التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فِيٓ أَيِّ صُورَةٖ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ} (8)

وقوله : { في أي صورة } اعلم أن أصل { أي } أنها للاستفهام عن تمييز شيء عن مشاركيه في حاله كما تقدم في قوله تعالى : { من أي شيء خلقه } في سورة عبس ( 18 ) وقوله تعالى : { فبأي حديث بعده يؤمنون } [ الأعراف : 185 ] .

والاستفهام بها كثيراً ما يراد به الكناية عن التعجب أو التعجيب من شأن ما أضيفت إليه { أيّ } لأن الشيء إذا بلغ من الكمال والعظمة مبلغاً قوياً يُتساءل عنه ويُستفهم عن شأنه ، ومن هنا نشأ معنى دلالة { أيّ } على الكمال ، وإنما تحقيقه أنه معنى كنائي كثر استعماله في كلامهم ، وإنما هي الاستفهامية ، و { أيّ } هذه تقع في المعنى وصفاً لنكرة إمّا نعتاً نحو : هو رجل أيُّ رجل ، وإما مضافة إلى نكرة كما في هذه الآية ، فيجوز أن يتعلق قوله : { في أي صورة } بأفعال خلقَك ، فسوَّاك ، فعدَّلك » فيكون الوقف على { في أي صورة } .

ويجوز أن يتعلق بقوله { ركبك } فيكون الوقف على قوله { فعدلك } ويكون قوله { ما شاء } معترضاً بين { في أي صورة } وبين { ركَبَّك } .

والمعنى على الوجهين : في صورة أيّ صورة ، أي في صورة كاملة بديعة .

وجملة { ما شاء ركبك } بيان لجملة { عدَّلك } باعتبار كون جملة { عدّلك } مفرعة عن جملة { فسوَّاك } المفرغة عن جملة { خلقك } فبيانها بيان لهما .

و { في } للظرفية المجازية التي هي بمعنى الملابسة ، أي خلقك فسوّاك فعدلك ملابساً صورة عجيبة فمحل { في أي صورة } محل الحال من كاف الخطاب وعامل الحال { عدّلك } ، أو { ركّبك } ، فجعلت الصورة العجيبة كالظرف للمصوّر بها للدلالة على تمكنها من موصوفها .

و { ما } يجوز أن تكون موصولة مَا صدقُها تركيب ، وهي في موضع نصب على المفعولية المطلقة و { شاء } صلة { ما } والعائد محذوف تقديره : شاءه . والمعنى : ركّبك التركيب الذي شاءه قال تعالى : { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } [ آل عمران : 6 ] .

وعُدل عن التصريح بمصدر { ركّبك } إلى إبهامه ب { ما } الموصولة للدلالة على تقحيم الموصول بما في صلته من المشيئة المسندة إلى ضمير الرب الخالق المبدع الحكيم وناهيك بها .

ويجوز أن تكون جملة { شاء } صفة ل { صورة } ، والرابط محذوف و { ما } مزيدة للتأكيد ، والتقدير : في صورة عظيمة شاءها مشيئةً معينة ، أي عن تدبير وتقدير .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فِيٓ أَيِّ صُورَةٖ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ} (8)

وقال [ موسى بن علي بن أبي رباح اللخمي عن أبيه عن جده{[15838]} ] قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم " إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم " . أما قرأت هذه الآية " في أي صورة ما شاء ركبك " فيما بينك وبين آدم ، وقال عكرمة وأبو صالح : " في أي صورة ما شاء ركبك " إن شاء في صورة إنسان ، وإن شاء في صورة حمار ، وإن شاء في صورة قرد ، وإن شاء في صورة خنزير . وقال مكحول : إن شاء ذكرا ، وإن شاء أنثى . قال مجاهد : " في أي صورة " أي في أي شبه من أب أو أم أو عم أو خال أو غيرهم . و " في " متعلقة ب " ركب " ، ولا تتعلق ب " عدلك " ، على قراءة من خفف ؛ لأنك تقول عدلت إلى كذا ، ولا تقول عدلت في كذا ؛ ولذلك منع الفراء التخفيف ؛ لأنه قدر " في " متعلقة ب " عدلك " ، و " ما " يجوز أن تكون صلة مؤكدة ، أي في أي صورة شاء ركبك . ويجوز أن تكون شرطية أي إن شاء ركبك في غير صورة الإنسان من صورة قرد أو حمار أو خنزير ، ف " ما " بمعنى الشرط والجزاء ، أي في صورة ما شاء يركبك ركبك .


[15838]:الزيادة من تفسير الثعلبي والطبري والدر المنثور. والحديث كما رواه الثعلبي بعد السند: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجده "ما ولد لك"؟ قال: يا رسول الله وما عسى أن يولد لي، إما غلاما أو جارية. قال "فمن يشبه" قال: فمن يشبه، أمه أو أباه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم. "لا تقل هكذا إن النطفة . . . الحديث".