التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ} (36)

أنّث الضمير في قوله : { فلما وضعتها } وهو عائد إلى { ما في بطني } باعتبار كونه انكشف ما صدَقه على أنثى .

وقولها : { إني وضعتها أُنثى } خبر مستعمل في إنشاء التحذير لظهور كون المخاطب عليماً بكل شيء .

وتأكيد الخبر بإنّ مراعاةٌ لأصل الخبرية ، تحقيقاً لكون المولود أنثى ؛ إذ هو بوقوعه على خلاف المترقّب لها كان بحيث تشك في كونه أنثى وتخاطب نفسها بنفسها بطريق التأكيد ، فلذا أكّدته . ثم لما استعملت هذا الخبر في الإنشاء استعملته برمّته على طريقة المجاز المركّب المُرسَل ، ومعلوم أنّ المركب يَكون مجازاً بمجموعه لا بأجزائه ومفرداتِه . وهذا التركيب بما اشتمل عليه من الخصوصيات يَحكي ما تضمنه كلامها في لغتها من المعاني : وهي الروْعة والكراهية لولادتها أنثى ، ومحاولتها مغالطة نفسها في الإذعان لهذا الحكم ، ثم تحقيقها ذلك لنفسها وتطْمينها بها ، ثم التنقل إلى التحسير على ذلك ، فلذلك أودع حكاية كلامها خصوصيات من العربية تعبر عن معانٍ كثيرة قصدتها في مناجاتها بلغتها .

وأنّث الضمير في { إني وضعتها أُنثى } باعتبار ما دلت عليه الحال اللازمة في قولها { أُنثى } إذ بدون الحال لا يكون الكلام مفيداً فلذلك أنّث الضمير باعتبار تلك الحال .

وقوله : { والله أعلم بما وضعت } جملة معترضة ، وقرأ الجمهور : وضعَتْ بسكون التاء فيكون الضمير راجعاً إلى امرأة عِمران . وهو حينئذ من كلام الله تعالى وليس من كلامها المحكي ، والمقصود منه : أنّ اللَّه أعلم منها بنفاسة ما وضعت ، وأنها خير من مطلق الذكر الذي سألْته ، فالكلام إعلام لأهل القرآن بتغليطها ، وتعليم بأنّ من فوّض أمره إلى الله لا ينبغي أن يتعقّب تدبيره .

وقرأ ابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم ، ويعقوب : بضم التاء ، على أنها ضمير المتكلمة امرأةِ عمران فتكون الجملة من كلامها المحكي ، وعليه فاسم الجلالة التفات من الخطاب إلى الغيبة فيكون قرينة لفظية على أنّ الخبر مستعمل في التحسر .

وجملة { وليس الذكر كالأنثى } خبر مستعمل في التحسر لفوات ما قصدته في أن يكون المولود ذكراً ، فتحرره لخدمة بيت المقدس .

وتعريف الذكر تعريف الجنس لما هو مرتكز في نفوس الناس من الرغبة في مواليد الذكور ، أي ليس جنس الذكر مساوياً لجنس الأنثى . وقيل : التعريف في { وليس الذكر كالأنثى } تعريف العهد للمعهود في نفسها . وجملة { وليس الذكر } تكملة للاعتراض المبدوء بقوله : { والله أعلم بما وضعت } والمعنى : وليس الذكر الذي رغبتْ فيه بمساوٍ للأنثى التي أعطيتْها لو كانت تعلم علوّ شأن هاته الأنثى وجعلوا نفي المشَابهة على بابه من نفي مشابهة المفضول للفاضل وإلى هذا مال صاحب « الكشاف » وتبعه صاحب « المفتاح » والأول أظهر .

ونفي المشابهة بين الذكر والأنثى يقصد به معنى التفصيل في مثل هذا المقام وذلك في قول العرب : ليس سواءً كذا وكذا ، وليس كذا مثلَ كذا ، ولا هو مثل كذا ، كقوله تعالى : { هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } [ الزمر : 9 ] وقوله { يا نساء النبي لستن كأحد من النساء } [ الإحزاب : 32 ] وقول السموأل :

* فليسَ سواءً عالمٌ وجَهول *

وقولِهم : « مرعى ولا كالسعدان ، وماء ولا كَصَدَّى » .

ولذلك لا يَتوخون أن يكون المشبه في مثله أضعف من المشبه به ؛ إذ لم يبق للتشبيه أثر ، ولذلك قيل هنا : وليس الذكر كالأنثى ، ولو قيل : وليست الأنثى كالذكر لفهم المقصود . ولكن قدّم الذكر هنا لأنه هو المرجو المأمول فهو أسبق إلى لفظ المتكلم . وقد يجيء النفي على معنى كون المشبه المنفي أضعف من المشبه به كما قال الحريري في المقامة الرابعة : « غدوتَ قبلَ استقلال الركاب ، ولا اغتداء اغتداءَ الغراب » وقال في الحادية عشرة : « وضحكتم وقت الدفن ، ولا ضَحِكَكُم ساعةَ الزّفن » وفي الرابعة عشرة : « وقمتَ » ولا كعَمْرو بن عُبيد » فجاء بها كلها على نَسق ما في هذه الآية .

وقوله : { وإني سميتها مريم } الظاهر أنها أرادت تسميتها باسم أفضل نبيئة في بني إسرائيل وهي مريم أختُ موسى وهارون ، وخَوّلها أنّ أباها سَمِيُّ أبي مريم أختِ موسى .

وتكرُّر التأكيد في { وإنّي سميتها } { وإنّي أعيذها بك } للتأكيد : لأنّ حال كراهيتها يؤذن بأنها ستعْرض عنها فلا تشتغل بها ، وكأنها أكدت هذا الخبر إظهاراً للرضا بما قدّر الله تعالى ، ولذلك انتقلت إلى الدعاء لها الدال على الرضا والمحبة ، وأكدت جملة أعيذها مع أنها مستعملة في إنشاء الدعاء : لأنّ الخبر مستعمل في الإنشاء برمّته التي كان عليها وقتَ الخبرية ، كما قدّمناه في قوله تعالى : { إني وضعتها أُنثى } وكقول أبي بكر : « إنّي استخلفت عليكم عمر بن الخطاب » .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ} (36)

الخامسة : قوله تعالى : " فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى " قال ابن عباس : إنما قالت هذا لأنه لم يكن يقبل في النذر إلا الذكور ، فقبل الله مريم . " وأنثى " حال ، وإن شئت بدل . فقيل : إنها ربتها حتى ترعرعت وحينئذ أرسلتها ، رواه أشهب عن مالك : وقيل : لفتها في خرقتها وأرسلت بها إلى المسجد ، فوفت بنذرها وتبرأت منها . ولعل الحجاب لم يكن عندهم كما كان في صدر الإسلام ، ففي البخاري ومسلم أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فماتت . الحديث .

السادسة : قوله تعالى : " والله أعلم بما وضعت " هو على قراءة من قرأ " وضعتُ " بضم التاء من جملة كلامها ، فالكلام متصل . وهي قراءة أبي بكر وابن عامر ، وفيها معنى التسليم لله والخضوع والتنزيه له أن يخفى{[3028]} عليه شيء ، ولم تقله على طريق الإخبار ؛ لأن علم الله في كل شيء قد تقرر في نفس المؤمن ، وإنما قالته على طريق التعظيم والتنزيه لله تعالى . وعلى قراءة الجمهور هو من كلام الله عز وجل قدم ، وتقديره أن يكون مؤخرا بعد " وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم " [ آل عمران : 36 ] والله أعلم بما وضعت ، قاله المهدوي . وقال مكي : هو إعلام من الله تعالى لنا على طريق التثبيت فقال : والله أعلم بما وضعتْ أم مريم قالته أو لم تقله . ويقوي ذلك أنه لو كان من كلام أم مريم لكان وجه الكلام : وأنت أعلم بما وضعت ؛ لأنها نادته في أول الكلام في قولها : رب إني وضعتها أنثى . وروي عن ابن عباس " بما وضعتِ " بكسر التاء ، أي قيل لها هذا .

السابعة : قوله تعالى : " وليس الذكر كالأنثى " استدل به بعض الشافعية على أن المطاوعة في نهار رمضان لزوجها على الوطء لا تساويه في وجوب الكفارة عليها . ابن العربي : وهذه منه غفلة ، فإن هذا خبر عن شرع من قبلنا وهم لا يقولون به ، وهذه الصالحة إنما قصدت بكلامها ما تشهد له به بينة حالها ومقطع كلامها ، فإنها نذرت خدمة المسجد في ولدها ، فلما رأته أنثى لا تصلح وأنها عورة اعتذرت إلى ربها من وجودها لها{[3029]} على خلاف ما قصدته فيها . ولم ينصرف " مريم " لأنه مؤنث معرفة ، وهو أيضا أعجمي . قاله النحاس . والله تعالى أعلم .

الثامنة : قوله تعالى : " وإني سميتها مريم " يعني خادم الرب في لغتهم . " وإني أعيذها بك " يعني مريم . " وذريتها " يعني عيسى . وهذا يدل على أن الذرية قد تقع على الولد خاصة . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان{[3030]} إلا ابن مريم وأمه ) ثم قال أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم : " وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم " . قال علماؤنا : فأفاد هذا الحديث أن الله تعالى استجاب دعاء أم مريم ، فإن الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتى الأنبياء والأولياء إلا مريم وابنها . قال قتادة : كل مولود يطعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى وأمه جعل بينهما حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ لها منه شيء ، قال علماؤنا : وإن لم يكن كذلك بطلت الخصوصية بهما ، ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال الممسوس وإغواؤه فإن ذلك ظن فاسد ، فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء ومع ذلك فعصمهم{[3031]} الله مما يرومه الشيطان ، كما قال تعالى : " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " {[3032]} [ الحجر : 42 ] . هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وكل به قرينه من الشياطين ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمريم وابنها وإن عصما من نخسه فلم يعصما من ملازمته لها ومقارنته . والله أعلم .


[3028]:- الزيادة من ب ود.
[3029]:- في ب: له، وفي ز: من وجود مالها.
[3030]:- زيادة من صحيح مسلم.
[3031]:- كذا في ب ود بالفاء.
[3032]:- راجع جـ10 ص 28.