هذا عطف على جملة { أم حسب الذين اجترحوا السيئات } [ الجاثية : 21 ] أي بعد أن جادلوا المسلمين بأنه إن كان يبعث بعد الموت فستكون عقباهم خيراً من عقبى المسلمين ، يقولون ذلك لقصد التورك وهم لا يوقنون بالبعث والجزاء بل ضربوه جدلاً وإنما يقينُهم قولُهم { ما هي إلا حياتنا الدنيا } .
وتقدم في سورة الأنعام ( 29 ) { وقالوا إن هي إلاّ حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين } وضمير { هي } ضمير القصة والشأن ، أي قصة الخوض في البعث تنحصر في أن لا حياة بعد الممات ، أي القصة هي انتفاء البعث كما أفاده حصر الأمر في الحياة الدنيا ، أي الحاضرة القريبَة منا ، أي فلا تطيلوا الجدال معنا في إثبات البعث ، ويجوز أن يكون { هي } ضمير الحياة باعتبار دلالة الاستثناء على تقدير لفظ الحياة فيكون حَصْراً لجنس الحياة في الحياة الدنيا .
وجملة { نموت ونحيا } مبيّنة لجملة { ما هي إلا حياتنا الدنيا } أي ليس بعد هذا العالم عالم آخر فالحياة هي حياة هذا العالم لا غير فإذا مات من كان حيّاً خلفه من يوجد بعده . فمعنى { نموت ونحيا } يموت بعضنا ويحيا بعض أي يبقى حيّاً إلى أمد أو يولد بعد من ماتوا . وللدلالة على هذا التطور عبّر بالفعل المضارع ، أي تتجدد فينا الحياة والموت . فالمعنى : نموت ونحيا في هذه الحياة الدنيا وليس ثمة حياة أخرى . ثم إن كانت هذه الجملة محكية بلفظ كلامهم فَلَعَلها ممّا جرى مجرى المثل بينهم ، وإنْ كانت حكايَة لمعنى كلامهم فهي من إيجاز القرآن وهم إنما قالوا : يموت بعضنا ويحيَا بعضنا ثم يموت فصار كالمثل .
ولا يخطر بالبال أن حكاية قولهم : { نموت ونحيا } تقتضي إرادة نحيا بعد أن نموت لأن قولهم { ما هي إلا حياتنا الدنيا } يصرف عن خطور هذا بالبال . والعطفُ بالواو لا يقتضي ترتيباً بين المتعاطفين في الحصول .
وإنما قدم { نموت } في الذكر على { ونحيا } في البيان مع أن المبيّن قولهم { ما هي إلا حياتنا الدنيا } فكان الظاهر أن يبدأ في البيان بذكر اللفظ المبيَّن فيقال : نَحيَا ونموت ، فقيل قُدّم { نموت } لتتأتى الفاصلة بلفظ { نحيا } مع لفظ { الدنيا } . وعندي أن تقديم فعل { نموت } على { نَحيا } للاهتمام بالموت في هذا المقام لأنهم بصدد تقرير أن الموت لا حياة بعده ويتبع ذلك الاهتمام تأتي طباقين بين حياتنا الدنيا ونموت ثم بين نموت ونحيا . وحصلت الفاصلة تبعاً ، وذلك أدخل في بلاغة الإعجاز ولذلك أعقبه بقوله تعالى : { وما لهم بذلك من علم } فالإشارة ب { ذلك } إلى قولهم { وما يُهلكنا إلا الدهر } ، أي لا علم لهم بأن الدهر هو المميت إذ لا دليل .
وأما زيادة { وما يهلكنا إلا الدهر } فقصدوا تأكيد معنى انحصار الحياة والموت في هذا العالم المعبر عنه عندهم بالدهر .
فالحياة بتكوين الخلقة والممات بفعل الدهر . فكيف يرجى لمن أهلكه الدهر أن يعود حيّاً فالدهر هو الزمان المستمر المتعاقب ليله ونهاره .
والمعنى : أحياؤنا يصيرون إلى الموت بتأثير الزمان ، أي حَدثانه من طول مدة يعقبها الموت بالشيخوخة ، أو من أسباب تفضي إلى الهلاك ، وأقوالهم في هذا كثيرة ومن الشعر القديم قول عَمْرو بن قميئة :
رَمَتْنِي بناتُ الدهر من حيث لا أرى *** فمَا بال من يُرمى وليس بِرَامِ
ولعلهم يريدون أنه لو تأثر الزمان لبقي الناس أحياء كما قال أسقف نجران :
منع البقاء تقلب الشمس *** وطلوعها من حيث لا تُمسي
فلما كان الموت بفعل الدهر فكيف يرجى أن يعودوا أحياء . وهذه كلمات كانت تجري على ألسنتهم لقلة التدبر في الأمور وإن كانوا يعلمون أن الله هو الخالق للعوالم ، وأما ما يجري في العالم من التصرفات فلم يكن لهم فيه رأي وكيف وحالتهم الأمية لا تساعد على ذلك ، وكانوا يخطئون في التفاصيل حتى يأتوا بما يناقض ما يعتقدونه ، ولذلك أعقبه بقوله تعالى : { وما لهم بذلك من علم } فإشارة ب { ذلك } إلى قولهم { وما يهلكنا إلا الدهر } أي لا علم لهم بأن الدهر هو المميت إذ لا دليل على ذلك فإن الدليل النظري بَيَّن أن الدهر وهو الزمان ليس بمُميت مباشرةً وهو ظاهر ولا بواسطةٍ في الإماتة إذ الزمان أمر اعتباري لا يفعل ولا يؤثر وإنما هو مقادير يقدِّر بها الناس الأبعاد بين الحوادث مرجعه إلى تقدير حصة النهار والليل وحصص الفصول الأربعة ، وإنما توهم عامة الناس أن الزمان متصرف ، وهي توهمات شاعت حتى استقرت في الأذهان الساذجة .
والمراد بالظن في قوله : { إن هم إلا يظنون } ما ليس بعلم فهو هنا التخيل والتوهم وجملة { إن هم إلا يظنون } مبيّنة بجملة { وما لهم بذلك من علم } أو استئناف بياني كأنّ سائلاً حين سَمع قوله : { وما لهم بذلك من علم } سأل عن مستندهم في قولهم ذلك فأجيب بأنه الظن المبني على التخيل .
وجيء بالمضارع في { يظنون } لأنهم يجددون هذا الظن ويتلقاه صغيرهم عن كبيرهم في أجيالهم وما هم بمقلعين عنه .
قوله تعالى : " وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا " هذا إنكار منهم للآخرة وتكذيب للبعث وإبطال للجزاء . ومعنى : " نموت ونحيا " أي نموت نحن وتحيا أولادنا . قاله الكلبي . وقرئ " ونحيا " بضم النون . وقيل : يموت بعضنا ويحيا بعضنا . وقيل : فيه تقديم وتأخير ، أي نحيا ونموت ، وهي قراءة ابن مسعود . " وما يهلكنا إلا الدهر " قال مجاهد : يعني السنين والأيام . وقال قتادة : إلا العمر ، والمعنى واحد . وقرئ " إلا دهر يمر " . وقال ابن عيينة : كان أهل الجاهلية يقولون : الدهر هو الذي يهلكنا وهو الذي يحيينا ويميتنا ، فنزلت هذه الآية . وقال قطرب : وما يهلكنا إلا الموت ، وأنشد قول أبي ذؤيب :
أمن المَنُونِ وريبِها تَتَوَجَّعُ *** والدهرُ ليسَ بمُعْتِبٍ من يَجْزَعُ
وقال عكرمة : أي وما يهلكنا إلا الله . وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كان أهل الجاهلية يقولون ما يهلكنا إلا الليل والنهار وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا فيسبون الدهر . قال الله تعالى : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار " .
قلت : قوله " قال الله " إلى آخره نص البخاري ولفظه . وخرجه مسلم أيضا وأبو داود . وفي الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر ) . وقد استدل بهذا الحديث من قال : إن الدهر من أسماء الله . وقال : من لم يجعله من العلماء اسما إنما خرج ردا على العرب في جاهليتها ، فإنهم كانوا يعتقدون أن الدهر هو الفاعل كما أخبر الله عنهم في هذه الآية ، فكانوا إذا أصابهم ضر أو ضيم أو مكروه نسبوا ذلك إلى الدهر فقيل لهم على ذلك : لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ، أي إن الله هو الفاعل لهذه الأمور التي تضيفونها إلى الدهر فيرجع السب إليه سبحانه ، فنهوا عن ذلك . ودل على صحة هذا ما ذكره من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قال الله تبارك وتعالى يؤذيني ابن آدم . . . ) الحديث . ولقد أحسن من قال ، وهو أبو علي الثقفي :
يا عاتبَ الدهر إذا نابه *** لا تلُمِ الدهرَ على غَدْرِهِ
الدهر مأمور ، له آمر *** وينتهي الدهر إلى أمره
كم كافرٍ أمواله جَمَّةٌ *** تزداد أضعافا على كفره
ومؤمن ليس له درهم *** يزداد إيمانا على فقره
وروي أن سالم بن عبد الله بن عمر كان كثيرا ما يذكر الدهر فزجره أبوه وقال : إياك يا بني وذكر الدهر ! وأنشد :
فما الدهر بالجاني لشيء لحينه*** ولا جالبَ البلوى فلا تشتم الدهرا
ولكن متى ما يبعث الله باعثا *** على معشر يجعل مياسيرهم عسرا
وقال أبو عبيد : ناظرت بعض الملحدة فقال : ألا تراه يقول : " فإن الله هو الدهر " ؟ فقلت : وهل كان أحد يسب الله في آباد الدهر ، بل كانوا يقولون كما قال الأعشى :
إنَّ محَلاًّ وإنَّ مرتَحَلاً *** وإن في السفر إذ مضوا مَهَلاَ
استأثر الله بالوفاء وبالعد *** ل وولَّى الملامة الرجلا
قال أبو عبيد : ومن شأن العرب أن يذموا الدهر عند المصائب والنوائب ، حتى ذكروه في أشعارهم ، ونسبوا الأحداث إليه . قال عمرو بن قميئة :
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى*** فكيف بمن يُرْمَى وليس برام
فلو أنها نبل إذاً لاتقيتها *** ولكنني أرمى بغير سهام
على الراحتين مرة وعلى العصا *** أنوء ثلاثا بعدهن قيامي
ومثله كثير في الشعر . ينسبون ذلك إلى الدهر ويضيفونه إليه ، والله سبحانه الفاعل لا رب سواه . " وما لهم بذلك من علم " أي علم . و " من " زائدة ، أي قالوا ما قالوا شاكين . " إن هم إلا يظنون " أي ما هم إلا يتكلمون بالظن . وكان المشركون أصنافا ، منهم هؤلاء ، ومنهم من كان يثبت الصانع وينكر البعث ، ومنهم من كان يشك في البعث ولا يقطع بإنكاره . وحدث في الإسلام أقوام ليس يمكنهم إنكار البعث خوفا من المسلمين ، فيتأولون ويرون القيامة موت البدن ، ويرون الثواب والعقاب إلى خيالات تقع للأرواح بزعمهم ، فشر هؤلاء أضر من شر جميع الكفار ؛ لأن هؤلاء يلبسون على الحق ، ويغتر بتلبيسهم الظاهر . والمشرك المجاهر بشركه يحذره المسلم . وقيل : نموت وتحيا آثارنا . فهذه حياة الذكر . وقيل : أشاروا إلى التناسخ ، أي يموت الرجل فتجعل روحه في موات فتحيا به .