التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{۞وَمَن يُسۡلِمۡ وَجۡهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰۗ وَإِلَى ٱللَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ} (22)

هذا مقابل قوله { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم } [ لقمان : 20 ] إلى قوله : { يدعوهم إلى عذاب السعير } [ لقمان : 21 ] ، فأولئك الذين اتبعوا ما وجدوا ءاباءهم عليه من الشرك على غير بصيرة فوقعوا في العذاب ، وهؤلاء الذين لم يتمسكوا بدين آبائهم وأسلموا لله لما دعاهم إلى الإسلام فلم يصدّهم عن اتباع الحق إلف ولا تقديس آباء ؛ فأولئك تعلقوا بالأوهام واستمسكوا بها لإرضاء أهوائهم ، وهؤلاء استمسكوا بالحق إرضاء للدليل وأولئك أرضوا الشيطان وهؤلاء اتّبعوا رضى الله .

وإسلام الوجه إلى الله تمثيل لإفراده تعالى بالعبادة كأنه لا يقبل بوجهه على غير الله ، وقد تقدم في قوله تعالى { بَلى مَن أسلم وجهه لله وهو محسن } في سورة البقرة ( 112 ) ، وقوله { فَقُل أسلَمْتُ وجهيَ لله } في سورة آل عمران ( 20 ) .

وتعدية فعل { يُسْلم } بحرف { إلى } هنا دون اللام كما في آيتي سورة البقرة ( 112 ) وسورة آل عمران ( 20 ) عند الزمخشري مجاز في الفعل بتشبيه نفس الإنسان بالمتاع الذي يدفعه صاحبه إلى آخر ويَكِلُه إليه . وحقيقته أن يعدى باللام ، أي وجهه وهو ذاته سالماً لله ، أي خالصاً له كما في قوله تعالى { فإن حاجُّوك فقل أسلمتُ وجهيَ لله } في سورة آل عمران ( 20 ) .

والإحسان : العمل الصالح والإخلاص في العبادة . وفي الحديث : الإحسان أن تعبد الله كأنه تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك . والمعنى : ومن يسلم إسلاماً لا نفاق فيه ولا شك فقد أخذ بما يعتصم به من الهُوِيّ أو التزلزل .

وقوله { فقد استمسك بالعروة الوثقى } مضى الكلام على نظيره عند قوله تعالى { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } في سورة البقرة ( 25 ) ، وهو ثناء على المسلمين . وتذييل هذا بقوله { وإلى الله عاقبة الأمور } إيماء إلى وعدهم بلقاء الكرامة عند الله في آخر أمرهم وهو الحياة الآخرة .

والتعريف في { الأمور } للاستغراق ، وهو تعميم يراد به أن أمور المسلمين التي هي من مشمولات عموم الأمور صائرة إلى الله وموكولة إليه فجزاؤهم بالخير مناسب لعظمة الله .

والعاقبة : الحالة الخاتمة والنهاية . و { الأمور : جمع أمر وهو الشأن .

وتقديم { إلى الله } للاهتمام والتنبيه إلى أن الراجع إليه يلاقي جزاءه وافياً .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَمَن يُسۡلِمۡ وَجۡهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰۗ وَإِلَى ٱللَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ} (22)

قوله تعالى : " ومن يسلم وجهه إلى الله " أي يخلص عبادته وقصده إلى الله تعالى . " وهو محسن " لأن العبادة من غير إحسان ولا معرفة القلب لا تنفع . نظيره : " ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن " {[12612]} [ طه : 112 ] . وفي حديث جبريل قال : فأخبرني عن الإحسان ؟ قال : ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) . " فقد استمسك بالعروة الوثقى " قال ابن عباس : لا إله إلا الله ؛ وقد مضى في " البقرة " {[12613]} . وقد قرأ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه والسلمي وعبد الله بن مسلم بن يسار : " ومن يسلم " . النحاس : و " يسلم " في هذا أعرف ؛ كما قال عز وجل : " فقل أسلمت وجهي{[12614]} لله " [ آل عمران : 20 ] ومعنى : " أسلمت وجهي لله " قصدت بعبادتي إلى الله عز وجل ، ويكون " يسلم " على التكثير . إلا أن المستعمل في سلمت أنه بمعنى دفعت . يقال سلمت في الحنطة ، وقد يقال أسلمت . الزمخشري : قرأ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : " ومن يسلم " بالتشديد ، يقال : أسلم أمرك وسلم أمرك إلى الله تعالى ، فإن قلت : ماله عدي بإلى ، وقد عدي باللام في قول عز وجل : " بلى من أسلم وجهه{[12615]} لله " ؟ [ البقرة : 112 ] قلت : معناه مع اللام أنه جعل وجهه وهو ذاته ونفسه سالما لله ، أي خالصا له . ومعناه مع إلى راجع إلى أنه سلم إليه نفسه كما يسلم المتاع إلى الرجل إذا دفع إليه . والمراد التوكل عليه والتفويض إليه . " وإلى الله عاقبة الأمور " أي مصيرها .


[12612]:راجع ج 11 ص 248 فما بعد.
[12613]:راجع ج 3 ص 279.
[12614]:راجع ج 4 ص 45.
[12615]:راجع ج 2 ص 74 فما بعد.