وعطف { وقالوا } على { وأخذوا } أي يقولون حينئذٍ : آمنّا به .
وضمير { به } للوعيد أو ليوم البعث أو للنبيء صلى الله عليه وسلم أو القرآن ، إذا كان الضمير مَحكياً من كلامهم لأن جميع ما يصحّ مَعاداً للضمير مشاهد لهم وللملائكة ، فأُجملوا فيما يراد الإِيمان به لأنهم ضاق عليهم الوقت فاستعجلوه بما يحسبونه مُنجياً لهم من العذاب ، وإن كان الضمير من الحكاية فهو عائد إلى الحق من قوله : { قل إن ربي يقذف بالحق } [ سبأ : 48 ] لأن الحقّ يتضمن ذلك كله .
ثم استطرد الكلام بمناسبة قولهم { آمنّا به } إلى إضاعتهم وقت الإِيمان بجملة { وأنى لهم التناوش } إلى آخرها .
و { أنَّى } استفهام عن المكان وهو مستعمل في الإِنكار .
و { التناوش } قرأه الجمهور بواو مضمومة بعد الألف وهو التناول السهل أو الخفيف وأكثر وروده في شرب الإِبل شرباً خفيفاً من الحوض ونحوه ، قال غَيلان بن حُريْث :
باتتْ تنُوش الحوضَ نَوْشاً من عَلا *** نَوْشاً به تقطع أجْواز الفَلا
يتحدث عن راحلته ، أي تتناول الماء من أعلاه ولا تغوص مشافرها فيه .
وجملة { وأنى لهم التناوش من مكان بعيد } مركب تمثيلي يفيد تشبيه حالهم إذ فرطوا في أسباب النجاة وقت المِكْنَة منها حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم ويحرضهم ويحذرهم وقد عمرهم الله ما يتذكر فيه من تذكر ثم جاؤوا يطلبون النجاة بعد فوات وقتها بحالهم كحال من يريد تناوشها وهو في مكان بعيد عن مراده الذي يجب تناوله .
وهذا التمثيل قابل لتفريق أجزائه بأن يشبه السعي بما يحصل بسرعة بالتناوش ويشبه فوات المطلوب بالمكان البعيد كالحوض .
وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلفٌ بالهمزة في موقع الواو فقال الزجاج : وهو من إبدال الواو المضمومة همزة لقصد التخفيف في نطق الضمة كقوله تعالى : { أقتت } [ المرسلات : 11 ] وقولهم : أَجُوهٌ : جمع وجه . وبحث فيه أبو حيان ، وقال الفراء والزجاج أيضاً : هو من نَأش بالهمز إذا أبطأ وتأخر في عمل . ومنه قول نهشل بن حَرِي النهشلي :
تمنّى نَئِيشاً أن يكون أطاعني *** وقد حدثت بعد الأمور أمور
أي تمنّى أخيراً . وفسر المعري في « رسالة الغفران » نئيشاً بمعنى : بعد ما فات . وعلى كلا التفسيرين فالمراد بالتناوش وصف قولهم : { آمنا به } بأنه إيمان تأخر وقته أو فات وقته .
قوله تعالى : " وقالوا آمنا به " أي القرآن . وقال مجاهد : بالله عز وجل . الحسن : بالبعث . قتادة : بالرسول صلى الله عليه وسلم " وأنى لهم التناوش من مكان بعيد " قال ابن عباس والضحاك : التناوش الرجعة ، أي يطلبون الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا ، وهيهات من ذلك ! ومنه قول الشاعر :
تمنى أن تؤوبَ إليّ مَيٌّ*** وليس إلى تناوشِهَا سبيل
وقال السدي : هي التوبة ، أي طلبوها وقد بعدت ، لأنه إنما تقبل التوبة في الدنيا . وقيل : التناوش التناول . قال ابن السكيت : يقال للرجل إذا تناول رجلا ليأخذ برأسه ولحيته : ناشه ينوشه نوشا . وأنشد :
فهي تنوش الحوض نَوْشًا من عَلاَ *** نوشًا به تقطع أجوازَ الفَلاَ{[13082]}
أي تتناول ماء الحوض من فوق وتشرب شربا كثيرا ، وتقطع بذلك الشرب فلوات فلا تحتاج إلى ماء آخر . قال : ومنه المناوشة في القتال ؛ وذلك إذا تدانى الفريقان . ورجل نووش أي ذو بطش . والتناوش . التناول : والانتياش مثله . قال الراجز :
قوله تعالى : " وأنى لهم التناوش من مكان بعيد " يقول : أنى لهم تناول الإيمان في الآخرة وقد كفروا في الدنيا . وقرأ أبو عمرو والكسائي والأعمش وحمزة : " وأنى لهم التناوش " بالهمز . النحاس : وأبو عبيدة يستبعد هذه القراءة ؛ لأن " التناوش " بالهمز البعد ، فكيف يكون : وأنى لهم البعد من مكان بعيد . قال أبو جعفر : والقراءة جائزة حسنة ، ولها وجهان في كلام العرب ، ولا يتأول بها هذا المتأول البعيد . فأحد الوجهين أن يكون الأصل غير مهموز ، ثم همزت الواو لأن الحركة فيها خفية ، وذلك كثير في كلام العرب . وفي المصحف الذي نقلته الجماعة عن الجماعة " وإذا الرسل أقتت " {[13083]} [ المرسلات : 11 ] والأصل " وقتت " لأنه مشتق من الوقت . ويقال في جمع دار : أدؤر . والوجه الآخر ذكره أبو إسحاق قال : يكون مشتقا من النئيش وهو الحركة في إبطاء ، أي من أين لهم الحركة فيما قد بعد ، يقال : نأشت الشيء أخذته من بعد والنئيش : الشيء البطيء . قال الجوهري : التناؤش ( بالهم ) التأخر والتباعد . وقد نأشت الأمر أنأشه نأشا أخرته ؛ فانتأش . ويقال : فعله نئيشا أي أخيرا . قال الشاعر :
تمنّى نئيشا أن يكون أطاعني *** وقد حدثت{[13084]} بعد الأمور أمور
قعدت زمانا عن طلابك للعلا *** وجئت نئيشا بعدما فاتك الخُبْرُ{[13085]}
وقال الفراء : الهمز وترك الهمز في التناؤش متقارب . مثل : ذمت{[13086]} الرجل وذأمته أي عبته . " من مكان بعيد " أي من الآخرة . وروى أبو إسحاق عن التميمي عن ابن عباس قال : " وأنى لهم " قال : الرد ، سألوه وليس بحين رد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.