والفاء في قوله : { فإن تولوا } للتفريع على إرسال النبي صلى الله عليه وسلم صاحب هذه الصفات إليهم فإن صفاته المذكورة تقتضي من كل ذي عقل سليم من العرب الإيمان به واتباعه لأنه من أنفسهم ومحب لخيرهم رؤوف رحيم بمن يتبعه منهم ، فتفرع عليه أنهم محقوقون بالإيمان به فإن آمنوا فذاك وإن لم يؤمنوا فإن الله حسيبه وكافيه . وقد دل الشرط على مقابله لأن { فإن تولوا } يدل على تقدير ضده وهو إن أذعنوا بالإيمان .
وبعد التفريع التفت الكلام من خطاب العرب إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بما كان مقتضى الظاهر أن يخاطَبُوا هُم به اعتماداً على قرينة حرف التفريع فقيل له : { فإن تولوا فقل حسبي الله } . والتقدير : فإن توليتم عنه فحسبه الله وقل حسبي الله . فجيء بهذا النظم البديع الإيجاز مع ما فيه من براعة الإيماء إلى عدم تأهلهم لخطاب الله على تقدير حالة توليهم .
والتولي : الإعراض والإدبار : وهو مستعار هنا للمكابرة والعناد .
والحسْب : الكافي ، أي كافيك شر إعراضهم لأنهم إن أعرضوا بعد هذا فقد أعرضوا عن حسد وحنق . وتلك حالة مظنة السعي في الكيد والأذى .
ومعنى الأمر بأن يقول : { حسبي الله } أن يقول ذلك قولاً ناشئاً عن عقد القلب عليه ، أي فاعلم أن حسبك الله وقُل حسبي الله ، لأن القول يؤكد المعلوم ويرسخه في نفس العالم به ، ولأن في هذا القول إبلاغاً للمعرضين عنه بأن الله كافيه إياهم .
والتوكل : التفويض . وهو مبالغة في وَكَل .
وهذه الآية تفيد التنويه بهذه الكلمة المباركة لأنه أمر بأن يقول هذه الكلمة بعيْنِها ولم يؤمَر بمجرد التوكل كما أمر في قوله : { فتوكل على الله إنك على الحق المبين } [ النمل : 79 ] . ولا أخبر بأن الله حسبه مجردَ إخبار كما في قوله : { فإن حسبك الله } [ الأنفال : 62 ] .
وجملة : { لا إله إلا هو } مستأنفة للثناء ، أو في موضع الحال وهي ثناء بالوحدانية .
وعطفت عليها جملة : { وهو رب العرش العظيم } للثناء بعظيم القدرة لأن من كان رباً للعرش العظيم ثبت أنه قدير ، لأنه قد اشتهر أن العرش أعظم المخلوقات ، ولذلك وصف بالعظيم ، فالعظيم في هذه الآية صفة للعرش ، فهو مجرور .
وفي هاتين الآيتين إشعار بالإيداع والإعذارِ للناس ، وتنبيه إلى المبادرة باغتنام وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ليتشرفوا بالإيمان به وهم يشاهدونه ويقتبسون من أنوار هديه ، لأن الاهتداء بمشاهدته والتلقي منه أرجى لحصول كمال الإيمان والانتفاع بقليل من الزمان لتحصيل وافر الخير الذي لا يحصل مثله في أضعاف ذلك الزمان .
وفيهما أيضاً إيماء إلى اقتراب أجل النبي صلى الله عليه وسلم لأن التذكير بقوله : { لقد جاءكم } يؤذن بأن هذا المجيء الذي مضى عليه زمن طويل يوشك أن ينقضي ، لأن لكل وارد قفولاً ، ولكل طالع أفولاً . وقد روي عن أبَيْ بن كعب وقتادة أن هاتين الآيتين هما أحدث القرآن عهداً بالله عز وجل ، أي آخرُ ما نزل من القرآن . وقيل : إن آخر القرآن نزولاً آية الكلالة خاتمةُ سورة النساء . وقيل آخره نزولاً قوله : { واتّقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم تُوفَّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } من سورة البقرة ( 281 ) .
في « صحيح البخاري » من طريق شعيب عن الزهري عن ابن السباق عن زيد بن ثابت في حديث جمع القرآن في زمن أبي بكر رضي الله عنه قال زيد : « حتى وجدتُ من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم } إلى آخرهما . ومن طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري مع أبي خزيمة الأنصاري . ومعنى ذلك أنه بحث عن هاتين الآيتين في ما هو مكتوب من القرآن فلم يجدهما وهو يعلم أن في آخر سورة التوبة آيتين خاتمتين أو هو يحفظهما ( فإن زيداً اعتنى في جمع القرآن بحفظه وبتتبع ما هو مكتوب بإملاء النبي صلى الله عليه وسلم وبقراءة حفاظ القرآن غيره ) فوجد خزيمة أو أبا خزيمة يحفظهما . فلما أمْلاهما خزيمة أو أبو خزيمة عليه تذكّر زيد لفظهما وتذكّرهما مَن سمعهما من الصحابة حين قرأوهما ، كيف وقد قال أبَيّ بن كعب : إنهما آخر ما أنزل ، فلفظهما ثابت بالإجماع ، وتواترهما حاصل إذ لم يشك فيهما أحد وليس إثباتهما قاصراً على إخبار خزيمة أو أبي خزيمة .
قوله تعالى : " فإن تولوا فقل حسبي الله " أي إن اعرض الكفار يا محمد بعد هذه النعم التي من الله عليهم بها فقل حسبي الله أي كافي الله تعالى . " عليه توكلت " أي اعتمدت وإليه فوضت جميع أموري . " وهو رب العرش العظيم " خص العرش لأنه أعظم المخلوقات فيدخل فيه ما دونه إذا ما ذكره . وقراءة العامة بخفض " العظيم " نعتا للعرش . وقرئ بالرفع صفة للرب ، رويت عن ابن كثير ، وهي قراءة ابن محيصن ، وفي كتاب أبي داود عن أبي الدرداء قال : ( من قال إذا أصبح وإذا أمسى حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات كفاه الله ما أهمه صادقا كان بها أو كاذبا ) . وفي نوادر الأصول عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قال عشر كلمات عند دبر كل صلاة وجد الله عندهن مكفيا مجزيا خمس للدنيا وخمس للآخرة : حسبي الله لديني حسبي الله لدنياي حسبي الله لما أهمني حسبي الله لمن بغى علي حسبي الله لمن حسدني حسبي الله لمن كادني بسوء حسبي الله عند الموت حسبي الله عند المسألة في القبر حسبي الله عند الميزان حسبي الله عند الصراط حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب ) . وحكى النقاش عن أبي بن كعب أنه قال : أقرب القرآن عهدا بالله تعالى هاتان الآيتان " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " إلى آخر السورة ، وقد بيناه . وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس : أن آخر ما نزل من القرآن " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " وهذه الآية . ذكره الماوردي . وقد ذكرنا عن ابن عباس خلافه ، على ما ذكرناه في " البقرة " وهو أصح . وقال مقاتل : تقدم نزولها بمكة . وهذا فيه بعد لأن السورة مدنية والله أعلم . وقال يحيى بن جعدة : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد عليها رجلان فجاءه رجل من الأنصار بالآيتين من آخر سورة براءة " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " فقال عمر : والله لا أسألك عليهما بينة كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم فأثبتهما . قال علماؤنا : الرجل هو خزيمة بن ثابت وإنما أثبتهما عمر رضي الله عنه بشهادته وحده لقيام الدليل على صحتها في صفة النبي صلى الله عليه وسلم فهي قرينة تغني عن طلب شاهد آخر بخلاف آية الأحزاب " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه{[8408]} " [ الأحزاب : 23 ] فإن تلك ثبتت بشهادة زيد وخزيمة لسماعهما إياها من النبي صلى الله عليه وسلم . وقد تقدم هذا المعنى في مقدمة الكتاب . والحمد لله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.