التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (157)

تقديم وصف الرسول لأنه الوصف الأخص الأهم ، ولأن في تقديمه زيادة تسجيل لتحريف أهل الكتاب ، حيث حذفوا هذا الوصف ليصير كلام التوراة صادقاً بمن أتى بعد موسى من أنبياء بني إسرائيل ، ولأن محمداً صلى الله عليه وسلم اتشهر بوصف النبي الأمي ، فصار هذا المركب كاللقب له ، فلذلك لا يغير عن شهرته ، وكذلك هو حيثما ورد ذكره في القرآن .

والأمي : الذي لا يعرف الكتابة والقراءة ، قيل هو منسوب إلى الأم أي هو أشبه بأمه منه بأبيه ، لأن النساء في العرب ما كُنّ يعرفن القراءة والكتابة ، وما تعلمْنها إلاّ في الإسلام ، فصار تعلم القراءة والكتابة من شعار الحرائر دون الإماء كما قال عُبيْد الراعي ، وهو إسلامي :

هُنَّ الحرائِر لا ربّاتُ أخمرَة *** سُودُ المحاجِر لا يقْرأن بالسّوَرِ

أما الرجال ففيهم من يقرأ ويكتب .

وقيل : منسوب إلى الأمّة أي الذي حاله حال معظم الأمة ، أي الأمة المعهودة عندهم وهي العربية ، وكانوا في الجاهلية لا يعرف منهم القراءة والكتابة إلاّ النادر منهم ، ولذلك يصفهم أهلُ الكتاب بالأُمييّن ، لما حكى الله تعالى عنهم في قوله : { ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأُميين سبيل } في آل عمران ( 75 ) .

والأميّة وصف خص الله به من رسله محمداً ، إتماماً للإعجاز العلمي العقلي الذي أيده الله به ، فجعل الأمية وصفاً ذاتياً له ، ليتم بها وصفه الذاتي وهو الرسالة ، ليظهر أن كماله النفساني كمالٌ لدُنّي إلهي ، لا واسطة فيه للأسباب المتعارفة للكمالات ، وبذلك كانت الأمية وصف كمال فيه ، مع أنها في غيره وصف نقصان ، لأنه لمّا حصل له من المعرفة وسداد العقل ما لا يحتمل الخطأ في كل نواحي معرفة الكمالات الحق ، وكان على يقين من علمه ، وبينة من أمره ، ما هو أعظم مما حصل للمتعلمين ، صارت أميته آية على كون ما حصل له إنّما هو من فيوضات إلهية .

ومعنى : { يجدونه مكتوباً } وجدان صفاته ونعوته ، التي لا يشبهه فيها غيره ، فجعلت خاصته بمنزلة ذاته . وأطلق عليها ضمير الرسول النبي الأمي مجازاً بالاستخدام ، وإنما الموجود نعته ووصفه ، والقرينة قوله : { مكتوباً } فإن الذات لا تكتب ، وعُدل عن التعبير بالوصف للدلالة على أنهم يجدون وصفاً لا يقبل الالتباس ، وهو : كونه أمياً ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويُحل الطيبات ، ويحرم الخبائث ، ويضع عنهم إصرهم ، وشدة شريعتهم .

وذكرالإنجيل هنا لأنه منزل لِبني إسرائيل ، وقد آمن به جمع منهم ومن جاء بعدهم من خلفهم ، وقد أعلم الله موسى بهذا .

والمكتوب في التوراة هو ما ذكرناه آنفاً ، والمكتوب في الإنجيل بشارات جمة بمحمد صلى الله عليه وسلم وفي بعضها التصريح بأنه يبعث بعثة عامة ، ففي إنجيل متّى في الإصحاح الرابع والعشرين « ويقوم أنبياء كذَبةٌ كثيرون ويُضلون كثيرون ، ولكن الذي يصبر إلى المنتهى ( أي يدوم شرعه إلى نهاية العالم ) فهذا يخلص ويكرز{[241]} ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يأتي المنتهى » ( أي منتهى الدنيا ) ، وفي إنجيل يوحنا في الإصحاح الرابع عشر « وإما المُعزّي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلتُه لكم » ( ومعنى باسمي أي بمماثلتي وهو كونه رسولاً مشرعاً لا نبيّاً موكداً ) .

وتقدم ذكر التوراة والإنجيل في أول سورة آل عمران .

وجملة : { يأمرهم بالمعروف } قال أبو علي الفارسي : « هي بيان للمكتوب عندهم ولا يجوز أن تكون حالاً من ضمير { يجدونه } لأن الضمير راجع للذكر والاسم . والذكر والاسم لا يأمران » أي فتعين كون الضمير مجازاً ، وكون الآمر بالمعروف هو ذات الرسول لا وصفه وذِكرُه ، ولا شك أن المقصود من هذه الصفات تعريفهم بها ؛ لتدلهم على تعيين الرسول الأمي عند مجيئه بشريعة هذه صفاتها .

وقد جعل الله المعروف والمنكر ، والطيبات ، والخبائث ، والإصر والأغلال متعلقات لتشريع النبي الأمي وعلامات ، فوجب أن يكون المراد منها ما يتبادر من معاني ألفاظها للأفهام المستقيمة .

فالمعروفُ شامل لكل ما تقبلُه العقول والفطر السليمة ، والمنكر ضده ، وقد تقدم بيانهما عند قوله تعالى : { ولتْكُن منكم أمة يَدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } في سورة آل عمران ( 104 ) .

ويجمعها معنى : الفطرة ، التي هي قوام الشريعة المحمدية كما قال تعالى : { فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها } [ الروم : 30 ] ، وهذه أوضح علامة لتعرف أحكام الشريعة المحمدية .

والطيبات : جمع طيبة ، وقد روعي في التأنيث معنى الأكِيلة ، أو معنى الطُّعمة ، تنبيهاً على أن المراد الطيبات من المأكولات ، كما دل عليه قوله في نظائِرها نحو : { يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً } في البقرة ( 168 ) وقوله : { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات } في سورة المائدة ( 4 ) ، وليس المراد الأفعال الحسنة ؛ لأن الأفعال عُرّفت بوصف المعروف والمنكر . والمأكولات لا تدخل في المعروف والمنكر ، إذ ليس للعقل حظ في التمييز بين مقبُولها ومرفوضها ، وإنما تمتلك الناسَ فيها عوائِدُهم ، ولما كان الإسلام دينَ الفطرة ولا اعتداد بالعوائد فيه ، ناط حال المأكولات بالطّيب وحرمتها بالخُبث ، فالطّيب ما لا ضُر فيه ولا وخامَة ولا قذارة ، والخبيثُ ما أضر ، أوْ كان وَخيم العاقبة ، أو كان مستقذراً لا يقبله العقلاء ، كالنجاسة ، وهذا ملاك المُباح والمحرم من المآكل ، فلا تدخل العادات إلاّ في اختيار أهلها ما شاءوا من المباح ، فقد كانت قريش لا تأكل الضب ، وقد وُضع على مَائدة رسول الله فكره أن يأكل منه ، وقال : ما هو بحرام ولكنه لم يكن من طعام قومي فأجدني أعافُه ولهذا فالوجه : إن كل ما لا ضر فيه ولا فساد ولا قذارة فهو مباح ، وقد يكون مكروهاً اعتباراً بمضرة خفيفة ، فلذلك ورد النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ، ومحمله عند مالك في أشهر الروايات عنه ، على الكراهة ، وهو الذي لا ينبغي التردد فيه ، وأي ضُر في أكل لحم الأسد ، وكذلك إباحة أكل الخشاش والحشرات والزواحف البرية والبحرية ، لاختلاف عوائِد الناس في أكلها وعدمه ، فقد كانت جَرْم لا يأكلون الدجاج ، وَفقعس يأكلون الكلب ، فلا يحجر على قوم لأجل كراهية غيرهم مما كرهه ذوقه أو عادة قومه ، وقد تقدم شيء من هذا في آية سورة المائِدة ، فعلى الفقيه أن يقصر النظر على طبائِع المأكولات وصفاتها ، وما جهلت بعض صفاته وحرمته الشريعة مثل تحريم الخنزير .

وَوْضع الإصر إبطال تشريعه ، أي بنسخ ما كان فيه شدة من الشرايع الإلهية السابقة ، وحقيقة الوضع الحط من علو إلى سفل ، وهو هنا مجاز في إبطال التكليف بالأعمال الشاقة .

وحقه التعدية إلى المفعول الثاني بحرف ( في ) الظرفية ، فإذا عُدي إليْه ب ( عن ) دل على نقل المفعول الأول من مدخول ( عن ) وإذا عدي إلى المفعول الثاني ب ( على ) كان دالاً على حط المفعول الأول في مدخول ( على ) حطا متمكناً ، فاستعير يضعُ عنهم } هنا إلى إزالة التكليفات التي هي كالإصر والأغلال فيشمل الوضْعُ معنى النسخ وغيره ، كما سيأتي .

و« الإصر » ظاهر كلام الزمخشري في « الكشاف » و« الأساس » إنه حقيقة في الثّقل ، ( بكسر الثاءِ ) الحسيّ بحيث يَصعب معه التحرك ، ولم يقيده غيره من أصحاب دواوين اللغة ، وهذا القيد من تحقيقاته ، وَهو الذي جرى عليه ظاهر كلام ابن العربي في « الأحكام » ، والمراد به هنا التكاليف الشاقة والحرج في الدين ، فإن كان كما قيده الزمخشري يكن { ويضع عنهم أصرهم } تمثيلية بتشبيه حال المزال عنه ما يحْرجه من التكاليف بحال مَن كان محمّلاً بثقل فأزيل عن ظهره ثَقله ، كما في قوله تعالى : { يحملون أوزارهم على ظهورهم } [ الأنعام : 31 ] وإن لم يكن كذلك كان « الإصر » استعارة مكنية { ويضع } تخييلاً ، وهو أيضاً استعارة تبعية للإزالة .

وقد كانت شريعة التوراة مشتملة على أحكام كثيرة شاقة مثل العقوبة بالقتل على معاص كثيرة ، منها العمل يومَ السبتِ ، ومثلُ تحريم مأكولات كثيرة طيبة وتغليظ التحريم في أمور هينة ، كالعمل يوم السبت ، وأشد ما في شريعة التوراة من الإصر أنها لم تشرع فيها التوبة من الذنوب ، ولا استتابة المُجرم ، والإصر قد تقدم في قوله تعالى : { ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا } في سورة البقرة ( 286 ) وقرأ ابن عامر وحده في القراءات المشهورة ، ( آصارهم ) بلفظ الجمع ، والجمع والإفراد في الأجناس سواء .

و{ الأغلالُ } جمع غُل بضم الغين وهو إطار من حديد يجعل في رقبة الأسير والجاني ويمسك بسير من جلد ، أو سلسلة من حديد بيد المُوكّل بحراسة الأسير ، قال تعالى : { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل } [ غافر : 71 ] ويستعار الغُل للتكليف والعمل الذي يؤلم ولا يطاق فهوَ استعارة فإن بنيْنا على كلام الزَمخشري كان { الأغلال } تمثيلية بتشبيه حال المحرر من الذل والإهانة بحال من أطلق من الأسر ، فتعيّن أن وضع الأغلال استعارة لما يعانيه اليهود من المذلة بين الأمم الذين نزلوا في ديارهم بعد تخريب بيت المقدس ، وزوال ملك يهوذا ، فإن الإسلام جاء بتسوية أتباعه في حقوقهم في الجامعة الإسلامية ، فلا يبقى فيه مَيز بين أصيل ودخيل ، وصميم ولصيق ، كما كان الأمر في الجاهلية ، ومناسبة استعارة الأغلال للذلة أوضح ، لأن الأغلال من شعار الإذلال في الأسر والقود ونحوهما .

وهذان الوصفان لهما مزيد اختصاص باليهود ، المتحدث عنهم في خطاب الله تعالى لموسى ، ولا يتحققان في غيرهم ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن اليهود قد كان لهم شرع ، وكان فيه تكاليف شاقة ، بخلاف غير اليهود من العرب والفرس وغيرهم ، ولذلك أضاف الله الإصر إلى ضميرهم ، ووَصف الأغلال بما فيه ضميرهم ، على أنك إذا تأملت في حال الأمم كلهم قبل الإسلام لا تجد شرائعهم وقوانينهم وأحوالهم خالية من إصر عليهم ، مثل تحريم بعض الطيبات في الجاهلية ، ومثل تكاليف شاقة عند النصارى والمجوس لا تتلاقى مع السماحة الفطرية ، وكذلك لا تجدها خالية من رهق الجبابرة ، وإذلال الرؤساء ، وشدة الأقوياء على الضعفاء ، وما كان يحدث بينهم من التقاتل والغارات ، والتكايُل في الدماء ، وأكلهم أموالهم بالباطل ، فأرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم بدينِ من شأنه أن يخلص البشر من تلك الشدائِد ، كما قال تعالى : { وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] ولذلك فسرنا الوضع بما يَعم النسخ وغيره ، وفسرنا الأغلال بما يخالف المراد من الأصر ، ولا يناكد هذا ما في أديان الجاهلية والمجوسية وغيرها من التحلل في أحكام كثيرة ، فإنه فساد عظيم لا يخفف وطأة ما فيها من الإصر ، وهو التحلل الذي نظر إليه أبو خِراش الهُذلي في قوله ، يَعْني شريعة الإسلام :

فليس كعهد الدار يا أم مالك *** ولكن أحَاطت بالرقاب السلاسل

والفاء في قوله : { فالذين آمنوا به } فاء الفصيحة ، والمعنى : إذا كان هذا النبي كما علمتم من شهادة التوراة والإنجيل بنبوءته ، ومن اتصاف شرعه بالصفة التي سمعتم ، علمتم أن الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا هديه ، هم المفلحون .

والقصر المستفاد من تعريف المسند ومن ضمير الفصل قصر إضافي ، أي هم الذين أفلحوا أي دون من كفر به بقرينة المقام ، لأن مقام دعاء موسى يقتضي أنه أراد المغفرة والرحمة وكتابة الحسنة في الدنيا والآخرة لكل من اتبع دينه ، ولا يريد موسى شمول ذلك لمن لا يتبع الإسلام بعد مجيء محمد صلى الله عليه وسلم ولكن جرى القصر على معنى الاحتراس من الإيهام ، ويجوز أن يكون القصر ادعائياً ، دالاً على معنى كمال صفة الفلاح للذين يتبعون النبي الأمي ، ففلاح غيرهم من الأمم المفلحين الذين سبقوهم كلاَ فلاح ، إذا نُسب إلى فلاحهم ، أي إن الأمة المحمدية أفضل الأمم على الجملة ، وإنهم الذين تنالهم الرحمة الإلهية التي تسع كل شيء من شؤونهم قال تعالى : { وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] .

ومعنى { عزروه } أيدوه وقّووْه ، وذلك بإظهار ما تضمنته كتبهم من البشارة بصفاته ، وصفات شريعته ، وإعلان ذلك بين الناس ، وذلك شيء زائِد على الإيمان به ، كما فعل عبد الله بن سَلاَم ، وكقول ورقة بن نوفل : « هذا الناموس الذي أنزل على موسى » ، وهو أيضاً مغاير للنصر ، لأن النصر هو الإعانة في الحرب بالسلاح ، ومن أجل ذلك عطف عليه { ونصروه } .

واتّباع النور تمثيل للاقتداء بما جاء به القرآن : شبه حال المقتدي بهدي القرآن ، بحال الساري في الليل إذا رأى نوراً يلوح له اتّبعه ، لعلمه بأنه يجد عنده منجاة من المخاوف وأضرار السير ، وأجزاءُ هذا التمثيل استعارات ، فالإتباع يصلح مستعاراً للاقتداء ، وهو مجاز شائِع فيه ، والنور يصلح مستعاراً للقرآن ؛ لأن الشيء الذي يعلّم الحقّ والرشد يشبّه بالنور ، وأحسن التمثيل ما كان صالحاً لاعتبار التشبيهات المفردة في أجزائه .

والإشارة في قوله : { أولئك هم المفلحون } للتنويه بشأنهَم ، وللدلالة على أن المشار إليهم بتلك الأوصاف صاروا أحرياء بما يخبر به عنهم بعد اسم الإشارة كقوله : { أولئك على هدى من ربهم } [ البقرة : 5 ] .

وفي هذه الآية تنويه بعظيم فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم ، ويُلحق بهم من نصر دينه بعدهم .


[241]:وقعت كلمة يكرز في ترجمة الإنجيل للآباء اليسوعيين وأريد بها يتنبأ ولا يعرف لها أصلا في العربية. -
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (157)

فيه عشر مسائل :

الأولى - روى يحيى بن أبي كثير عن نوف البكالي الحميري : لما اختار موسى قومه سبعين رجلا لميقات ربه قال الله تعالى لموسى : أن أجعل لكم الأرض مسجدا وطهورا تصلون حيث أدركتكم الصلاة إلا عند مرحاض أو حمام أو قبر ، وأجعل السكينة في قلوبكم ، وأجعلكم تقرؤون التوراة عن ظهر قلوبكم ، يقرأها الرجل منكم والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير . فقال ذلك موسى لقومه ، فقالوا : لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس ، ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا ، ونريد أن تكون كما كانت في التابوت ، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهر قلوبنا ، ولا نريد أن نقرأها إلا نظرا . فقال الله تعالى : " فسأكتبها للذين يتقون - إلى قوله - المفلحون " . فجعلها لهذه الأمة . فقال موسى : يا رب ، اجعلني نبيهم . فقال : نبيهم منهم . قال : رب اجعلني{[7402]} منهم . قال : إنك لن تدركهم . فقال موسى : يا رب ، أتيتك بوفد بني إسرائيل ، فجعلت وفادتنا لغيرنا . فأنزل الله عز وجل : " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون{[7403]} " [ الأعراف : 159 ] . فرضي موسى . قال نوف : فاحمدوا الله الذي جعل وفادة بني إسرائيل لكم . وذكر أبو نعيم أيضا هذه القصة من حديث الأوزاعي قال : حدثنا يحيى بن أبي عمرو الشيباني{[7404]} قال حدثني نوف البكالي{[7405]} إذا افتتح موعظة قال : ألا تحمدون ربكم الذي حفظ غيبتكم وأخذ لكم بعد سهمكم وجعل وفادة القوم لكم . وذلك أن موسى عليه السلام وفد ببني إسرائيل فقال الله{[7406]} لهم : إني قد جعلت لكم الأرض مسجدا حيثما صليتم فيها تقبلت صلاتكم إلا في ثلاثة مواطن من صلى فيمن لم أقبل صلاته المقبرة والحمام والمرحاض . قالوا : لا ، إلا في الكنيسة . قال : وجعلت لكم التراب طهورا إذا لم تجدوا الماء . قالوا : لا ، إلا بالماء . قال : وجعلت لكم حيثما صلى الرجل فكان وحده تقبلت صلاته . قالوا : لا ، إلا في جماعة .

الثانية - قوله تعالى : " الذين يتبعون الرسول النبي الأمي " هذه الألفاظ كما ذكرنا أخرجت اليهود والنصارى من الاشتراك الذي يظهر في قوله : " فسأكتبها للذين يتقون " وخلصت هذه العدة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم . قاله ابن عباس وابن جبير وغيرهما . و " يتبعون " يعني في شرعه ودينه وما جاء به . والرسول والنبي صلى الله عليه وسلم اسمان لمعنيين ، فإن الرسول أخص من النبي . وقدم الرسول اهتماما بمعنى الرسالة ، وإلا فمعنى النبوة هو المتقدم ؛ ولذلك رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على البراء حين قال : وبرسولك الذي أرسلت . فقال له : ( قل آمنت بنبيك الذي أرسلت ) خرجه في الصحيح . وأيضا فإن في قوله : " وبرسولك الذي أرسلت " تكرير الرسالة ، وهو معنى واحد فيكون كالحشو الذي لا فائدة فيه . بخلاف قوله : " ونبيك الذي أرسلت " فإنهما لا تكرار فيهما . وعلى هذا فكل رسول نبي ، وليس كل نبي رسولا ؛ لأن الرسول والنبي قد اشتركا في أمر عام وهو النبأ ، وافترقا في أمر خاص{[7407]} وهي الرسالة . فإذا قلت : محمد رسول من عند الله تضمن ذلك أنه نبي ورسول الله . وكذلك غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم .

الثالثة - قوله تعالى : " الأمي " هو منسوب إلى الأمة الأمية ، التي هي على أصل ولادتها ، لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها قاله ابن عزيز{[7408]} . وقال ابن عباس رضي الله عنه : كان نبيكم صلى الله عليه وسلم أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب . قال الله تعالى : " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك{[7409]} " [ العنكبوت : 48 ] . وروي في الصحيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) . الحديث . وقيل : نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة أم القرى . ذكره النحاس .

الرابعة - قوله تعالى : " الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل " روى البخاري قال : حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا فليح قال حدثنا هلال عن عطاء بن يسار لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص قلت : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة . فقال : أجل ، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا{[7410]} ، وحرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب{[7411]} في الأسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ، ويفتح بها أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلقا . في غير البخاري{[7412]} قال عطاء : ثم لقيت كعبا فسألته عن ذلك فما اختلفا حرفا ، إلا أن كعبا قال بلغته : قلوبا غلوفيا وآذانا صموميا وأعينا عموميا . قال ابن عطية : وأظن هذا وهما أو عجمة . وقد روي عن كعب أنه قالها : قلوبا غلوفا وآذانا صموما وأعينا عموميا . قال الطبري : هي لغة حميرية . وزاد كعب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم قال : مولده بمكة ، وهجرته بطابة{[7413]} ، وملكه بالشأم ، وأمته الحامدون ، يحمدون الله على كل حال وفي كل منزل ، يوضؤون أطرافهم ويأتزرون إلى أنصاف ساقهم ، رعاة الشمس ، يصلون الصلوات حيثما أدركتهم ولو على ظهر الكناسة{[7414]} ، صفهم في القتال مثل{[7415]} صفهم في الصلاة . ثم قرأ " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص{[7416]} " [ الصف : 4 ] .

الخامسة - قوله تعالى : " يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر " قال عطاء : " يأمرهم بالمعروف " بخلع الأنداد ، ومكارم الأخلاق ، وصلة الأرحام . " وينهاهم عن المنكر " عبادة الأصنام ، وقطع الأرحام .

السادسة - قوله تعالى : " ويحل لهم الطيبات " مذهب مالك أن الطيبات هي المحللات ، فكأنه وصفها بالطيب ؛ إذ هي لفظة تتضمن مدحا وتشريفا . وبحسب هذا نقول في الخبائث : إنها المحرمات ؛ ولذلك قال ابن عباس : الخبائث هي لحم الخنزير والربا وغيره . وعلى هذا حلل مالك المتقذرات كالحيات والعقارب والخنافس ونحوها . ومذهب الشافعي رحمه الله أن الطيبات هي من جهة الطعم ، إلا أن اللفظة عنده ليست على عمومها ؛ لأن عمومها بهذا الوجه من الطعم يقتضي تحليل الخمر والخنزير ، بل يراها مختصة فيما حلله الشرع . ويرى الخبائث لفظا عاما في المحرمات بالشرع وفي المتقذرات ، فيحرم العقارب والخنافس والوزغ وما جرى هذا المجرى . والناس على هذين القولين وقد تقدم في " البقرة{[7417]} " هذا المعنى .

السابعة - قوله تعالى : " ويضع عنهم إصرهم " الإصر : الثقل . قاله مجاهد وقتادة وابن جبير . والإصر أيضا : العهد . قاله ابن عباس والضحاك والحسن . وقد جمعت هذه الآية المعنيين ، فإن بني إسرائيل قد كان أخذ عليهم عهد أن يقوموا بأعمال ثقال ، فوضع عنهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك العهد وثقل تلك الأعمال ، كغسل البول ، وتحليل الغنائم ، ومجالسة الحائض ومؤاكلتها ومضاجعتها ، فإنهم كانوا إذا أصاب ثوب أحدهم بول قرضه . وروي : جلد أحدهم . وإذا جمعوا الغنائم نزلت نار من السماء فأكلتها ، وإذا حاضت المرأة لم يقربوها ، إلى غير ذلك مما ثبت في الحديث{[7418]} الصحيح وغيره .

الثامنة - قوله تعالى : " والأغلال التي كانت عليهم " فالأغلال عبارة مستعارة لتلك الأثقال . ومن الأثقال ترك الاشتغال يوم السبت ، فإنه يروى أن موسى عليه السلام رأى يوم السبت رجلا يحمل قصبا فضرب عنقه . هذا قول جمهور المفسرين . ولم يكن فيهم الدية ، وإنما كان القصاص . وأمروا بقتل أنفسهم علامة لتوبتهم ، إلى غير ذلك . فشبه ذلك بالأغلال ، كما قال الشاعر :

فليس كعهد الدار يا أم مالك *** ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل

عاد الفتى كالكهل ليس بقائل *** سوى العدل شيئا فاستراح العواذل

فشبه حدود الإسلام وموانعه عن التخطي إلى المحظورات بالسلاسل المحيطات بالرقاب . ومن هذا المعنى قول أبي أحمد بن جحش لأبي سفيان :

اذهب بها اذهب بها *** طُوِّقْتَهَا طوقَ الحَمَامَهْ

أي لزمك عارها . يقال : طوق فلان كذا إذا لزمه .

التاسعة - إن قيل : كيف عطف الأغلال وهو جمع على الإصر وهو مفرد ؟ فالجواب أن الإصر مصدر يقع على الكثرة . وقرأ ابن عامر " آصارهم " بالجمع ، مثل أعمالهم . فجمعه لاختلاف ضروب المآثم . والباقون بالتوحيد ؛ لأنه مصدر يقع على القليل والكثير من جنسه مع إفراد لفظه . وقد أجمعوا على التوحيد في قوله : " ولا تحمل علينا إصرا{[7419]} " [ البقرة : 286 ] . وهكذا كلما يرد عليك من هذا المعنى ، مثل " وعلى سمعهم{[7420]} " [ البقرة : 7 ] . " لا يرتد إليهم طرفهم{[7421]} " [ إبراهيم : 43 ] . و " من طرف خفي{[7422]} " [ الشورى : 45 ] . كله بمعنى الجمع .

العاشرة - قوله تعالى : " فالذين آمنوا به وعزروه " أي وقروه ونصروه . قال الأخفش : وقرأ الجحدري وعيسى " وعزروه " بالتخفيف . وكذا " وعزرتموهم{[7423]} " [ المائدة : 12 ] . يقال : عزره يعزره ويعزره . " واتبعوا النور الذي أنزل معه " القرآن " أولئك هم المفلحون " " الفلاح " الظفر بالمطلوب . وقد تقدم هذا{[7424]} .


[7402]:في ج: أخرني حتى تجعلني منهم.
[7403]:راجع ج 302 من هذا الجزء.
[7404]:السيباني في التقريب: بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة وسيبان بطن من حمير. وهـ التهذيب.
[7405]:في ج و ز و ك و ى: قال كان أبو عمرو البكالي إذا افتتح. الخ وأبو عمرو كنية نوف ولعله يحدث عن نفسه.
[7406]:من ج و ز و ى.
[7407]:من ك.
[7408]:من ا و ب و ج و ح و ز و ى. وابن عزيز أو عزيز من علماء المالكية، وفي ل: ابن جرير وفي ك: ابن العربي.
[7409]:راجع ج 13 ص 351.
[7410]:راجع ج 14 ص 199 .
[7411]:في ع: هـ سخاب: بمهملة لغة في صخاب.
[7412]:من ب و ج و ك و ى
[7413]:طابة : طيبة وهي المدينة المنورة
[7414]:كذا في كل الأصول: والكناسة :القمامة ومكانها والصلاة لا تجوز على المزبلة : فتأمل.
[7415]:في ج: كصفهم.
[7416]:راجع ج 18 ص 81
[7417]:راجع ج 2 ص 207.
[7418]:من ع
[7419]:راجع ج 3 ص 430 و ج 1 ص 185 و 181 .
[7420]:راجع ج 3 ص 430 و ج 1 ص 185 و 181.
[7421]:راجع ج 9 ص 377.
[7422]:راجع ج 16 ص 45
[7423]:راجع ج 6 ص 114.
[7424]:من ج و ك