نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ} (112)

ولما كان مضمون ما تقدم إثبات عداوة الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم ، كان كأنه قيل تسلية له وتثبيتاً لفؤاده : فقد جعلناهم{[30842]} أعداء لك لأنك عالم ، والجاهلون لأهل العلم أعداء { وكذلك } أي ومثل ما جعلنا لك أعداء من كفار الإنس والجن { جعلنا لكل نبي } أي ممن كان قبلك ، وعبر عن الجمع بالمفرد - و{[30843]} المراد به الجنس - إشارة إلى أنهم يد واحدة في العداوة فقال : { عدواً } وبين أن المراد به الجنس ، وأنهم أهل الشر فقال مبدلاً : { شياطين } أي أشرار{[30844]} { الإنس والجن } المتمردين منهم ، وربما استعان شيطان الجن شيطان الإنس لقرب قلبه منه ، أم{[30845]} يكون نوعه إليه أميل ، وأشار إلى هوان أمرهم وسوء عاقبتهم بقوله : { يوحي بعضهم } أي الشياطين من النوعين { إلى بعض } أي يكلمه في خفاء { زخرف القول } أي مزينه ومنمقه .

ولما كان هذا يدل على أنه - لكونه لا حقيقة له - لولا الزخرفة ما قيل ، زاده بياناً بقوله : { غروراً } أي لأجل أن يغروهم بذلك ، أي يخدعوهم فيصيروا لقبولهم كلامهم كالغافلين الذين شأنهم عدم التحفظ ، والغرور هو الذي يعتقد{[30846]} فيه النفع وليس بنافع .

ولما كان أول الآية معلماً أن هذا كان{[30847]} بمشيئة الله وجعله ، أيد ذلك ومكنه في آخرها بأنه لو شاء ما كان ، وكل ذلك غيرة{[30848]} على مقام الإلهية وتنزيهاً لصفة الربوبية أن يخرج شيء عنها فيدل على الوهن ، ويجر قطعاً إلى اعتقاد العجز ، فقال : { ولو شاء } ولما كان في بيان أعدائه صلى الله عليه وسلم والمسلطين عليه ، أشار{[30849]} إلى أن ذلك لإكرامه وإعزازه ، لا لهوانه ، فقال { ربك } أي بما له إليك من حسن التربية وغزير الإحسان مع ما له من تمام العلم وشمول القدرة ، أن لا يفعلوه { ما فعلوه } أي هذا الذي أنبأتك به من عداوتهم وما تفرع عليها{[30850]} .

ولما قرر أن هذا من باب التربية فعاقبته إلى خير ، سبب{[30851]} عنه قطعاً قوله : { فذرهم } أي اتركهم على أيّ حالة اتفقت { وما يفترون * } أي يتعمدون{[30852]} كذبه واختلافه ، واذكر ما لربك عليك من العاطفة لتعلم أن الذي سلطهم على هذا في غاية الرأفة بك والرحمة لك وحسن التربية كما لا{[30853]} يخفى عليك ، فثق به واعلم أن له في هذا لطيف سريرة تدق عن الأفكار ، بخلاف الآيات الآتية التي عبر فيها باسم الجلالة ، فإنها{[30854]} في عظيم تجرئهم على مقام الإلهية .


[30842]:في ظ: جعلنا.
[30843]:سقطت الواو من ظ.
[30844]:من ظ، وفي الأصل: شرار.
[30845]:في ظ: ثم.
[30846]:في ظ: يتفند.
[30847]:سقط من ظ.
[30848]:في ظ: عبرة.
[30849]:من ظ، وفي الأصل: إشارة.
[30850]:في ظ: عليهم.
[30851]:في ظ: تسبب.
[30852]:في ظ: يتعمد.
[30853]:زيد من ظ.
[30854]:في ظ: فإنه.