التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ} (49)

أعيد فعل { قل } للاهتمام بالمقول كما تقدم آنفاً .

وجملة { قل جاء الحق } تأكيد لجملة { قل إن ربي يقذف بالحق } [ سبأ : 48 ] فإن الحق قد جاء بنزول القرآن ودعوة الإِسلام . وعُطف { وما يبدىء الباطل وما يعيد } على { جاء الحق } لأنه إذا جاء الحق انقشع الباطل من الموضع الذي حلّ فيه الحق .

و { يبدىء } مضارع أبدأَ بهمزة في أوله وهمزة في آخره والهمزة التي في أوله للزيادة مثل همزة : أجاء ، وأسرى . وإسناد الإِبداء والإِعادة إلى الباطل مجاز عقلي أو استعارة .

ومعنى { ما يبدىء الباطل وما يعيد } الكناية عن اضمحلاله وزواله وهو ما عبر عنه بالزهوق في قوله تعالى : { إن الباطل كان زهوقاً } في سورة الإِسراء ( 81 ) . وذلك أن الموجود الذي تكون له آثارٌ إمّا أن تكون آثاره مستأنفة أو معادة فإذا لم يكن له إِبداء ولا إعادة فهو معدوم وأصله مأخوذ من تصرف الحي فيكون ما يبدىء وما يعيد } كناية عن الهلاك كما قال عَبيد بن الأبرص :

أفقر من أهله عَبيد *** فاليوم لا يُبدي ولا يعيد ( يعني نفسه ) .

ويقولون أيضاً : فلان ما يبدىء وما يعيد ، أي ما يتكلم ببادئة ولا عائدة ، أي لا يرتجل كلاماً ولا يجيب عن كلام غيره . وأكثر ما يستعمل فعل ( أبدأ ) المهموز أوله مع فعل ( أعاد ) مزدوجين في إثبات أو نفي ، وقد تقدم قوله تعالى : { أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده } في سورة العنكبوت ( 19 ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ} (49)

قوله تعالى : " قل جاء الحق " قال سعيد عن قتادة : يريد القرآن . النحاس : والتقدير جاء صاحب الحق أي الكتاب الذي فيه البراهين والحجج . " وما يبدئ الباطل " قال قتادة : الشيطان ؛ أي ما يخلق الشيطان أحدا " وما يعيد " ف " ما " نفي . ويجوز أن يكون استفهاما بمعنى أي شيء ، أي جاء الحق فأي شيء بقي للباطل حتى يعيده ويبدئه أي فلم يبق منه شيء ، كقوله : " فهل ترى لهم من باقية " {[13078]} [ الحاقة : 8 ] أي لا ترى .


[13078]:راجع ج 18 ص 216.