اعتراض قصد منه تسلية الرّسول صلى الله عليه وسلم والواو واو الاعتراض ، لأنّ الجملة بمنزلة الفذلكة ، وتكون للرّسول صلى الله عليه وسلم تسلية بعد ذكر ما يحزنه من أحوال كفار قومه ، وتصلبّهم في نبذ دعوته ، فأنبأه الله : بأنّ هؤلاء أعداؤه ، وأن عداوة أمثالهم سنة من سنن الله تعالى في ابتلاء أنبيائه كلّهم ، فما منهم أحد إلاّ كان له أعداء ، فلم تكن عداوة هؤلاء للنبيء عليه الصلاة والسلام بِدْعا من شأن الرّسل . فمعنى الكلام : ألَسْتَ نبيئا وقد جعلنا لكلّ نبيء عدوّا إلى آخره .
والإشارة بقوله : { وكذلك } إلى الجعل المأخوذ من فعل { جعلنا } كما تقدّم في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً } [ البقرة : 143 ] . فالكاف في محل نصب على أنّه مفعول مطلق لفعل { جعلنا } .
وقوله : { عدواً } مفعول { جعلنا } الأوّل ، وقوله : { لكل نبي } المجرور مفعول ثان ل { جعلنا } وتقديمه على المفعول الأول للاهتمام به ، لأنّه الغرض المقصود من السّياق ، إذ المقصود الإعلام بأنّ هذه سنّة الله في أنبيائه كلّهم ، فيحصل بذلك التَّأسِّي والقُدوة والتّسلية ؛ ولأن في تقديمه تنبيهاً من أول السمع على أنه خبر ، وأنه ليس متعلّقا بقوله : { عدواً } كيلا يخال السّامع أنّ قوله : { شياطين الإنس } مفعول لأنّه يُحَوّل الكلام إلى قصد الإخبار عن أحوال الشّياطين ، أو عن تعيين العدوّ للأنبياء من هو ، وذلك ينافي بلاغة الكلام .
و { شياطين } بدل من { عدواً } وإنَّما صيغ التّركيب هكذا : لأنّ المقصود الأوّل الإخبار بأنّ المشركين أعداء للرّسول صلى الله عليه وسلم فمن أعرب { شياطين } مفعولاً ل { جَعل } و { لكل نبي } ظرفاً لغواً متعلِّقاً ب { عدوّا } فقد أفسد المعنى .
والعَدُوّ : اسم يقع على الواحد والمعتددّ ، قال تعالى : { هم العدوّ فاحذرهم } [ المنافقون : 4 ] وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى : { فإن كان من قوم عدوّ لكم } في سورة النساء ( 92 ) .
والشّيطان أصله نوع من الموجودات المجرّدة الخفية ، وهو نوع من جنس الجنّ ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشّياطين على ملك سليمان } [ البقرة : 102 ] . ويطلق الشّيطان على المضلّل الّذي يفعل الخبائث من النّاس على وجه المجاز . ومنه « شياطين العرب » لجماعة من خباثهم ، منهم : ناشب الأعور ، وابنُه سعد بن ناشب الشّاعر ، وهذا على معنى التّشبيه ، وشاع ذلك في كلامهم .
والإنس : الإنسان وهو مشتقّ من التأنّس والإلْف ، لأنّ البشر يألف بالبشر ويأنس به ، فسمّاه إنساً وإنساناً .
و« شياطين الإنس » استعارة للنّاس الّذين يفعلون فعل الشّياطين : من مكر وخديعة . وإضافة شياطين إلى الإنس إضافة مجازية على تقدير ( مِن ) التبعيضية مجازا ، بناء على الاستعارة التي تقتضي كون هؤلاء الإنس شياطين ، فهم شياطين ، وهم بعض الإنس ، أي أنّ الإنس : لهم أفراد متعارفة ، وأفراد غير متعارفة يطلق عليهم اسم الشّياطين ، فهي بهذا الاعتبار من إضافة الأخصّ من وجهٍ إلى الأعمّ من وجهٍ ، وشياطين الجنّ حقيقة ، والإضافة حقيقة ، لأنّ الجنّ منهم شياطين ، ومنهم غير شياطين ، ومنهم صالحون ، وعداوة شياطين الجنّ للأنبياء ظاهرة ، وما جاءت الأنبياء إلاّ للتحذير من فعل الشّياطين ، وقد قال الله تعالى لآدم : { إنّ هذا عدوّ لك ولزوجك } [ طه : 117 ] .
وجملة { يوحى } في موضع الحال ، يتقيّد بها الجَعل المأخوذ من { جعلنا } فهذا الوحي من تمام المجعول .
والوحي : الكلام الخفي ، كالوسوسة ، وأريد به ما يشمل إلقاء الوسوسة في النّفس من حديث يُزوّر في صورة الكلام . والبعض الموحي : هو شياطين الجنّ ، يُلقون خواطر المقدرة على تعليم الشرّ إلى شياطين الإنس ، فيكونون زعماء لأهل الشرّ والفساد .
والزّخرف : الزّينة ، وسمّي الذهب زُخرفاً لأنَّه يتزيَّن به حَلياً ، وإضافة الزخرف إلى القول من إضافة الصّفة إلى الموصوف ، أي القول الزُخرف : أي المُزَخْرَف ، وهو من الوصف بالجامد الّذي في معنى المشتق ، إذ كان بمعنى الزيْن . وأفهم وصف القول بالزُخرف أنّه محتاج إلى التّحسين والزخرفَة ، وإنَّما يحتاج القول إلى ذلك إذا كان غير مشتمل على ما يكسبه القبول في حدّ ذاته ، وذلك أنّه كان يفضي إلى ضُرّ يحتاج قائله إلى تزيينه وتحسينه لإخفاء ما فيه من الضرّ ، خشية أن ينفر عنه من يُسوله لهم ، فذلك التّزيين ترويج يستهوون به النّفوس ، كما تموّه للصّبيان اللُّعب بالألوان والتذهيب .
وانتصب { زخرف القول } على النيابة عن المفعول المطلق من فِعل { يوحى } لأنّ إضافة الزّخرف إلى القول ، الّذي هو من نوع الوحي ، تجعل { زخرف } نائياً عن المصدر المبيِّن لنوع الوحي .
والغرور : الخِداع والإطماع بالنّفع لقصد الإضرار ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : { لا يغرنَّك تقلّب الذين كفروا في البلاد } في سورة آل عمران ( 196 ) . وانتصب { غروراً } على المفعول لأجله لفعل { يوحى } ، أي يرحون زخرف القول ليَغُرّوهم .
والقول في معنى المشيئة من قوله : { ولو شاء ربك ما فعلوه } كالقول في { ما كانوا ليؤمنوا إلاّ أن يشاء الله } [ الأنعام : 111 ] وقوله : { ولو شاء الله ما أشركوا } [ الأنعام : 107 ] والجملة معترضة بين المفعول لأجله وبين المعطوف عليه .
والضّمير المنصُوبُ في قوله : { فعلوه } عائد إلى الوحي . المأخوذ من { يوحى } أو إلى الإشراك المتقدّم في قوله : { ولو شاء الله ما أشركوا } [ الأنعام : 107 ] أو إلى العداوة المأخوذة من قوله : { لكل نبي عدواً } .
والضّمير المرفوع عائد إلى { شياطين الإنس والجن } ، أو إلى المشركين ، أو إلى العدوّ ، وفرع عليه أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتركهم وافتراءَهم ، وهو تركُ إعراضضٍ عن الاهتمام بغرورهم ، والنكدِ منه ، لا إعْراض عن وعظهم ودعوتهم ، كما تقدّم في قوله : { وأعرض عن المشركين } . والواو بمعنى مع .
{ وما يفترون } مَوصول منصوب على المفعول معه . وما يفترونه هو أكاذيبهم الباطلة من زعمهم إلهية الأصنام ، وما يتبع ذلك من المعتقدات الباطلة .
قوله تعالى : " وكذلك جعلنا لكل نبي " يعزي نبيه ويسليه ، أي كما ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك . " عدوا " أي أعداء . ثم نعتهم فقال " شياطين الإنس والجن " حكى سيبويه جعل بمعنى وصف . " عدوا " مفعول أول . " لكل نبي " في موضع المفعول الثاني . " شياطين الإنس والجن " بدل من عدو . ويجوز أن يكون " شياطين " مفعولا أول ، " عدوا " مفعولا ثانيا ، كأنه قيل : جعلنا شياطين الإنس والجن عدوا . وقرأ الأعمش : " شياطين الجن والإنس " بتقديم الجن . والمعنى واحد . " يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا " عبارة عما يوسوس به شياطين الجن إلى شياطين الإنس . وسمي وحيا لأنه إنما يكون خفية ، وجعل تمويههم زخرفا لتزيينهم إياه ، ومنه سمي الذهب زخرفا . وكل شيء حسن مموه فهو زخرف . والمزخرف المزين . وزخارف الماء طرائقه . و " غرورا " نصب على المصدر ، لأن معنى " يوحي بعضهم إلى بعض " يغرونهم بذلك غرورا . ويجوز أن يكون في موضع الحال . والغرور الباطل . قال النحاس : وروي عن ابن عباس بإسناد ضعيف أنه قال في قول الله عز وجل " يوحي بعضهم إلى بعض " قال : مع كل جني شيطان ، ومع كل إنسي شيطان ، فيلقى أحدهما الآخر فيقول : إني قد أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله . ويقول الآخر مثل ذلك ، فهذا وحي بعضهم إلى بعض . وقاله عكرمة والضحاك والسدي والكلبي . قال النحاس : والقول الأول يدل عليه " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم{[6656]} " [ الأنعام :121 ] ؛ فهذا يبين معنى ذلك .
قلت : ويدل عليه من صحيح السنة قوله عليه السلام : ( ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن ) قيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ( ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير ) . روي ( فأسلم ) برفع الميم ونصبها . فالرفع على معنى فأسلم من شره . والنصب على معنى فأسلم هو . فقال : ( ما منكم من أحد ) ولم يقل ولا من الشياطين ، إلا أنه يحتمل أن يكون نبه على أحد الجنسين بالآخر ، فيكون من باب " سرابيل تقيكم الحر{[6657]} " [ النحل : 81 ] وفيه بعد ، والله أعلم . وروى عوف بن مالك عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن ) ؟ قال قلت : يا رسول الله ، وهل للإنس من شياطين ؟ قال : ( نعم هم شر من شياطين الجن ) . وقال مالك بن دينار : إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن ، وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن ، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانا . وسمع عمر بن الخطاب رضي الله{[6658]} عنه امرأة تنشد :
إن النساء رياحين خلقن لكم *** وكلكم يشتهي شَمَّ الرياحين
إن النساء شياطين خلقن لنا *** نعوذ بالله من شر الشياطين
قوله تعالى : " ولو شاء ربك ما فعلوه " أي ما فعلوا إيحاء القول بالغرور . " فذرهم " أمر فيه معنى التهديد . قال سيبويه : ولا يقال وذر ولا ودع ، استغنوا عنهما{[6659]} بترك .
قلت : هذا إنما خرج على الأكثر . وفي التنزيل : " وذر الذين{[6660]} " و " ذرهم " و " ما ودعك{[6661]} " [ الضحى : 3 ] . وفي السنة ( لينتيهن أقوام عن ودعهم الجمعات ) . وقول : ( إذا فعلوا - يريد المعاصي - فقد تودع منهم ) . قال الزجاج : الواو ثقيلة ، فلما كان " ترك " ليس فيه واو بمعنى ما فيه الواو ترك ما فيه الواو . وهذا معنى قوله وليس بنصه .