{ فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا }
تفريع على الدعاء مؤذن بسرعة الإجابة ، وضمائر النصب لمريم . ومعنى تقبلها : تقبل تحريرها لخدمة بيت المقدس ، أي أقام الله مريم مقام منقطع لله تعالى ، ولم يكن ذلك مشروعاً من قبل .
وقوله : { بقبول حسن } الباء فيه للتأكيد ، وأصل نظم الكلام : فتقبّلها قبولاً حسناً ، فأدخلت الباء على المفعول المطلق ليصير كالآلَة للتقبل فكأنه شيء ثانٍ ، وهذا إظهار للعناية بها في هذا القبول ، وقد عرف هذا القبول بوحي من الله إلى زكرياء بذلك ، وأمره بأن يكفلها زكرياء أعظم أحبارهم ، وأن يوحى إليه بإقامتها بعد ذلك لخدمة المسجد ، ولم يكن ذلك للنساء قبلها ، وكل هذا إرهاصٌ بأنه سيكون منها رسول ناسخ لأحكام كثيرة من التوراة ؛ لأنّ خدمة النساء للمسجد المقدّس لم تكن مشروعة .
ومعنى : { وأنبتها نباتاً حسناً } : أنشأها إنشاء صالحاً ، وذلك في الخلق ونزاهة الباطن ، فشبه إنشاؤها وشبابها بإنبات النبات الغضّ على طريق الاستعارة ، ( ونبات ) مفعول مطلق لأنبَت وهو مصدر نبت وإنما أجري على أنبت للتخفيف .
عُدَّ هذا في فضائل مريم ، لأنه من جملة ما يزيد فضلها لأنّ أبا التربية يكسب خلقه وصلاحه مُربّاه .
وزكرياء كاهن إسرائيلي اسمه زكرياء من بني أَبِيَّا بن باكر بن بنيامين من كَهَنة اليهود ، جاءته النبوءة في كبره وهو ثاني من اسمه زكرياء من أنبياء بني إسرائيل وكان متزوجاً امرأةً من ذرية هارون اسمها ( اليصابات ) وكانت امرأته نسيبَة مريم كما في إنجيل لوقا قيل : كانت أختها والصحيح أنّها كانت خالتها ، أو من قرابة أمها ، ولما ولدت مريم كان أبوها قد مات فتنازع كفالتها جماعة من أحْبار بني إسرائيل حرصاً . على كفالة بنت حبرهم الكبير ، واقترعوا على ذلك كما يأتي ، فطارت القرعة لزكرياء ، والظاهر أنّ جعل كفالتها للأحبار لأنّها محررة لخدمة المسجد فيلزم أن تربّى تربيَةً صالحة لذلك .
وقرأ الجمهور : { وكَفَلها زكرياءُ } بتخفيف الفاء من كفَلها أي تولَّى كفالتها ، وقرأ حمزة ، وعاصم ، والكسائي ، وخلف : وكَفّلها بتشديد الفاء أي أنّ الله جعل زكرياء كافلاً لها ، وقرأ الجمهور زكرياء بهمزة في آخره ، ممدوداً وبرفع الهمزة . وقرأه حمزة ، والكسائي وحفص عن عاصم ، وخلفٌ : بالقصر ، وقرأه أبو بكر عن عاصم : بالهمز في آخره ونصب الهمزة .
{ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } .
دل قوله : { كلما دخل عليها زكرياء المحراب وجد عندها رزقاً } على كلام محذوف ، أي فكانت مريم ملازِمة لخدمة بيت المقدس ، وكانت تتعبد بمكان تتخذه بها مِحراباً ، وكان زكرياء يتعهد تعبدها فيرى كرامةً لها أنّ عندها ثِماراً في غير وقت وجود صنفها .
و { كلّما } مركّبة من ( كُلَ ) الذي هو اسم لعموم ما يضاف هو إليه ، ومن ( مَا ) الظرفية وصلتِها المقدّرةِ بالمصدر ، والتّقدير : كلّ وقتِ دُخولِ زَكرياء عليها وجد عندها رزقاً .
وانتصب كل على النيابة عن المفعول فيه ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } في سورة [ البقرة : 25 ] .
فجملة وجد عندها رزقاً حال من زكرياء في قوله { وكفَلها زكرياء } [ آل عمران : 36 ] .
ولك أن تجعل جملة { وجد عندها رزقاً } بدلَ اشتمال من جملة { وكفّلها زكريّاء } .
والمحراب بناء يتّخذه أحد ليخلو فيه بتعبده وصلاته ، وأكثر ما يتخذ في علوّ يرتقي إليه بسلّم أو درج ، وهو غير المسجد . وأطلق على غير ذلك إطلاقات ، على وجه التشبيه أو التوسّع كقول عمر بن أبي ربيعة :
دمْيةٌ عند راهب قسيس *** صوّرُوها في مذبح المحراب
أراد في مذبح البيعةِ ، لأنّ المحراب لا يجعل فيه مذبح . وقد قيل : إنّ المحراب مشتق من الحَرْب لأن المتعبّد كأنّه يحارب الشيطان فيه ، فكأنّهم جعلوا ذلك المكان آلة لمِحرَب الشيطان .
ثم أطلق المحراب عند المسلمين على موضع كشكل نصف قبّة في طول قامة ونصف يجعل بموضع القبلة ليقف فيه الإمام للصلاة . وهو إطلاق مولد وأول محراب في الإسلام محراب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم صنع في خلافة الوليد بن عبد الملك ، مدةَ إمارة عُمَر بن عبد العزيز على المدينة . والتعريف في { المحراب } تعريف الجنس ويعلم أنّ المراد محراب جعلته مريم للتعبّد .
و ( أنّى ) استفهام عن المكان ، أي من أين لك هذا ، فلذلك كان جواب استفهامه قوله : { من عند الله } .
واستفهام زكرياءَ مريمَ عن الرزق لأنه في غير إبَّانِه ووقتِ أمثاله . قيل : كان عِنباً في فصل الشتاء . والرزق تقدم آنفاً عند قوله : { يرزق من يشاء بغير حساب } .
وجملة { إنّ الله يرزق من يشاء } من كلام مريم المحكي .
والحساب في قوله : { بغير حساب } بمعنى الحصر لأنّ الحساب يقتضي حصر الشيء المحسوب بحيث لا يزيد ولا ينقص ، فالمعنى إنّ الله يرزق من يريد رزقه بما لا يعرف مقداره لأنه موكول إلى فضل الله .
قوله تعالى : " فتقبلها ربها بقبول حسن " المعنى : سلك بها طريق السعداء ، عن ابن عباس . وقال قوم : معنى التقبل التكفل في التربية والقيام بشأنها . وقال الحسن : معنى التقبل أنه ما عذبها ساعة قط من ليل ولا نهار . " وأنبتها نباتا حسنا " يعني سوى خلقها من غير زيادة ولا نقصان ، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام واحد . والقبول والنبات مصدران على غير المصدر ، والأصل تقبلا وإنباتا . قال الشاعر :
أكفراً بعد ردِّ الموت عني *** وبعد عطائك المائةَ الرِّتَاعَا
أراد بعد إعطائك ، لكن لما قال " أنبتها " دل على نبت ، كما قال امرؤ القيس :
فصرنا إلى الحسنى ورَقَّ كلامُنا *** وَرُضْتُ فذلت صَعْبَةً أي إذلال
وإنما مصدر ذَلّت ذُلٌّ ، ولكنه رده على معنى أذْلَلتْ ؛ وكذلك كل ما يرد عليك في هذا الباب . فمعنى تقبل وقبل واحد ، فالمعنى فقبلها ربها بقبول حسن . ونظيره قول رؤبة :
وقد تَطَوّيتُ انطواء الحِضْبِ{[3033]}
[ الأفعى ]{[3034]} لأن معنى تَطَوّيتُ وانطويت واحد ، ومثله قول القطامي :
وخير الأمر ما استقبلت منه *** وليس بأن تَتَبَّعَهُ اتباعا
لأن تتبعت واتبعت واحد . وفي قراءة ابن مسعود " وأنزل الملائكة تنزيلا{[3035]} " لأن معنى نزل وأنزل واحد . وقال المفضل : معناه وأنبتها فنبتت نباتا حسنا . ومراعاة المعنى أولى كما ذكرنا . والأصل في القبول الضم ؛ لأنه مصدر مثل الدخول والخروج ، والفتح جاء في حروف قليلة ؛ مثل الوَلوع والوزوع ، هذه الثلاثة لا غير ، قاله أبو عمر والكسائي والأئمة . وأجاز الزجاج " بقبول " بضم القاف على الأصل .
قوله تعالى : " وكفلها زكريا " أي ضمها إليه . أبو عبيدة : ضمن القيام بها . وقرأ الكوفيون " وكفلها " بالتشديد ، فهو يتعدى إلى مفعولين ، والتقدير وكفلها ربها زكريا ، أي ألزمه كفالتها وقدر ذلك عليه ويسره له . وفي مصحف أبي " وأكفلها " والهمزة كالتشديد في التعدي ، وأيضا فإن قبْله
" فتقبلها ، وأنبتها " فأخبر تعالى عن نفسه بما فعل بها ، فجاء " كفلها " بالتشديد على ذلك . وخففه الباقون على إسناد الفعل إلى زكريا . فأخبر الله تعالى أنه هو الذي تولى كفالتها والقيام بها ، بدلالة قوله : " أيهم يكفل مريم " [ آل عمران : 44 ] . قال مكي : وهو الاختيار ؛ لأن التشديد يرجع إلى التخفيف ؛ لأن الله تعالى إذا كفلها زكريا كفلها بأمر الله ، ولأن زكريا إذا كفلها فعن مشيئة الله وقدرته ، فعلى ذلك فالقراءتان متداخلتان . وروى عمرو بن موسى عن عبد الله بن كثير وأبي عبدالله المزني " وكفلها " بكسر الفاء . قال الأخفش : يقال كَفَلَ يَكْفُلُ وكَفِلَ يَكْفَلُ ولم أسمع كَفُلَ ، وقد ذكرت . وقرأ مجاهد " فتقبلْها " بإسكان اللام على المسألة والطلب . " ربها " بالنصب نداء مضاف . " وأنبتْها " بإسكان التاء " وكفلها " بإسكان اللام " زكرياء " بالمد والنصب . وقرأ حفص وحمزة والكسائي " زكريا " بغير مد ولا همزة ، ومده الباقون وهمزوه . وقال الفراء : أهل الحجاز يمدون " زكرياء " ويقصرونه ، وأهل نجد يحذفون منه الألف ويصرفونه فيقولون : زكريٌّ . قال الأخفش : فيه أربع لغات : المد والقصر ، وزكرِيٌّ بتشديد الياء والصرف ، وزكَرٍ ورأيت زكريا . قال أبو حاتم : زكرى بلا صرف لأنه أعجمي وهذا غلط ؛ لأن ما كان فيه " يا " مثل هذا انصرف مثل كرسي ويحيى ، ولم ينصرف زكرياء في المد والقصر لأن فيه ألف تأنيث والعجمة والتعريف .
قوله تعالى : { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا } إلى قوله :{ إنك سميع الدعاء }
الأولى : قوله تعالى : " كلما دخل عليها زكريا المحراب " المحراب في اللغة أكرم موضع في المجلس . وسيأتي له مزيد بيان في سورة " مريم " {[3036]} . وجاء في الخبر : إنها كانت في غرفة كان زكريا يصعد إليها بسلم . قال وضاح اليمن{[3037]} :
رَبَّةُ مِحْرَابٍ إذا جئتُها *** لم أَلْقها حتى ارتَقِي سُلَّمَا
أي : ربة غرفة . روى أبو صالح عن ابن عباس قال : حملت امرأة عمران بعد ما أسنت فنذرت ما في بطنها محررا فقال لها عمران : ويحك ما صنعت ؟ أرأيت إن كانت أنثى ؟ فاغتما لذلك جميعا . فهلك عمران وحنة حامل فولدت أنثى فتقبلها الله بقبول حسن ، وكان لا يحرر إلا الغلمان فتساهم عليها الأحبار بالأقلام التي يكتبون بها الوحي ، على ما يأتي . فكفلها زكريا وأخذ لها موضعا ، فلما أسنت جعل لها محرابا لا يرتقي إليه إلا بسلم ، واستأجر لها ظئرا وكان يغلق عليها بابا ، وكان لا يدخل عليها إلا زكريا حتى كبرت ، فكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله فتكون عند خالتها وكانت خالتها امرأة زكريا في قول الكلبي . قال مقاتل : كانت أختها امرأة زكريا . وكانت إذا طهرت من حيضتها واغتسلت ردها إلى المحراب . وقال بعضهم : كانت لا تحيض وكانت مطهرة من الحيض . وكان زكريا إذا دخل عليها يجد عندها فاكهة الشتاء في القيظ وفاكهة القيظ في الشتاء فقال : يا مريم أنى لك هذا ؟ فقالت : هو من عند الله . فعند ذلك طمع زكريا في الولد وقال : إن الذي يأتيها بهذا قادر أن يرزقني ولدا . ومعنى " أنى " من أين ، قاله أبو عبيدة . قال النحاس : وهذا فيه تساهل ؛ لأن " أين " سؤال عن المواضع و " أنى " سؤال عن المذاهب والجهات . والمعنى من أي المذاهب ومن أي الجهات لك هذا . وقد فرق الكميت بينهما فقال :
أنى ومن أين آبَكَ الطربُ *** من حيث لا صَبْوَةٌ ولا رِيَبُ
و " كلما " منصوب ب " وجد " ، أي كل دخلة . " إن الله يرزق من يشاء بغير حساب " قيل : هو من قول مريم ، ويجوز أن يكون مستأنفا ، فكان ذلك سبب دعاء زكريا وسؤاله الولد .