التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ} (4)

التفات من ذكر القصتين إلى موعظة من تعلقت بهما فهو استئناف خطاب وجهه الله إلى حفصة وعائشة لأن إنباء النبي صلى الله عليه وسلم بعلمه بما أفشته القصد منه الموعظة والتحذير والإِرشاد إلى رأْب ما انثلم من واجبها نحو زوجها . وإذ قد كان ذلك إثماً لأنه إضاعة لحقوق الزوج وخاصة بإفشاء سرّه ذكَّرها بواجب التوبة منه .

وخطاب التّثنية عائدة إلى المنبئة والمنأبة فأمّا المنبئة فمعادها مذكور في الكلام بقوله : { إلى بعض أزواجه } [ التحريم : 3 ] .

وأما المنبَّأة فمعادها ضمنيّ لأن فعل { نبأت } [ التحريم : 3 ] يقتضيه فأما المنبَّئة فأمرها بالتوبة ظاهر . وأما المُذاع إليها فلأنها شريكة لها في تلقي الخبر السر ولأن المذيعة ما أذاعت به إليها إلا لعلمها بأنها ترغب في تطلع مثل ذلك فهاتان موعظتان لمذيع السرّ ومشاركة المذاع إليه في ذلك وكان عليها أن تنهاها عن ذلك أو أن تخبر زوجها بما أذاعته عنه ضرتها .

و { صَغت } : مالت ، أي مالت إلى الخير وحق المعاشرة مع الزوج ، ومنه سمي سماع الكلام إصغاء لأن المستمع يُميل سمعه إلى من يكلمه ، وتقدم عند قوله تعالى : { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } في سورة [ الأنعام : 113 ] . وفيه إيماء إلى أن فيما فعَلَتَاه انحرافاً عن أدب المعاشرة الذي أمر الله به وأن عليهما أن تتوبا مما صنعتاه ليقع بذلك صلاح ما فسد من قلوبهما .

وهذان الأدَبَان الثامن والتاسع من الآداب التي اشتملت عليها هذه الآيات .

والتوبة : الندم على الذنب ، والعزم على عدم العودة إليه وسيأتي الكلام عليها في هذه السورة .

وإذْ كان المخاطب مثنَّى كانت صيغة الجمع في ( قلوب ) مستعملة في الاثنين طلباً لخفة اللفظ عند إضافته إلى ضمير المثنى كراهية اجتماع مثنيين فإن صيغة التثنية ثقيلة لقلة دورانها في الكلام . فلما أُمن اللبس ساغ التعبير بصيغة الجمع عن التثنية .

وهذا استعمال للعرب غير جار على القياس . وذلك في كل اسم مثنى أضيف إلى اسم مثنى فإن المضاف يصير جمعاً كما في هذه الآية وقول خطام المجُاشعي :

ومَهمهين قَذَفين مَرْتَيْنْ *** ظهراهما مثلُ ظُهور التُرسين

وأكثر استعمال العرب وأفصحه في ذلك أن يعبروا بلفظ الجمع مضافاً إلى اسم المثنى لأن صيغة الجمع قد تطلق على الاثنين في الكلام فهما يتعاوران . ويقلّ أن يؤتى بلفظ المفرد مضافاً إلى الاسم المثنى . وقال ابن عصفور : هو مقصور على السماع .

وذكر له أبو حيّان شاهداً قول الشاعر :

حمامةَ بطننِ الواديين ترنّمي *** سقاك من الغُرّ الغوادي مطيرها

وفي « التسهيل » : ترجيح التعبير عن المثنى المضاففِ إلى مثنى باسممٍ مفرد ، على التعبير عنه بلفظ المثنى . وقال أبو حيّان في « البحر المحيط » : إن ابن مالك غلط في ذلك . قلت : وزعم الجاحظ في كتاب « البيان والتبيين » ، أن قول القائل : اشترِ رأسَ كبشين يريد رأسَيْ كبشين خطأ .

قال : لأن ذلك لا يكون اه . وذلك يؤيد قول ابن عصفور بأن التعبير عن المضاففِ المثنى بلفظ الإِفراد مقصور على السماع ، أي فلا يصار إليه . وقيّد الزمخشري في « المفصل » هذا التعبير بقيد أن لا يكون اللفظان متصلين . فقال : « ويُجعل الاثنان على لفظ جمع إذا كانا متصلين كقوله : { فقد صغت قلوبكما } ولم يقولوا في المنفصلين : أفراسهما ولا غلمانهما . وقد جاء وضَعا رحالهما » . فخالف إطلاق ابن مالك في « التسهيل » وطريقة صاحب « المفصل » أظهر .

وقوله : { وإن تظّاهرا عليه } هو ضد { إن تتوبا } أي وإن تصرّا على العود إلى تألبكما عليه فإن الله مولاه الخ .

والمظاهرة : التعاون ، يقال : ظاهره ، أي أيده وأعانه . قال تعالى : { ولم يظاهروا عليكم أحداً } في سورة [ براءة : 4 ] . ولعلّ أفعال المظاهر ووصف ظهير كلها مشتقة من الاسم الجامد ، وهو الظَّهر لأن المعين والمؤيد كأنه يشد ظَهر من يعينه ولذلك لم يسمع لهذه الأفعال الفرعية والأوصاف المتفرعة عنها فعل مجرد . وقريب من هذا فعل عَضَد لأنهم قالوا : شَد عضده .

وأصل { تظّاهرا } تتظاهرا فقلبت التاء ظاء لقرب مخرجيها وأدغمت في ظاء الكلمة وهي قراءة الجمهور . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي { تَظَاهرا } بتخفيف الظاء على حذف إحدى التاءين للتخفيف .

{ وصالحُ } مفرد أريد به معنى الفريق الصالح أو الجنس الصالح من المؤمنين كقوله تعالى : { فمنهم مهتد } [ الحديد : 26 ] . والمراد ب { صالح المؤمنين } المؤمنون الخالصون من النفاق والتردد .

وجملة { فإن الله هو مولاه } قائمة من مقام جواب الشرط معنى لأنها تفيد معنى يتولّى جزاءكما على المظاهرة عليه ، لأن الله مولاه . وفي هذا الحذف مجال تذهب فيه نفس السامع كل مذهب من التهويل .

وضمير الفصل في قوله : { هو مولاه } يفيد القصر على تقدير حصول الشرط ، أي إن تظاهرتما متناصرتين عليه فإن الله هو ناصره لا أنتما ، أي وبطل نصركما الذي هو واجبكما إذْ أخللتما به على هذا التقدير . وفي هذا تعريف بأن الله ناصر رسولَه صلى الله عليه وسلم لئلا يقع أحد من بعد في محاولة التقصير من نصره .

فهذا المعنى العاشر من معاني الموعظة والتأديب التي في هذه الآيات .

وعطفُ { وجبريل وصالح المؤمنين } في هذا المعنى تنويه بشأن رسول الوحي من الملائكة وشأن المؤمنين الصالحين . وفيه تعريض بأنهما تكونان ( على تقدير حصول هذا الشرط ) من غير الصالحين .

وهذان التنويهان هما المعنيان الحادي عشر والثاني عشر من المعاني التي سبقت إشارتي إليها .

وقوله : { والملائكة بعد ذلك ظهير } عطف جملةٍ على التي قبلها ، والمقصود منه تعظيم هذا النصر بوفرة الناصرين تنويهاً بمحبة أهل السماء للنبيء صلى الله عليه وسلم وحسننِ ذكره بينهم فإن ذلك مما يزيد نصر الله إياه شأناً .

وفي الحديث « إذا أحب الله عبداً نادى جبريل إني قد أحببت فلاناً فأحِبَّه فيحبُّه جبريل ثم ينادي جبريلُ في أهل السماء إن الله قد أحب فلاناً فأحِبُّوه فيحبُّه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض » .

فالمراد بأهل الأرض فيه المؤمنون الصالحون منهم لأن الذي يحبه الله يحبّه لصلاحه والصالح لا يحبّه أهل الفساد والضلال . فهذه الآية تفسيرها ذلك الحديث .

وهذا المعنى الثالث عشر من معاني التعليم التي حوتها الآيات .

وقوله : { بعد ذلك } اسم الإِشارة فيه للمذكور ، أي بعد نصر الله وجبريل وصالح المؤمنين .

وكلمة { بعد } هنا بمعنى ( مع ) فالبَعدية هنا بَعدية في الذّكر كقوله : { عتل بعد ذلك زنيم } [ القلم : 13 ] .

وفائدة ذكر الملائكة بعد ذكر تأييد الله وجبريل وصالح والمؤمنين أن المذكورين قبلهم ظاهره آثار تأييدهم بوحي الله للنبي صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل ونصره إياه بواسطة المؤمنين فنبه الله المرأتين على تأييد آخر غيرِ ظاهرة آثاره وهو تأييد الملائكة بالنصر في يوم بدر وغير النصر من الاستغفار في السماوات ، فلا يتوهم أحد أن هذا يقتضي تفضيل نصرة الملائكة على نصرة جبريل بَلْه نصرة الله تعالى .

و { ظهير } وصف بمعنى المظاهر ، أي المؤيد وهو مشتقّ من الظهر ، فهو فعيل بمعنى مفاعل مثل حكيم بمعنى محكم كما تقدم آنفاً في قوله : { وإن تظاهرا عليه } ، وفعيل الذي ليس بمعنى مفعول أصله أن يطابق موصوفه في الإِيراد وغيره فإن كان هنا خبراً عن الملائكة كما هو الظاهر كان إفراده على تأويل جمع الملائكة بمعنى الفَوج المظاهر أو هو من إجراء فعيل الذي بمعنى فاعل مجرى فعيل بمعنى مفعول . كقوله تعالى : { إن رحمة الله قريب من المحسنين } [ الأعراف : 56 ] ، وقوله : { وكان الكافر على ربه ظهيراً } [ الفرقان : 55 ] وقوله : { وحسن أولئك رفيقاً } [ النساء : 69 ] ، وإن كان خبراً عن جبريل كان { صالح المؤمنين والملائكة } عطفاً على جبريل وكان قولُه { بعد ذلك } حالاً من الملائكة .

وفي الجمع بين { أظهره الله عليه } [ التحريم : 3 ] وبين { وإن تظاهرا عليه } وبين { ظهير } تجنيسات .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ} (4)

قوله تعالى : " إن تتوبا إلى الله " يعني حفصة وعائشة ، حثهما على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم . " فقد صغت قلوبكما " أي زاغت ومالت عن الحق . وهو أنهما أحبتا ما كره النبي صلى الله عليه وسلم من اجتناب جاريته واجتناب العسل ، وكان عليه السلام يحب العسل والنساء . قال ابن زيد : مالت قلوبهما بأن سرهما أن يحتبس عن أم ولده ، فسرهما ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقيل : فقد مالت قلوبكما إلى التوابة . وقال : " فقد صغت قلوبكما " ولم يقل : فقد صغى قلباكما ، ومن شأن العرب إذا ذكروا الشيئين ، من اثنين جمعوهما ؛ لأنه لا يشكل . وقد مضى هذا المعنى في " المائدة " في قوله تعالى : " فاقطعوا أيديهما{[15133]} " [ المائدة : 38 ] . وقيل : كلما ثبتت الإضافة فيه مع التثنية فلفظ الجمع أليق به ؛ لأنه أمكن وأخف . وليس قوله : " فقد صغت قلوبكما " جزاء للشرط ، لأن هذا الصغو كان سابقا ، فجواب الشرط محذوف للعلم به . أي إن تتوبا كان خيرا لكما ، إذ قد صغت قلوبكما .

قوله تعالى : " وإن تظاهرا عليه " أي تتظاهرا وتتعاونا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمعصية والإيذاء . وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال : مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له ، حتى خرج حاجا فخرجت معه ، فلما رجع فكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك{[15134]} لحاجة له ، فوقفت حتى فرع ، ثم سرت معه فقلت : يا أمير المؤمنين ، من اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه ؟ فقال : تلك حفصة وعائشة . قال فقلت له : والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك . قال : فلا تفعل ، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه ، فإن كنت أعلمه أخبرتك . . . وذكر الحديث .

" فإن الله هو مولاه " أي وليه وناصره ، فلا يضره ذلك التظاهر منهما . " وجبريل وصالح المؤمنين " قال عكرمة وسعيد بن جبير : أبو بكر وعمر ، لأنهما أبوا عائشة وحفصة ، وقد كانا عونا له عليهما . وقيل : صالح المؤمنين علي رضي الله عنه . وقيل : خيار المؤمنين . وصالح : اسم جنس كقوله تعالى : " والعصر . إن الإنسان لفي خسر " [ العصر : 2 ] ، قاله الطبري . وقيل : " صالح المؤمنين " هم الأنبياء ، قاله العلاء بن زيادة وقتادة وسفيان . وقال ابن زيد : هم الملائكة . السدي : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : " صالح المؤمنين " ليس لفظ الواحد وإنما هو صالحو المؤمنين ، فأضاف الصالحين إلى المؤمنين ، وكتب بغير واو على اللفظ ؛ لأن لفظ الواحد والجمع واحد فيه . كما جاءت أشياء في المصحف متنوع فيها حكم اللفظ دون وضع الخط . وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال : حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما اعتزل نبي الله صلى الله عليه وسلم نساءه قال دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون{[15135]} بالحصى ويقولون : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه{[15136]} - وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب - فقال عمر : فقلت لأعلمن ذلك اليوم ، قال فدخلت على عائشة فقلت : يا ابنة أبي بكر ، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقالت : مالي ومالك يا ابن الخطاب ! عليك بِعَيْبَتِك{[15137]} ! قال : فدخلت على حفصة بنت عمر فقلت لها : يا حفصة ، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ! والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك ، ولولا أنا لطلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم . فبكت أشد البكاء ، فقلت لها : أين رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : هو في خزانته في المشربة . فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا على أُسْكُفّة{[15138]} المشربة مدل رجليه على نقير من خشب ، وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر . فناديت : يا رباح ، استأذن لي عندك على رسول الله ، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئا . ثم قلت : يا رباح ، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئا . ثم رفعت صوتي فقلت : يا رباح ، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أني جئت من أجل حفصة ، والله لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها لأضربن عنقها ، ورفعت صوتي فأومأ إلي أن اِرْقَه ؛ فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير ، فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره ، وإذا الحصير قد أثر في جنبه ، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ، ومثلها قرظا في ناحية الغرفة ؛ وإذا أَفِيقٌ{[15139]} معلق - قال - فابتدرت عيناي . قال : ( ما يبكيك يا ابن الخطاب ) ؟ قلت يا نبي الله ، ومالي لا أبكى وهذا الحصير قد أثر في جنبك ، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى ! وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوته ، وهذه خزانتك ! فقال : ( يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا ) قلت : بلى . قال : ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب ، فقلت : يا رسول الله ، ما يشق عليك من شأن النساء ، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل ، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك . وقلما تكلمت - وأحمد الله - بكلام إلا رجوت أن يكون الله عز وجل يصدق قولي الذي أقول{[15140]} ونزلت هذه الآية ، آية التخيير : " عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن " [ التحريم : 5 ] . " وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير " .

وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقلت : يا رسول الله ، أطلقتهن ؟ قال : ( لا ) . قلت : يا رسول الله ، إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى يقولون : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن ؟ قال : ( نعم إن شئت ) . فلم أزل أحدثه حتى تَحَسَّر الغضب عن وجهه ، وحتى كَشَر{[15141]} فضحك ، وكان من أحسن الناس ثغرا . ثم نزل نبي الله صلى الله عليه وسلم ونزلت ، فنزلت أتشبث بالجذع ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده . فقلت : يا رسول الله ، إنما كنت في الغرفة تسعا وعشرين . قال : ( إن الشهر يكون تسعا وعشرين ) فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي : لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه . ونزلت هذه الآية : " وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم{[15142]} " [ النساء : 83 ] . فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر ، وأنزل الله آية التخيير .

قوله تعالى : " وجبريل " فيه لغات تقدمت في سورة " البقرة{[15143]} " . ويجوز أن يكون معطوفا على " مولاه " والمعنى : الله وليه وجبريل وليه ، فلا يوقف على " مولاه " ويوقف على " جبريل " ويكون " وصالح المؤمنين " مبتدأ " والملائكة " معطوفا عليه . و " ظهير " خبرا ، وهو بمعنى الجمع . وصالح المؤمنين أبو بكر ، قاله المسيب بن شريك . وقال سعيد بن جبير : عمر . وقال عكرمة : أبو بكر وعمر . وروي شقيق عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى : " فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين " قال : إن صالح المؤمنين أبو بكر وعمر . وقيل : هو علي . عن أسماء بنت عميس قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( " وصالح المؤمنين " علي بن أبي طالب ) . وقيل غير هذا مما تقدم القول فيه . ويجوز أن يكون " وجبريل " مبتدأ وما بعده معطوفا عليه . والخبر ( ( ظهير " وهو بمعنى الجمع أيضا . فيوقف على هذا على " مولاه " . ويجوز أن يكون " جبريل وصالح المؤمنين " معطوفا على " مولاه " فيوقف على " المؤمنين " ويكون " والملائكة بعد ذلك ظهير " ابتداء وخبرا . ومعنى " ظهير " أعوان . وهو بمعنى ظهراء ، كقوله تعالى : " وحسن أولئك ، رفيقا{[15144]} " [ النساء : 69 ] . وقال أبو علي : قد جاء فعيل للكثرة كقوله تعالى : " ولا يسأل حميم حميما . يبصرونهم{[15145]} " [ المعارج :11 ] . وقيل : كان التظاهر منهما في التحكم على النبي صلي اله عليه وسلم في النفقة ، ولهذا آلى منهن شهرا واعتزلهن . وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله قال : دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم ، قال : فأذن لأبي بكر فدخل ، ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له ، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا - قال - فقال لأقولن شيئا أضحك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( هن حولي كما ترى يسألنني النفقة ) . فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها ، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها ، كلاهما يقول : تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده ! فقلن : والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ليس عنده . ثم اعتزلهن شهرا أو تسعا وعشرين . ثم نزلت عليه هذه الآية : " يا أيها النبي قل لأزواجك " حتى بلغ " للمحسنات منكن أجرا عظيما " [ الأحزاب : 28 ] الحديث . وقد ذكرناه في سورة{[15146]} " الأحزاب " .


[15133]:راجع جـ 6 ص 173.
[15134]:الأراك: الشجر، واحدته أراكة.
[15135]:أي يضربون به الأرض، كفعل المهموم المفكر.
[15136]:ما بين المربعين ساقط من أ، ح، س.
[15137]:أي عليك بوعظ بنتك حفصة، والعيبة: وعاء يجعل الإنسان فيه أفضل ثيابه ونفيس متاعه، فشبهت ابنته بها.
[15138]:الأسكفة: العتبة.
[15139]:الأفيق: هو الجلد الذي لم يتم دباغه.
[15140]:زيادة من صحيح مسلم.
[15141]:أي أبدى أسنانه تبسما.
[15142]:راجع جـ 5 ص 291.
[15143]:راجع جـ 2 ص 37.
[15144]:راجع جـ 5 ص 271.
[15145]:راجع ص 284 من هذا الجزء.
[15146]:راجع جـ 14 ص 162.