التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن شَجَرَةٍ أَقۡلَٰمٞ وَٱلۡبَحۡرُ يَمُدُّهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦ سَبۡعَةُ أَبۡحُرٖ مَّا نَفِدَتۡ كَلِمَٰتُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (27)

تكرر فيما سبق من هذه السورة وصف الله تعالى بإحاطة العلم بجميع الأشياء ظاهرةً وخفيةً فقال فيما حكى من وصية لقمان : { إنها إن تكُ مثقالُ حبة من خردل } إلى قوله { لطيف خبير } [ لقمان : 16 ] ، وقال بعد ذلك { فنُنبئُهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور } [ لقمان : 23 ] فعقب ذلك بإثبات أن لعلم الله تعالى مظاهرَ يبلّغ بعضها إلى من اصطفاه من رسله بالوحي مِما تقتضي الحكمة إبلاغه ، وأنه يستأثر بعلم ما اقتضت حكمته عدم إبلاغه ، وأنه لو شاء أن يبلغ ما في علمه لما وفّت به مخلوقاته الصالحة لتسجيل كلامه بالكتابة فضلاً على الوفاء بإبلاغ ذلك بواسطة القول . وقد سُلك في هذا مسلك التقريب بضرب هذا المثل ؛ وقد كان ما قُصَّ من أخبار الماضين موطئاً لهذا فقد جرت قصة لقمان في هذه السورة كما جرت قصة أهل الكهف وذي القرنين في سورة الكهف ( 109 ) فعقبتا بقوله في آخر السورة : { قل لو كان البحر مِدَاداً لكلمات ربي لَنَفِد البحر قبل أن تَنْفَد كلماتُ ربي ولو جئنا بمثله مَدَداً } وهي مشابهة للآية التي في سورة لقمان . فهذا وجه اتصال هذه الآية بما قبلها من الآيات المتفرقة .

ولما في اتصال الآية بما قبلها من الخفاء أخذ أصحاب التأويل من السلف من أصحاب ابن عباس في بيان إيقاع هذه الآية في هذا الموْقع . فقيل : سبب نزولها ما ذكره الطبري وابن عطية والواحدي عن سعيد بن جبير وعكرمة وعطاء بن يسار بروايات متقاربة : أن اليهود سألوا رسول الله أو أغَروا قريشاً بسؤاله لمَّا سمعوا قول الله تعالى في شأنهم : { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً } [ الإسراء : 85 ] فقالوا : كيف وأنت تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن سألوه : هي في علم الله قليل ، ثم أنزل الله { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام } الآيتين أو الآيات الثلاثَ .

وعن السدّي قالت قريش : ما أكثر كلامَ محمدٍ فنزلت : { ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام } .

وعن قتادة قالت قريش : سيتِمّ هذا الكلام لمحمد وينحسِر أي محمد صلى الله عليه وسلم فلا يقول بعده كلاماً . وفي رواية : سينفَدُ هذا الكلام . وهذه يرجع بعضها إلى أن هذه الآية نزلت بالمدينة فيلزم أن يكون وضعها في هذا الموضع من السورة بتوقيف نبوي للمناسبة التي ذكرناها آنفاً ، وبعضها يرجع إلى أنها مكية فيقتضي أن تكون نزلت في أثناء نزول سورة لقمان على أن توضع عقب الآيات التي نزلت قبلها .

و { كلمات } جمع كلمة بمعنى الكلام كما في قوله تعالى : { كَلاَّ إنها كلمةٌ هو قائلها } [ المؤمنون : 100 ] أي : الكلام المنبىء عن مراد الله من بعض مخلوقاته مما يخاطب به ملائكته وغيرَهم من المخلوقات والعناصر المعدودة للتكون التي يقال لها : كن فتكون ، ومن ذلك ما أنزله من الوحي إلى رسله وأنبيائه من أول أزمنة الأنبياء وما سينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم أي لو فُرض إرادة الله أن يكتب كلامَه كله صُحفاً ففُرضت الأشجار كلها مقسمة أقلاماً ، وفرض أن يكون البحر مداداً فكُتب بتلك الأقلام وذلك المدادِ لنفِد البحر ونفِدت الأقلام وما نفدت كلمات الله في نفس الأمر .

وأما قوله تعالى : { وتَمَّت كلمات ربّك صدقاً وعدلاً } [ الأنعام : 115 ] فالتمام هنالك بمعنى التحقق والنفوذ ، وتقدم قوله تعالى : { ويريد الله أن يحق الحق بكلماته } في سورة الأنفال ( 7 ) . وقد نُظمت هذه الآية بإيجاز بديع إذ ابتُدئت بحرف { لو } فعلم أن مضمونها أمر مفروض ، وأن ل { لو } استعمالات كما حققه في « مغنى اللبيب » عن عبارة سيبويه . وقد تقدم عند قوله تعالى { ولو أسمعهم لتولَّوا وهم معرضون } في سورة الأنفال ( 23 ) .

{ ومن شجرة } بيان ل { ما } الموصولة وهو في معنى التمييز فحقه الإفراد ، ولذلك لم يقل : من أشجار . والأقلام : جمع قلَم وهو العود المشقوق ليرفع به المداد ويكتب به ، أي : لو تصير كل شجرة أقلاماً بمقدار ما فيها من أغصان صالحة لذلك . والأقلام هو الجمع الشائع لقلَم فيرَد للكثرة والقلة . و { يَمّده } بفتح الياء التحتية وضم الميم ، أي : يزيده مِداداً . والمداد بكسر الميم الحِبر الذي يُكتب به . يقال : مَد الدَّوَاةَ يمدُها . فكان قوله { يمده } متضمناً فرض أن يكون البحر مداداً ثم يُزاد فيه إذا نشف مدادُه سبعةُ أبحر ، ولو قيل : يُمده ، بضم الميم من أمد لفات هذا الإيجاز .

والسبعة : تستعمل في الكناية عن الكثرة كثيراً كقول النبي صلى الله عليه وسلم " والكافر يأكل في سبعة أمعاء " فليس لهذا العدد مفهوم ، أي والبحر يمده أبحر كثيرة .

ومعنى { ما نفدت كلمات الله } ما انتهت ، أي : فكيف تحسب اليهود ما في التوراة هو منتهى كلمات الله ، أو كيف يحسب المشركون أن ما نزل من القرآن أوشك أن يكون انتهاء القرآن ، فيكون المَثل على هذا الوجه الآخر وارداً مورد المبالغة في كثرة ما سينزل من القرآن إغاظة للمشركين ، فتكون { كلمات الله } هي القرآن ، لأن المشركين لا يعرفون كلمات الله التي لا يحاط بها .

وجملة { إن الله عزيز حكيم } تذييل ، فهو لعزته لا يَغلبه الذين يزعمون عدم الحاجة إلى القرآن ينتظرون انفحام الرسول صلى الله عليه وسلم وهو لحكمته لا تنحصر كلماته لأن الحكمة الحق لا نهاية لها .

وقرأ الجمهور برفع { والبحرُ } على أن الجملة الاسمية في موضع الحال والواو واو الحال وهي حال مِن { ما في الأرض من شجرة ، } أي : تلك الأشجار كائنة في حال كون البحر مداداً لها ، والواو يحصل بها من الربط والاكتفاء عن الضمير لدلالتها على المقارنة . وقرأ أبو عمرو ويعقوب { والبحرَ } بالنصب عطفاً على اسم ( إنّ ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن شَجَرَةٍ أَقۡلَٰمٞ وَٱلۡبَحۡرُ يَمُدُّهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦ سَبۡعَةُ أَبۡحُرٖ مَّا نَفِدَتۡ كَلِمَٰتُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (27)

لما احتج على المشركين بما احتج بين أن معاني كلامه سبحانه لا تنفد ، وأنها لا نهاية لها . وقال القفال : لما ذكر أنه سخر لهم ما في السموات وما في الأرض وأنه أسبغ النعم نبه على أن الأشجار لو كانت أقلاما ، والبحار مدادا فكتب بها عجائب صنع الله الدالة على قدرته ووحدانيته لم تنفد تلك العجائب . قال القشيري : فرد معنى تلك الكلمات إلى المقدورات ، وحمل الآية على الكلام القديم أولى . والمخلوق لا بد له من نهاية ، فإذا نفيت النهاية عن مقدوراته فهو نفي النهاية عما يقدر في المستقبل على إيجاده ، فأما ما حصره الوجود وعده فلا بد من تناهيه ، والقديم لا نهاية له على التحقيق . وقد مضى الكلام في معنى " كلمات الله " في آخر " الكهف " {[12616]} . وقال أبو علي : المراد بالكلمات والله أعلم ما في المقدور دون ما خرج منه إلى الوجود . وهذا نحو مما قاله القفال ، وإنما الغرض الإعلام بكثرة معاني كلمات الله وهي في نفسها غير متناهية ، وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة ، لا أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور . ومعنى نزول الآية : يدل على أن المراد بالكلمات الكلام القديم . قال ابن عباس : إن سبب هذه الآية أن اليهود قالت : يا محمد ، كيف عنينا بهذا القول " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " {[12617]} [ الإسراء : 85 ] ونحن قد أوتينا التوراة فيها كلام الله وأحكامه ، وعندك أنها تبيان كل شيء ؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( التوراة قليل من كثير ) ونزلت هذه الآية ، والآية مدنية . قال أبو جعفر النحاس : فقد تبين أن الكلمات ها هنا يراد بها العلم وحقائق الأشياء ؛ لأنه عز وجل علم قبل أن يخلق الخلق ما هو خالق في السموات والأرض من كل شيء ، وعلم ما فيه من مثاقيل الذّر ، وعلم الأجناس كلها وما فيها من شعرة وعضو ، وما في الشجرة من ورقة ، وما فيها من ضروب الخلق ، وما يتصرف فيه من ضروب الطعم واللون ، فلو سمى كل دابة وحدها ، وسمى أجزاءها على ما علم من قليلها وكثيرها وما تحولت عليه من الأحوال ، وما زاد فيها في كل زمان ، وبين كل شجرة وحدها وما تفرعت إليه ، وقدر ما ييبس من ذلك في كل زمان ، ثم كتب البيان على كل واحد منها ما أحاط الله جل ثناؤه به منها ، ثم كان البحر مدادا لذلك البيان الذي بين الله تبارك وتعالى عن تلك الأشياء يمده من بعده سبعة أبحر لكان البيان عن تلك الأشياء أكثر . قلت : هذا معنى قول القفال ، وهو قول حسن إن شاء الله تعالى . وقال قوم : إن قريشا قالت سيتم هذا الكلام لمحمد وينحسر ، فنزلت . وقال السدي : قالت قريش ما أكثر كلام محمد ! فنزلت .

قوله تعالى : " والبحر يمده " قراءة الجمهور بالرفع على الابتداء ، وخبره في الجملة التي بعدها ، والجملة في موضع الحال ، كأنه قال : والبحر هذه حاله ، كذا قدرها سيبويه . وقال بعض النحويين : هو عطف على " أن " لأنها في موضع رفع بالابتداء . وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق : " والبحر " بالنصب على العطف على " ما " وهي اسم " أن " . وقيل : أي ولو أن البحر يمده أي يزيد فيه . وقرأ ابن هرمز والحسن : " يمده " ؛ من أمد . قالت فرقة : هما بمعنى واحد . وقالت فرقة : مد الشيء بعضه بعضا ، كما تقول : مد النيل الخليج ، أي زاد فيه . وأمد الشيء ما ليس منه . وقد مضى هذا في " البقرة . وآل عمران " {[12618]} . وقرأ جعفر بن محمد : " والبحر مداده " . " ما نفدت كلمات الله " تقدم{[12619]} . " إن الله عزيز حكيم " تقدم أيضا{[12620]} . وقال أبو عبيدة : البحر ها هنا الماء العذب الذي ينبت الأقلام ، وأما الماء الملح فلا ينبت الأقلام .


[12616]:راجع ج 11 ص 68.
[12617]:راجع ج 10 ص 324.
[12618]:راجع ج 1 ص 209 و ج 4 ص 194 فما بعد.
[12619]:راجع ج 11 ص 68.
[12620]:راجع ج 2 ص 131.