{ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً } .
هذا ارتقاء في حرمانهم من الاهتداء لو أرادوا تأملاً بأنّ فظاظة قلوبهم لا تقبل الاستنتاج من الأدلة والحجج بحيث لا يتحولون عما هم فيه ، فمُثّلت حالهم بحالة من جُعلوا بين سدَّيْن ، أي جدارين : سداً أمامهم ، وسداً خلفهم ، فلو راموا تحوّلاً عن مكانهم وسعيهم إلى مرادهم لما استطاعوه كقوله تعالى : { فما استطاعوا مضياً ولا يرجعون } [ يس : 67 ] ، وقول أبي الشيص :
وقف الهوى بي حيث أنتِ فليس لي *** متـــأخَّر عنه ولا مُتَقَدَّم
ومن الحوادث لا أبالك أنني *** ضربتُ على الأرض بالأسداد
لا أهتدي فيها لموضع تَلْعة *** بين العُذيب وبين أرض مُراد
وفي « مفاتيح الغيب » : مانع الإِيمان : إما أن يكون في النفس ، وإما أن يكون خارجاً عنها . ولهم المانعان جميعاً : أما في النفس فالغُلّ ، وأما من الخارج فالسد فلا يقع نظرهم على أنفسهم فيروا الآيات التي في أنفسهم لأن المُقْمَح لا يرى نفسه ولا يقع نظرهم على الآفاق لأن مَن بين السدّين لا يبصرون الآفاق فلا تتبين لهم الآيات كما قال تعالى : { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم } [ فصلت : 53 ] .
وإعادة فعل { وجعلنا } على الوجه الأول في معنى قوله : { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً } [ يس : 8 ] الآية ، تأكيد لهذا الجعل ، وأما على الوجه الثاني في معنى { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً } فإعادة فعل { وجعلنا } لأنه جَعْل حاصل في الدُّنيا فهو مغاير للجعل الحاصل يوم القيامة .
وقرأ الجمهور { سداً } بالضم وهو اسم الجدار الذي يَسُدّ بين داخل وخارج .
وقرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف بالفتح وهو مصدر سمي به ما يُسد به .
{ فأغشيناهم فَهُمْ لا يبصرون } .
تفريع على كلا الفعلين { جعلنا في أعناقهم أغلالاً } [ يس : 8 ] و { جعلنا من بين أيديهم سُدّاً ومن خلفهم سداً } لأن في كلا الفعلين مانعاً من أحوال النظر .
وفي الكلام اكتفاء عن ذكر ما يتفرع ثانياً على تمثيلهم بمن جعلوا بين سُدين من عدم استطاعة التحول عمّا هم عليه .
والإِغشاء : وضع الغشاء . وهو ما يغطي الشيء . والمراد : أغشينا أبصارهم ، ففي الكلام حذف مضاف دلّ عليه السياق وأكّده التفريع بقوله : { فهم لا يبصرون } . وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي لإِفادة تقوي الحكم ، أي تحقيق عدم إبصارهم .
قوله تعالى : " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا " قال مقاتل : لما عاد أبو جهل إلى أصحابه ، ولم يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وسقط الحجر من يده ، أخذ الحجر رجل آخر من بني مخزوم وقال : أقتله بهذا الحجر . فلما دنا من النبي صلى الله عليه وسلم طمس الله على بصره فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم ، فرجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه ، فهذا معنى الآية . وقال محمد بن إسحاق في روايته : جلس عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو جهل وأمية بن خلف ، يرصدون النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغوا من أذاه ، فخرج عليهم عليه السلام وهو يقرأ [ يس ] وفي يده تراب فرماهم به وقرأ : " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا " فأطرقوا حتى مر عليهم عليه السلام . وقد مضى هذا في سورة [ سبحان ]{[13191]} ومضى في " الكهف " {[13192]} الكلام في " سدا " بضم السين وفتحها وهما لغتان ، " فأغشيناهم " أي غطينا أبصارهم ، وقد مضى في أول " البقرة " {[13193]} . وقرأ ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر " فأعشيناهم " بالعين غير معجمة من العشاء في العين وهو ضعف بصرها حتى لا تبصر بالليل قال :
متى تأتهِ تَعْشُو إلى ضوءِ نارِه{[13194]}
وقال تعالى : " ومن يعش عن ذكر الرحمن " [ الزخرف : 36 ] الآية . والمعنى متقارب ، والمعنى أعميناهم . كما قال :
ومن الحوادث لا أبا لكَ أنَّنِي *** ضُرِبَتْ عليَّ الأرضُ بالأَسْدَادِ
لا أهتدي فيها لموضع تَلْعَةً *** بين العُذَيْبِ وبين أرضِ مُرَادِ
" فهم لا يبصرون " أي الهدى . قاله قتادة . وقيل : محمدا حين ائتمروا على قتله . قاله السدي . وقال الضحاك : " وجعلنا من بين أيديهم سدا " أي الدنيا " ومن خلفهم سدا " أي الآخرة ، أي عموا عن البعث وعموا عن قبول الشرائع في الدنيا . قال الله تعالى : " وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم " [ فصلت : 25 ] أي زينوا لهم الدنيا ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة . وقيل : على هذا " من بين أيديهم سدا " أي غرورا بالدنيا " ومن خلفهم سدا " أي تكذيبا بالآخرة . وقيل : " من بين أيديهم " الآخرة " ومن خلفهم " الدنيا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.