والتصويب من تفسير ابن عطية، والبيت لأراكة بن عبد الله الثقفي في رثاء النبي صلى الله عليه وسلم. أي أحبه علي وعباس وأبو بكر، ويريد جميع المؤمنين (ابن عطية) والذي يروى: أجنه: أي ستره في التراب.
[3013]:- العداد: اهتياج وجع اللديغ، وذلك إذا تمت له سنة مذ يوم لدغ هاج به الألم. وقيل: عداد السليم أن تعد له سبعة أيام فإن مضت رجوا له البرء، وما لم تمض قيل: هو في عداده.
[3014]:- في ب و د: حازت.
[3015]:- راجع جـ11 ص 350.
[3016]:- في هذا نظر لأن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا كما ورد في الخبر، أكثرهم من ذريته عليه السلام.