التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِنَّا جَعَلۡنَا فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ أَغۡلَٰلٗا فَهِيَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ} (8)

هذه الجملة بدل اشتمال من جملة { لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون } [ يس : 7 ] فإن انتفاء إيمانهم يشتمل على مَا تضمنته هذه الآية من جعل أغلال في أعناقهم حقيقة أو تمثيلاً .

والجعل : تكوين الشيء ، أي جعلنا حالهم كحال من في أعناقهم أغلال فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ، فيجوز أن يكون تمثيلاً بأن شُبهت حالة إعراضهم عن التدبر في القرآن ودعوة الإِسلام والتأمل في حججه الواضحة بحال قوم جعلت في أعناقهم أغلال غليظة ترتفع إلى أذقانهم فيكونون كالمقمحين ، أي الرافعين رؤوسهم الغاضِّين أبصارهم لا يلتفتون يميناً ولا شِمالاً فلا ينظرون إلى شيء مما حولهم فتكون تمثيلية .

وذِكر { فهي إلى الأذقان } لتحقيق كون الأغلال ملزوزة إلى عظام الأذقان بحيث إذا أراد المغلول منهم الالتفات أو أن يطاطىء رأسه وجِعَه ذقنه فلازم السكون وهذه حالة تخييل هذه الأغلال وليس كل الأغلال مثل هذه الحالة .

وهذا التمثيل قابل لتوزيع أجزاء المركب التمثيلي إلى تشبيه كل جزء من الحالين بجزء من الحالة الأخرى بأن يشبه ما في نفوسهم من النفور عن الخير بالأَغلال ، ويشبه إعراضهم عن التأمل والإِنصاف بالإِقماح .

فالفاء في قوله : { فهي إلى الأذقان } عطف على جملة { جعلنا في أعناقهم أغلالاً } ، أي جعلنا أغلالاً ، أي فأبلغناها إلى الأذقان .

والجعل : هنا حقيقة وهو ما خلق في نفوسهم من خلق التكبر والمكابرة .

والأغلال : جمع غُلّ بضم الغين ، وهو حلقة عريضة من حديد كالقلادة ذات أضلاع من إحدى جهاتها وطرفين يقابلان أضلاعهما فيهما أثقاب متوازية تشد الحلقة من طرفيها على رقبة المغلول بعمود من حديد له رأس كالكرة الصغيرة يسقط ذلك العمُود في الأثقاب فإذا انتهى إلى رأسه الذي كالكرة استقرّ ليمنع الغُلّ من الانحلال والتفلّت ، وتقدم عند قوله تعالى : { وأولئك الأغلال في أعناقهم } في سورة الرعد ( 5 ) .

والفاء في قوله : فهم مقمحون } تفريع على جملة { فهي إلى الأذقان } .

والمقمَح : بصيغة اسم المفعول المجعول قامحاً ، أي رافعاً رأسه ناظراً إلى فوقه يقال : قمحه الغُلّ ، إذا جعل رأسه مرفوعاً وغضّ بصره ، فمدلوله مركب من شيئين . والأذقان : جمع ذَقَن بالتحريك ، وهو مجتمع اللحيين . وتقدم في الإِسراء .

ويجوز أن يكون قوله : { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً } الخ وعيداً بما سيحلّ بهم يوم القيامة حين يساقون إلى جهنم في الأغلال كما أشار إليه قوله تعالى : { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون } في سورة غافر ( 71 ، 72 ) ، فيكون فعل { جعلنا } مستقبلاً وعبر عنه بصيغة الماضي لتحقيق وقوعه كقوله تعالى : { أتى أمر اللَّه } [ النحل : 1 ] ، أي سنجعل في أعناقهم أغلالاً .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّا جَعَلۡنَا فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ أَغۡلَٰلٗا فَهِيَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ} (8)

ثم بين سبب تركهم الإيمان فقال : " إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا " . قيل : نزلت في أبي جهل بن هشام وصاحبيه المخزوميين ؛ وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه بحجر . فلما رآه ذهب فرفع حجرا ليرميه ، فلما أومأ إليه رجعت يده إلى عنقه ، والتصق الحجر بيده . قاله ابن عباس وعكرمة وغيرهما . فهو على هذا تمثيل أي هو بمنزلة من علت يده إلى عنقه ، فلما عاد إلى أصحابه أخبرهم بما رأى ، فقال الرجل الثاني وهو الوليد بن المغيرة : أنا أرضخ رأسه . فأتاه وهو يصلي على حالته ليرميه بالحجر فأعمى الله بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه ، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقال : والله ما رأيته ولقد سمعت صوته . فقال الثالث : والله لأشدخن أنا رأسه . ثم أخذ الحجر وانطلق فرجع القهقرى ينكص على عقبيه حتى خر على قفاه مغشيا عليه . فقيل له : ما شأنك ؟ قال شأني عظيم رأيت الرجل فلما دنوت منه ، وإذا فحل يخطر بذنبه ما رأيت فحلا قط أعظم منه حال بيني وبينه ، فواللات والعزى لو دنوت منه لأكلني . فأنزل الله تعالى : " إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون " . وقرأ ابن عباس : " إنا جعلنا في أيمانهم " . وقال الزجاج : وقرئ " إنا جعلنا في أيديهم " . قال النحاس : وهذه القراءة تفسير ولا يقرأ بما خالف المصحف . وفي الكلام حذف على قراءة الجماعة . التقدير : إنا جعلنا في أعناقهم وفي أيديهم أغلالا فهي إلى الأذقان ، فهي كناية عن الأيدي لا عن الأعناق ، والعرب تحذف مثل هذا . ونظيره : " سرابيل تقيكم الحر " [ النحل : 81 ] وتقديره وسرابيل تقيكم البرد فحذف ؛ لأن ما وقى من الحر وقى من البرد ؛ لأن الغل إذا كان في العنق فلا بد أن يكون في اليد ، ولا سيما وقد قال الله عز وجل : " فهي إلى الأذقان " فقد علم أنه يراد به الأيدي . " فهم مقمحون " أي رافعو رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق ؛ لأن من علت يده إلى ذقنه ارتفع رأسه . روى عبد الله بن يحيى : أن علي بن أبي طالب عليه السلام أراهم الإقماح ، فجعل يديه تحت لحيته وألصقهما ورفع رأسه . قال النحاس : وهذا أجل ما روي فيه وهو مأخوذ مما حكاه الأصمعي . قال : يقال أقمحت الدابة إذا جذبت لجامها لترفع رأسها . قال النحاس : والقاف مبدلة من الكاف لقربها منها . كما يقال : قهرته وكهرته . قال الأصمعي : يقال أكمحت الدابة إذا جذبت عنانها حتى ينتصب رأسها . ومنه قول الشاعر :

. . . والرأس مُكْمَحُ{[13188]}

ويقال : أكمحتها وأكفحتها وكبحتها . هذه وحدها بلا ألف عن الأصمعي . وقمح البعير قموحا : إذا رفع رأسه عند الحوض وامتنع من الشرب ، فهو بعير قامح وقمح . يقال : شرب فتقمح وانقمح بمعنى إذا رفع رأسه وترك الشرب ريا . وقد قامحت إبلك : إذا وردت ولم تشرب ، ورفعت رأسها من داء يكون بها أو برد . وهي إبل مقامحة ، وبعير مقامح ، وناقة مقامح أيضا ، والجمع قماح على غير قياس . قال بشر يصف سفينة :

ونحن على جوانبها قُعودٌ *** نغُضُّ الطرف كالإبل القِمَاحِ

والإقماح : رفع الرأس وغض البصر . يقال : أقمحه الغل إذا ترك رأسه مرفوعا من ضيقه . وشهرا قماح : أشد ما يكون من البرد ، وهما الكانونان سميا بذلك ؛ لأن الإبل إذا وردت آذاها برد الماء فقامحت رؤوسها . ومنه قمحت السويق{[13189]} . وقيل : هو مثل ضربه الله تعالى لهم في امتناعكم من الهدى كامتناع المغلول . قال يحيى بن سلام وأبو عبيدة . وكما يقال : فلان حمار . أي لا يبصر الهدى . وكما قال :

لهم عن الرشد أغلالٌ وأقيادُ

وفي الخبر : أن أبا ذؤيب كان يهوى امرأة في الجاهلية ، فلما أسلم راودته فأبى وأنشأ يقول :

فليس كعهد الدار يا أمَّ مالكٍ *** ولكن أحاطت بالرقابِ السلاسلُ

وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل *** سوى العدلِ شيئا فاستراح العواذلُ{[13190]}

أراد منعنا بموانع الإسلام عن تعاطي الزنى والفسق . وقال الفراء أيضا : هذا ضرب مثل ، أي حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله ، وهو كقوله تعالى : " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك " [ الإسراء : 29 ] وقال الضحاك . وقيل : إن هؤلاء صاروا في الاستكبار عن الحق كمن جعل في يده غل فجمعت إلى عنقه ، فبقي رافعا رأسه لا يخفضه ، وغاضا بصره لا يفتحه . والمتكبر يوصف بانتصاب العنق . وقال الأزهري : إن أيديهم لما علت عند أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صعدا كالإبل ترفع رؤوسها . وهذا المنع بخلق الكفر في قلوب الكفار ، وعند قوم بسلبهم التوفيق عقوبة لهم على كفرهم . وقيل : الآية إشارة إلى ما يفعل بأقوام غدا في النار من وضع الأغلال في أعناقهم والسلاسل ، كما قال تعالى : " إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل " [ غافر : 71 ] وأخبر عنه بلفظ الماضي . " فهم مقمحون " تقدم تفسيره . قال مجاهد : " مقمحون " مغلون عن كل خير .


[13188]:البيت لذي الرمة وتمامه: تمور بضبعيها وترمي بحوزها *** حذارا من الإيعاد والرأس مكمح.
[13189]:قمح السويق (بكسر الميم) إذا استفه.
[13190]:يقول: رجع الفتى عما كان عليه من فتوته، وصار كأنه كهل، فاستراح العواذل لأنهن لا يجدن ما يعذلن فيه. سوى العدل: أي سوى الحق.