التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{۞وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (75)

عطف على قوله : { وقالت طائفة من أهل الكتاب } [ آل عمران : 72 ] أو على قوله : { ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم } [ آل عمران : 69 ] عطف القصة على القصة والمناسبة بيان دخائل أحوال اليهود في معاملة المسلمين الناشئة عن حسدهم وفي انحرافهم عن ملة إبراهيم مع ادّعائهم أنهم أولَى الناس به ، فقد حكى في هذه الآية خيانة فريق منهم .

وقد ذكر الله هنا أنّ في أهل الكتاب فريقين : فريقاً يؤدّي الأمانة تعففاً عن الخيانة وفريقاً لا يؤدّي الأمانة متعلّلين لإباحة الخيانة في دينهم ، قيل : ومن الفريق الأول عبد الله بن سلام ، ومن الفريق الثاني فِنْحَاص بن عازوراء وكلاهما من يهود يثرب والمقصود من الآية ذمّ الفريق الثاني إذ كان من دينهم في زعمهم إباحة الخَون قال : { ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل } فلذلك كان المقصود هو قوله : { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } إلخ ولذلك طُوِّل الكلام فيه .

وإنما قدّم عليه قوله : { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار } إنصافاً لحقّ هذا الفريق ، لأنّ الإنصاف مما اشتهر به الإسلام ، وإذ كان في زعمهم أنّ دينهم يبيح لهم خيانة غيرهم ، فقد صار النعيُ عليهم ، والتعبيرُ بهذا القول لازماً لجميعهم أمينهم وخائنهم ، لأنّ الأمين حينئذ لا مزية له إلاّ في أنّه ترك حقاً يبيح له دينُه أخذه ، فترفّع عن ذلك كما يترفع المتغالي في المروءة عن بعض المباحات .

وتقديم المسند في قوله : { ومن أهل الكتاب } في الموضعين للتعجيب من مضمون صلة المسند إليهما : ففي الأول للتعجيب من قوة الأمانة ، مع إمكان الخيانة ووجود العذر له في عادة أهل دينه ، وفي الثاني للتعجيب من أن يكون الخوْن خُلْقاً لمتبع كتاب من كتب الله ، ثم يزيد التعجيبُ عند قوله : { ذلك بأنهم قالوا } فيكسب المسند إليهما زيادة عجَب حالٍ .

وعُدّي { تأمنه } بالباء مع أنّ مثله يتعدّى بعلي كقوله : { هل آمنكم عليه } [ يوسف : 64 ] ، لتضمينه معنى تُعامله بقنطار ليشمل الأمانة بالوديعة ، والأمانةَ بالمعاملة على الاستيمان ، وقيل الباء فيه بمعنى على كقول أبي ذرّ أو عباسسٍ بن مِرداس :

* أربٌّ يَبولُ الثعْلُبَان بِرَأسه *

وهو محمل بعيد ، لأنّ الباء في البيت للظرفية كقوله تعالى : { ببطن مكة } [ الفتح : 24 ] .

وقرأ الجمهور { يؤدّهِ } إليك بكسر الهاء من يؤدّهِ على الأصل في الضمائر .

وقرأه أبو عمرو ، وحمزة ، وأبو بكر عن عاصم ، وأبُو جعفر : بإسكان هاء الضمير في يؤدّه ، فقال الزجاج : هذا الإسكان الذي روي عن هؤلاء غلط بيِّن لأنّ الهاء لا ينبغي أن تجزم وإذا لم تجزم فلا يجوز أن تكسر في الوصل ( هكذا نقله ابن عطية ومعناه أنّ جزم الجواب لا يظهر على هاء الضمير بل على آخر حرف من الفعل ولا يجوز تسكينها في الوصل كما في أكثر الآيات التي سكنوا فيها الهاء ) .

وقيل هو إجرَاء للوصل مُجرى الوقف وهو قليل ، قال الزجاج : وأما أبو عمرو فأراه كان يختلس الكسر فغلط عليه من نقله وكلام الزجاج مردود لأنه راعى فيه المشهور من الاستعمال المقيس ، واللغة أوسع من ذلك ، والقراءة حجة . وقرأه هشام عن ابن عامر ، ويعقوب باختلاس الكسر .

وحكى القرطبي عن الفرّاء : أنّ مذهب بعض العرب يجزمون الهاء إذا تحرّك ما قبلها يقولون ضربته كما يسكنون ميم أنتم وقمتم وأصله الرفع وهذا كما قال الراجز :

لَما رَأى ألاّ دَعَهْ ولاَ شِبَع *** مَالَ إلى أرْطَاةِ حقف فاضطجع

والقِنطار تقدم آنفاً في قوله تعالى : { والقَناطير المقنطرة من الذهب والفضة } [ آل عمران : 14 ]

والدينار اسم للمسكوك من الذهب الذي وزنه اثنتان وسبعون حبة من الشعير المتوسط وهو معرّب دِنَّار من الرومية .

وقد جعل القنطار والدينار مَثَلين للكثرة والقلة ، والمقصود ما يفيده الفحوى من أداء الأمانة فيما هو دون القنطار ، ووقوع الخيانة فيما هو فوق الدينار .

وقوله : { إلا ما دمت عليه قائماً } أطلق القيام هنا على الحرص والمواظبة : كقوله : { قائماً بالقسط } [ آل عمران : 18 ] أي لا يفعل إلاّ العدل .

وعديّ « قائماً » بحرف ( على ) لأنّ القيام مجاز على الإلحاح والترداد فتعديته بحرف الاستعلاء قرينة وتجريد للاستعارة .

و ( ما ) من قوله : { إلا ما دمت عليه قائماً } حرف مصدري يصير الفعل بعده في تأويل مصدر ، ويكثر أن يقدر معها اسم زمان ملتزَمٌ حذفه يدل عليه سياق الكلام فحينئذ يقال ما ظرفية مصدرية . وليست الظرفية مدلولها بالأصالة ولا هي نائبة عن الظرف ، ولكنها مستفادة من موقع ( مَا ) في سياق كلام يؤذن بالزمان ، ويكثر ذلك في دخول ( ما ) على الفعل المتصرّف من مادة دَام ومرادفها .

و ( ما ) في هذه الآية كذلك فالمعنى : لا يؤدّه إليك إلاّ في مدة دوام قيامك عليه أي إلحاحك عليه . والدوام حقيقته استمرار الفعل وهو هنا مجاز في طول المدة ، لتعذر المعنى الحقيقي مع وجود أداة الاستثناء ، لأنه إذا انتهى العمر لم يحصل الإلحاح بعدَ الموت .

والاستثناء من قوله : { إلا ما دمت عليه قائماً } يجوز أن يكون استثناء مفرّغاً من أوقات يدل عليها موقع ( مَا ) والتقدير لا يؤدّه إليك في جميع الأزمان إلاّ زماناً تدوم عليه فيه قائماً فيكون ما بعد ( إلاّ ) نصباً على الظرفِ ، ويجوز أن يكون مفرّغاً من مصادر يَدل عليها معنى ( ما ) المصدرية ، فيكون ما بعده منصوباً على الحال لأنّ المصدر يقع حالاً .

وقدّم المجرور على متعلقه في قوله : { عليه قائماً } للاهتمام بمعنى المجرور ، ففي تقديمه معنى الإلحاح ، أي إذا لم يكن قيامُك عليه لا يُرجعُ لك أمانتك .

والإشارة في قوله : { ذلك بأنهم قالوا } إلى الحكم المذكور وهو { إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } وإنما أشير إليه لكمال العناية بتمييزه لاختصاصه بهذا الشأن العجيب .

والباء للسبب أي ذلك مُسَببٌ عن أقوال اختلقوها ، وعبّر عن ذلك بالقول ، لأنّ القول يصدر عن الاعتقاد ، فلذا ناب منابه فأطلق على الظنّ في مواضع من كلام العرب .

وأرادوا بالأميين من ليسوا من أهل الكتاب في القديم ، وقد تقدم بيان معنى الأمي في سورة البقرة .

وحرف ( في ) هنا للتعليل . وإذ قد كان التعليل لا يتعلق بالذوات ، تعيَّن تقدير مضاف مجرور بحرف ( في ) والتقدير في معاملة الأمّيّين .

ومعنى ليس علينا في الأميين سبيل ليس علينا في أكل حقوقهم حرج ولا إثم ، فتعليق الحكم بالأميين أي ذواتِهم مراد منه أعلق أحوالهم بالغرض الذي سبق له الكلام .

فالسبيل هنا طريق المؤاخذة ، ثم أطلق السبيل في كلام العرب مجازاً مشهوراً على المؤاخذة قال تعالى : { مَا على المحسنين من سبيل } [ التوبة : 91 ] وقال : { إنما السبيل على الذين يستأذنوك } [ التوبة : 93 ] وربما عبّر عنه العرب بالطريق قال حُميد بن ثور :

وهل أنا إن علّلتُ نفسي بسَرحة *** من السرْح موجود عليَّ طريق

وقصدهم بذلك أن يحقروا المسلمين ، ويتطاولوا بما أوتوه من معرفة القراءة والكتابة مِنْ قبلهم . أو أرادوا الأميين بمعرفة التوراة ، أي الجاهلين : كناية عن كونهم ليسوا من أتباع دِين موسى عليه السلام .

وأيَّاماً كان فقد أنْبَأ هذا عن خلق عجيب فيهم ، وهو استخفافهم بحقوق المخالفين لهم في الدين ، واستباحةُ ظلمهم مع اعتقادهم أنّ الجاهل أو الأمّي جدير بأن يدحَضُ حقُه . والظاهر أنّ الذي جرّأهم علَى هذا سوء فهمهم في التوراة ، فإنّ التوراة ذكرت أحكاماً فرّقت فيها بين الإسرائيلي وغيره في الحقوق ، غير أنّ ذلك فيما يرجع إلى المؤاساة والمخالطة بين الأمة ، فقد جاء في سفر التثنية الإصحاح الخامس عشر : « في آخر سبع سنين تعمل إبراء يبرىء كلُ صاحب دين يدَه ممّا أقرض صاحبه . الأجنبيَّ تُطالِب ، وأما ما كان لك عند أخيك فتبرئة » وجاء في « الإصحاح » 23 منه : « لا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام وللأجنبي تُقرض بربا » ولكن شَتان بين الحقوق وبين المؤاساة فإنّ تحريم الربا إنما كان لقصد المؤاساة ، والمؤاساة غير مفروضة مع غير أهل الملّة الواحدة . وعن ابن الكلبي قالت اليهود : الأموال كلّها كانت لنا ، فما في أيدي العرب منها فهو لنا ، وإنهم ظلمونا وغصَبونا فلا إثم علينا في أخذ أموالنا منهم . وهذان الخلقان الذميمان اللذان حكاهما الله عن اليهود قد اتصف بهما كثير من المسلمين ، فاستحلّ بعضهم حقوق أهل الذمة ، وتأوّلوها بأنهم صاروا أهل حرب ، في حين لا حرب ولا ضرب .

وقد كذّبهم الله تعالى في هذا الزعم فقال : { ويقولون على الله الكذب } قال المفسرون : إنهم ادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم . وروى عن سعيد بن جبير أنه لما نزل قوله تعالى : { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه } إلى قوله { وهم يعلمون } قال النبي صلى الله عليه وسلم « كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلاّ وهو تحت قدميّ هاتين إلاّ الأمانة فإنها مؤدّاة إلى البرّ والفاجر .

وقوله وهم يعلمون حال أي يعتمدون الكذب : إما لأنهم علموا أنّ ما قاسوه على ما في كتابهم ليس القياس فيه بصحيح ، وإما لأنّ التأويل الباطل بمنزلة العلم بالكذب ، إذ الشبهة الضعيفة كالعهد .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (75)

فيه ثمان مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك " مثل عبدالله بن سلام . " ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك " وهو فنحاص بن عازوراء اليهودي ، أودعه رجل دينارا فخانه . وقيل : كعب بن الأشرف وأصحابه . وقرأ ابن وثاب والأشهب العقيلي " من إن تيمنه " على لغة من قرأ " نستعين " وهي لغة بكر وتميم . وفي حرف عبد الله " مالك لا تِيْمَنّا على يوسف " والباقون بالألف . وقرأ نافع والكسائي " يؤدهي " بياء في الإدراج . قال أبو عبيد : واتفق أبو عمرو والأعمش وعاصم وحمزة في رواية أبي بكر على وقف الهاء ، فقرؤوا " يؤدّهْ إليك " . قال النحاس : بإسكان الهاء لا يجوز إلا في الشعر عند بعض النحويين ، وبعضهم لا يجيزه البتة ويرى أنه غلط ممن قرأ به ، وإنه توهم أن الجزم يقع على الهاء ، وأبو عمرو أجل من أن يجوز عليه مثل هذا . والصحيح عنه أنه كان يكسر الهاء ، وهي قراءة يزيد بن القعقاع . وقال الفراء : مذهب بعض العرب يجزمون الهاء إذا تحرك ما قبلها ، يقولون : ضربته ضربا شديدا ، كما يسكنون ميم أنتم وقمتم وأصلها الرفع ، كما قال الشاعر :

لما رأى ألاّ دَعَهْ ولا شِبَعْ *** مال إلى أرْطاة حِقْف{[3170]} فاضطّجع

وقيل : إنما جاز إسكان الهاء في هذا الموضع لأنها وقعت في موضع الجزم وهي الياء الذاهبة . وقرأ أبو المنذر سلام والزهري " يؤدّهُ " بضم الهاء بغير واو . وقرأ قتادة وحميد ومجاهد " يؤدِّهُو " بواو في الإدراج ، اختير لها الواو لأن الواو من الشفة والهاء بعيدة المخرج . قال سيبويه : الواو في المذكر بمنزلة الألف في المؤنث ويبدل منها ياء لأن الياء أخف إذا كان قبلها كسرة أو ياء ، وتحذف الياء وتبقى الكسرة لأن الياء قد كانت تحذف والفعل مرفوع فأثبتت بحالها .

الثانية : أخبر تعالى أن في أهل الكتاب الخائن والأمين ، والمؤمنون لا يميزون ذلك ، فينبغي اجتناب جميعهم . وخص أهل الكتاب بالذكر وإن كان المؤمنون كذلك ؛ لأن الخيانة فيهم أكثر ، فخرج الكلام على الغالب . والله أعلم . وقد مضى تفسير القنطار . وأما الدينار فأربعة وعشرون قيراطا والقيراط ثلاث حبات من وسط الشعير ، فمجموعه اثنتان وسبعون حبة ، وهو مجمع عليه . ومن حفظ الكثير وأداه فالقليل أولى ، ومن خان في اليسير أو منعه فذلك في الكثير أكثر . وهذا أدل دليل على القول بمفهوم الخطاب . وفيه بين العلماء خلاف كثير{[3171]} مذكور في أصول الفقه . وذكر تعالى قسمين : من يؤدّي ومن لا يؤدّي إلا بالملازمة عليه ، وقد يكون من الناس من لا يؤدِّي وإن دمت عليه قائما . فذكر تعالى القسمين لأنه الغالب والمعتاد والثالث نادر ، فخرج الكلام على الغالب . وقرأ طلحة بن مصرف وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهما " دمت " بكسر الدال وهما لغتان ، والكسر لغة أزْد السَّراة ، من " دِمْت تدام " مثل : خفت تخاف . وحكى الأخفش : دِمت تدوم ، شاذا .

الثالثة : استدل أبو حنيفة على مذهبه في ملازمة الغريم بقوله تعالى : " إلا ما دمت عليه قائما " وأباه سائر العلماء ، وقد تقدم في البقرة{[3172]} . وقد استدل بعض البغداديين من علمائنا{[3173]} على حبس المِديان بقوله تعالى : " ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما " فإذا كان له ملازمته ومنعه من التصرف ، جاز حبسه . وقيل : إن معنى " إلا ما دمت عليه قائما " أي بوجهك فيهابك ويستحي منك ، فان الحياء في العينين ؛ ألا ترى إلى قول ابن عباس رضي الله عنه : لا تطلبوا من الأعمى حاجة فإن الحياء في العينين . وإذا طلبت من أخيك حاجة فانظر إليه بوجهك حتى يستحي فيقضيها . ويقال : " قائما " أي ملازما له ؛ فإن أنظرته أنكرك . وقيل : أراد بالقيام إدامة المطالبة لا عين القيام . والدينار أصله دِنّار فعوضت من إحدى النونين ياء طلبا للتخفيف لكثرة استعماله . يدل عليه أنه يجمع دنانير ويصغر دُنَيْنير .

الرابعة : الأمانة عظيمة القدر في الدين ، ومن عظم قدرها أنها تقوم هي والرحم على جَنَبَتَي{[3174]} الصراط ، كما في صحيح مسلم . فلا يمكن من الجواز إلا من حفظهما . وروى مسلم عن حذيفة قال : حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن رفع الأمانة ، قال : ( ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه ) الحديث . وقد تقدم بكماله أول البقرة{[3175]} . وروى ابن ماجه حدثنا محمد بن المصفى حدثنا محمد بن حرب عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن أبي شجرة كثير بن مرة عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء ، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا ، فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا نزعت منه الأمانة ، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مخونا ، فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة ، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا ، فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعنا نزعت منه رِبْقة الإسلام ) . وقد مضى في البقرة معنى قوله عليه السلام : ( أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ) . والله أعلم .

الخامسة : ليس في هذه الآية تعديل لأهل الكتاب ولا لبعضهم خلافا لمن ذهب إلى ذلك ؛ لأن فساق المسلمين يوجد فيهم من يؤدي الأمانة ويؤمن على المال الكثير ولا يكونون بذلك عدولا . فطريق العدالة والشهادة ليس يجزئ فيه أداء الأمانة في المال من جهة المعاملة والوديعة ، ألا ترى قولهم : " ليس علينا في الأميين سبيل " [ آل عمران : 75 ] فكيف يعدل من يعتقد استباحة أموالنا وحريمنا بغير حرج عليه ، ولو كان ذلك كافيا في تعديلهم لسمعت شهادتهم على المسلمين .

السادسة : قوله تعالى : " ذلك بأنهم قالوا " يعني اليهود " ليس علينا في الأميين سبيل " قيل : إن اليهود كانوا إذا بايعوا المسلمين يقولون : ليس علينا في الأميين سبيل - أي حرج في ظلمهم - لمخالفتهم إيانا . وادعوا أن ذلك في كتابهم ، فأكذبهم الله عز وجل ورد عليهم فقال : " بلى " أي بلى عليهم سبيل العذاب بكذبهم واستحلالهم أموال العرب . قال أبو إسحاق الزجاج : وتم الكلام . ثم قال : " من أوفى بعهده واتقى " [ آل عمران : 76 ] . ويقال : إن اليهود كانوا قد استدانوا من الأعراب أموالا فلما أسلم أرباب الحقوق قالت اليهود : ليس لكم علينا شيء ؛ لأنكم تركتم دينكم فسقط عنا دَينكم . وادّعوا أنه حكم التوراة فقال الله تعالى : " بلى " ردا لقولهم " ليس علينا في الأميين سبيل " . أي ليس كما تقولون ، ثم استأنف فقال : " من أوفى بعهده واتقى " الشرك فليس من الكاذبين بل يحبه الله ورسوله .

السابعة : قال رجل لابن عباس : إنا نصيب في العَمْد من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة ونقول : ليس علينا في ذلك بأس . فقال له : هذا كما قال أهل الكتاب " ليس علينا في الأميين سبيل " إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا عن طيب أنفسهم ، ذكره عبد الرازق عن معمر عن أبي إسحاق الهمداني عن صعصعة أن رجلا قال لابن عباس ، فذكره .

الثامنة : قوله تعالى : " ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون " يدل على أن الكافر لا يُجعل أهلا لقبول شهادته ؛ لأن الله تعالى وصفه بأنه كذاب . وفيه رد عل الكفرة الذين يحرمون ويحللون غير تحريم الله وتحليله ويجعلون ذلك من الشرع . قال ابن العربي : ومن هذا يخرج الرد على من يحكم بالاستحسان من غير دليل ، ولست أعلم أحدا من أهل القبلة قاله . وفي الخبر : لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر ) .


[3170]:- الأرطأة: واحدة الأرطى، وهو شجر من شجر الرمل. والحقف (بالكسر): ما اعوج من الرمل.
[3171]:- من د.
[3172]:- راجع جـ3 ص 371.
[3173]:- نخ: ب.
[3174]:- جنبة الوادي (بفتح النون): جانبه وناحيته. والجنبة (بسكون النون): الناحية، يقال: نزل فلان جنبة أي ناحية.
[3175]:- راجع جـ1 ص 188، وصحيح مسلم جـ1 ص 51 طبع بولاق.