{ الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله }
بدل من { الذين يقاتلون } [ الحج : 39 ] ، وفي إجراء هذه الصلة عليهم إيماء إلى أن المراد بالمقاتلة الأذى ، وأعظمه إخراجهم من ديارهم كما قال تعالى : { والفتنة أشد من القتل } [ البقرة : 191 ] .
و { بغير حق } حال من ضمير { أخرجوا ، } أي أخرجوا متلبسين بعدم الحق عليهم الموجِب إخراجهم ، فإن للمرء حقاً في وطنه ومعاشرة قومه ، وهذا الحق ثابت بالفطرة لأن من الفطرة أن الناشىء في أرض والمتولَّد بين قوم هو مساوٍ لجميع أهل ذلك الموطن في حق القرار في وطنهم وبين قومهم بالوجه الذي ثبت لجمهورهم في ذلك المكان من نشأة متقادمة أو قهر وغلبة لسكانه ، كما قال عمر بن الخطاب : « إنها لِبلاَدُهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام » . ولا يزول ذلك الحق إلاّ بموجب قرره الشرّع أو العوائد قبل الشرع . كما قال زُهير :
فإن الحق مقطعه ثلاث *** يمينٌ أو نِفار أو جَلاء
فمن ذلك في الشرائع التغريب والنّفي ، ومن ذلك في قوانين أهل الجاهلية الجلاء والخَلع ، وإنما يكون ذلك لاعتداء يعتديه المرء على قومه لا يجدون له مسلكاً من الردع غير ذلك .
ولذلك قال تعالى : { بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله } فإن إيمانهم بالله لا ينجر منه اعتداء على غيرهم إذ هو شيء قاصر على نفوسهم والإعلان به بالقول لا يضر بغيرهم . فالاعتداء عليهم بالإخراج من ديارهم لأجل ذلك ظلم بَواح واستخدام للقوة في تنفيذ الظلم .
والاستثناء في قوله : { إلا أن يقولوا ربنا الله } استثناء من عموم الحق ، ولما كان المقصود من الحق حقاً يوجب الإخراج ، أي الحقَّ عليهم ، كان هذا الاستثناء مستعملاً على طريقة الاستعارة التهكمية ، أي إن كان عليهم حق فهو أن يقولوا ربنا الله ، فيستفاد من ذلك تأكيد عدم الحق عليهم بسبب استقراء ما قد يُتخيّل أنه حق عليهم . وهذا من تأكيد الشيء بما يوهم نقضه . ويسمى عند أهل البديع تأكيد المدح بما يشبه الذم ، وشاهده قول النابغة :
ولا عَيب فيهم غير أنّ سيوفهم *** بِهِنّ فُلول من قِراع الكتائب
وهذه الآية لا محالة نزلت بالمدينة .
{ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صوامع وَبِيَعٌ وصلوات ومساجد يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ }
اعتراض بين جملة { أُذِن للذين يقاتلون } [ الحج : 39 ] الخ وبين قوله { الذين إن مكناهم في الأرض } [ الحج : 41 ] الخ . فلما تضمنت جملة { أذن للذين يقاتلون } [ الحج : 39 ] الخ الإذن للمسلمين بدفاع المشركين عنهم أُتبع ذلك ببيان الحكمة في هذا الإذن بالدفاع ، مع التنويه بهذا الدفاع ، والمتولّين له بأنه دفاع عن الحق والدين ينتفع به جميع أهل أديان التوحيد من اليهود والنصارى والمسلمين ، وليس هو دفاعاً لنفع المسلمين خاصة .
والواو في قوله { ولولا دفاع الله الناس } إلى آخره ، اعتراضية وتسمى واو الاستئناف ومفاد هذه الجملة تعليل مضمون جملة { أذن للذين يقاتلون } [ الحج : 39 ] الخ .
و { لولا } حرف امتناع لوجود ، أي حرف يدل على امتناع جوابه ، أي انتفائه لأجل وجود شرطه ، أي عند تحقق مضمون جملة شرطه فهو حرف يقتضي جملتين . والمعنى : لولا دفاع الناس عن مواضع عبادة المسلمين لصري المشركون ولتجاوزوا فيه المسلمين إلى الاعتداء على ما يجاور بلادهم من أهل الملل الأخرى المناوية لملّة الشرك ولهَدَموا مَعَابدهم من صوامع ، وبِيَععٍ ، وصلوات ، ومساجد ، يذكر فيها اسم الله كثيراً ، قصداً منهم لمحو دعوة التوحيد ومحقاً للأديان المخالفة للشرك . فذكر الصوامع ، والبِيَع ، إدماج لينتبهوا إلى تأييد المسلمين فالتّعريف في { النّاس } تعريف العهد ، أي الناس الذين يتقاتلون وهم المسلمون ومشركو أهل مكة .
ويجوز أن يكون المراد : لولا ما سبق قبل الإسلام من إذن الله لأمم التوحيد بقتال أهل الشرك ( كما قاتل داوود جالوت ، وكما تغلّب سليمان على مَلِكَة سبأ ) . لمَحق المشركون معالم التوحيد ( كما محق بختنصر هيكل سليمان ) فتكون هذه الجملة تذييلاً لجملة { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } [ الحج : 39 ] ، أي أذن للمسلمين بالقتال كما أذن لأمم قبلَهم لكيلا يطغى عليهم المشركون كما طغوا على من قبلهم حين لم يأذن الله لهم بالقتال ، فالتعريف في { الناس } تعريف الجنس .
وإضافة الدفاع إلى الله إسناد مجازي عقلي لأنه أذن للناس أن يدفعوا عن معابدهم فكان إذن الله سبب الدفع . وهذا يهيب بأهل الأديان إلى التألب على مقاومة أهل الشرك .
وقرأ نافع ، وأبو جعفر ، ويعقوب { دفاع . } وقرأ الباقون { دَفْع } بفتح الدال وبدون ألف . و { بعضهم } بدل من { الناسَ } بدل بعض . و { ببعض } متعلق ب { دفاع } والباء للآلة .
والهدم : تقويض البناء وتسقيطه .
وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو جعفر { لهُدِمت } بتخفيف الدال . وقرأه الباقون بتشديد الدال للمبالغة في الهدم ، أي لهدّمت هدْماً ناشئاً عن غيظ بحيث لا يبقون لها أثراً .
والصوامع : جمع صومعة بوزن فَوْعلة ، وهي بناء مستطيل مرتفع يصعُد إليه بدرج وبأعلاه بيت ، كان الرهبان يتّخذونه للعبادة ليكونوا بعداء عن مشاغلة الناس إياهم ، وكانوا يوقدون به مصابيح للإعانة على السهر للعبادة ولإضاءة الطريق للمارين . من أجل ذلك سُمّيت الصومعة المنارة . قال امرؤ القيس :
تضيء الظلام بالعشيّ كأنها *** مَنارة مُمْسَى رَاهب مُتَبتّل
والبِيَع : جمع بيعة بكسر الباء وسكون التحتية مكان عبادة النصارى ولا يعرف أصل اشتقاقها ، ولعلها معرّبة عن لغة أخرى .
والصلوات : جمع صلاة وهي هنا مراد بها كنائس اليهود معرّبة عن كلمة ( صلوثا ) ( بالمثلثة في آخره بعدها ألف ) . فلمّا عُربت جعلوا مكان المثلثة مثناة فوقية وجمعوها كذلك . وعن مجاهد ، والجحدري ، وأبي العالية ، وأبي رجاء أنهم قرأوها هنا { وصلواث } بمثلثة في آخره . وقال ابن عطية : قرأ عكرمة ، ومجاهد { صِلْويثا بكسر الصاد وسكون اللام وكسر الواو وقصر الألف بعد الثاء ( أي المثلثة كما قال القرطبي ) وهذه المادة قد فاتت أهل اللغة وهي غفلة عجيبة .
والمساجد : اسم لمحل السجود من كل موضع عبادة ليس من الأنواع الثلاثة المذكورة قبله وقت نزول هذه الآية فتكون الآية نزلت في ابتداء هجرة المسلمين إلى المدينة حين بنَوا مسجدَ قباء ومسجد المدينة .
وجملة { يذكر فيها اسم الله كثيراً } صفة والغالب في الصفة الواردة بعد جمل متعاطفة فيها أن ترجع إلى ما في تلك الجمل من الموصوف بالصفة . فلذلك قيل برجوع صفة { يذكر فيها اسم الله } إلى { صوامع ، وبيع ، وصلوات ، ومساجد } للأربعة المذكورات قبلها وهي معاد ضمير { فيها .
وفائدة هذا الوصف الإيماء إلى أن سبب هدمها أنها يذكر فيها اسم الله كثيراً ، أي ولا تذكر أسماء أصنام أهل الشرك فإنهم لما أخرجوا المسلمين بلا سبب إلا أنهم يذكرون اسم الله فيقولون ربنا الله ، لِمَحْو ذكرِ اسم الله من بلدهم لا جرم أنهم يهدمون المواضع المجعولة لذكر اسم الله كثيراً ، أي دون ذكر الأصنام . فالكثرة مستعملة في الدوام لاستغراق الأزمنة ، وفي هذا إيماء إلى أن في هذه المواضع فائدة دينية وهي ذكر اسم الله .
قال ابن خويز منداد من أيمة المالكية ( من أهل أواخر القرن الرابع ) تضمنت هذه الآية المنع من هدم كنائس أهل الذمة وبِيَعهم وبيوت نارهم اه .
قلت : أما بيوت النار فلا تتضمن هذه الآية منع هدمها فإنها لا يذكر فيها اسم الله وإنما مَنع هدمَها عقدُ الذمة الذي ينعقد بين أهلها وبين المسلمين ، وقيل الصفة راجعة إلى مساجد خاصة .
وتقديم الصوامع في الذكر على ما بعده لأنّ صوامع الرهبان كانت أكثر في بلاد العرب من غيرها ، وكانت أشهر عندهم ، لأنهم كانوا يهتدون بأضوائها في أسفارهم ويأوون إليها ، وتعقيبها بذكر البيع للمناسبة إذ هي معابد النصارى مثل الصوامع . وأما ذكر الصلوات بعدهما فلأنه قد تهيأ المقام لذكرها ، وتأخير المساجد لأنها أعم ، وشأن العموم أن يعقب به الخصوص إكمالاً للفائدة .
وقوله { ولينصرن الله من ينصره } عطف على جملة { ولولا دفاع الله الناس } ، أي أمر الله المسلمين بالدفاع عن دينهم . وضمن لهم النصر في ذلك الدفاع لأنهم بدفاعهم ينصرون دين الله ، فكأنهم نصروا الله ، ولذلك أكد الجملة بلام القسم ونون التوكيد . وهذه الجملة تذييل لما فيها من العموم الشامل للمسلمين الذين أخرجهم المشركون .
وجملة { إن الله لقوي عزيز } تعليل لجملة { ولينصرن الله من ينصره } ، أي كان نصرهم مضموناً لأنّ ناصرهم قدير على ذلك بالقوة والعزة . والقوة مستعملة في القدرة : والعزّة هنا حقيقة لأنّ العزّة هي المنعة ، أي عدم تسلّط غير صاحبها على صاحبها .
بدل من { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق } وما بينهما اعتراض . فالمراد من { الذين إن مكناهم في الأرض } [ الحج : 41 ] المهاجرون فهو ثناء على المهاجرين وشهادة لهم بكمال دينهم . وعن عثمان : « هذا والله ثناء قبلَ بَلاء » ، أي قبل اختبار ، أي فهو من الإخبار بالغيب الذي علمه الله من حالهم . ومعنى { إن مكناهم في الأرض } [ الحج : 41 ] أي بالنصر الذي وعدناهم في قوله : { إن الله على نصرهم لقدير } [ الحج : 39 ] .
وأن لهم ما يبرر خوضهم للمعركة فهم منتدبون لمهمة إنسانية كبيرة ، لا يعود خيرها عليهم وحدهم ، إنما يعود على الجبهة المؤمنة كلها ؛ وفيها ضمان لحرية العقيدة وحرية العبادة . وذلك فوق أنهم مظلومون أخرجوا من ديارهم بغير حق : ( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا : ربنا الله ) . . وهي أصدق كلمة أن تقال ، وأحق كلمة بأن تقال . ومن أجل هذه الكلمة وحدها كان إخراجهم . فهو البغي المطلق الذي لا يستند إلى شبهة من ناحية المعتدين . وهو التجرد من كل هدف شخصي من ناحية المعتدى عليهم ، إنما هي العقيدة وحدها من أجلها يخرجون ، لا الصراع على عرض من أعراض هذه الأرض ، التي تشتجر فيها الأطماع ؛ وتتعارض فيها المصالح ؛ وتختلف فيها الاتجاهات وتتضارب فيها المنافع !
ووراء هذا كله تلك القاعدة العامة . . حاجة العقيدة إلى الدفع عنها : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ) . .
والصوامع أماكن العبادة المنعزلة للرهبان ، والبيع للنصارى عامة وهي أوسع من الصوامع ، والصلوات أماكن العبادة لليهود . والمساجد أماكن العبادة للمسلمين .
وهي كلها معرضة للهدم - على قداستها وتخصيصها لعبادة الله - لا يشفع لها في نظر الباطل أن اسم الله يذكر فيها ، ولا يحميها إلا دفع الله الناس بعضهم ببعض . أي دفع حماة العقيدة لأعدائها الذين ينتهكون حرمتها ، ويعتدون على أهلها . فالباطل متبجح لا يكف ولا يقف عن العدوان إلا أن يدفع بمثل القوة التي يصول بها ويجول . ولا يكفي الحق أنه الحق ليقف عدوان الباطل عليه ، بل لا بد من القوة تحميه وتدفع عنه . وهي قاعدة كلية لا تتبدل ما دام الإنسان هو الإنسان !
ولا بد من وقفة أمام هذه النصوص القليلة الكلمات العميقة الدلالة ، وما وراءها من أسرار في عالم النفس وعالم الحياة .
إن الله يبدأ الإذن بالقتال للذين قاتلهم المشركون ، واعتدى عليهم المبطلون ، بأن الله يدافع عن الذين آمنوا ، وأنه يكره المعتدين عليهم من الكفار الخائنين :
( إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور ) . .
فقد ضمن للمؤمنين إذن أنه هو تعالى يدافع عنهم . ومن يدافع الله عنه فهو ممنوع حتما من عدوه ، ظاهر حتما على عدوه . . ففيم إذن يأذن لهم بالقتال ? وفيم إذن يكتب عليهم الجهاد ? وفيم إذن يقاتلون فيصيبهم القتل والجرح ، والجهد والمشقة ، والتضحية والآلام . . . والعاقبة معروفة ، والله قادر على تحقيق العاقبة لهم بلا جهد ولا مشقة ، ولا تضحية ولا ألم ، ولا قتل ولا قتال ?
والجواب أن حكمة الله في هذا هي العليا ، وأن لله الحجة البالغة . . والذي ندركه نحن البشر من تلك الحكمة ويظهر لعقولنا ومداركنا من تجاربنا ومعارفنا أن الله سبحانه لم يرد أن يكون حملة دعوته وحماتها من " التنابلة " الكسالى ، الذين يجلسون في استرخاء ، ثم يتنزل عليهم نصره سهلا هينا بلا عناء ، لمجرد أنهم يقيمون الصلاة ويرتلون القرآن ويتوجهون إلى الله بالدعاء ، كلما مسهم الأذى ووقع عليهم الاعتداء !
نعم إنهم يجب أن يقيموا الصلاة ، وأن يرتلوا القرآن ، وأن يتوجهوا إلى الله بالدعاء في السراء والضراء . ولكن هذه العبادة وحدها لا تؤهلهم لحمل دعوة الله وحمايتها ؛ إنما هي الزاد الذي يتزودونه للمعركة . والذخيرة التي يدخرونها للموقعة ، والسلاح الذي يطمئنون إليه وهم يواجهون الباطل بمثل سلاحه ويزيدون عنه سلاح التقوى والإيمان والاتصال بالله .
لقد شاء الله تعالى أن يجعل دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم كي يتم نضجهم هم في أثناء المعركة . فالبنية الإنسانية لا تستيقظ كل الطاقات المذخورة فيها كما تستيقظ وهي تواجه الخطر ؛ وهي تدفع وتدافع ، وهي تستجمع كل قوتها لتواجه القوة المهاجمة . . عندئذ تتحفز كل خلية بكل ما أودع فيها مناستعداد لتؤدي دورها ؛ ولتتساند مع الخلايا الأخرى في العمليات المشتركة ؛ ولتؤتي أقصى ما تملكه ، وتبذل آخر ما تنطوي عليه ؛ وتصل إلى أكمل ما هو مقدور لها وما هي مهيأة له من الكمال .
والأمة التي تقوم على دعوة الله في حاجة إلى استيقاظ كل خلاياها ، واحتشاد كل قواها ، وتوفز كل استعدادها ، وتجمع كل طاقاتها ، كي يتم نموها ، ويكمل نضجها ، وتتهيأ بذلك لحمل الأمانة الضخمة والقيام عليها .
والنصر السريع الذي لا يكلف عناء ، والذي يتنزل هينا لينا على القاعدين المستريحين ، يعطل تلك الطاقات عن الظهور ، لأنه لا يحفزها ولا يدعوها .
وذلك فوق أن النصر السريع الهين اللين سهل فقدانه وضياعه . أولا لأنه رخيص الثمن لم تبذل فيه تضحيات عزيزة . وثانيا لأن الذين نالوه لم تدرب قواهم على الاحتفاظ به ولم تحشد طاقاتهم وتشحد لكسبه . فهي لا تتحفز ولا تحتشد للدفاع عنه .
وهناك التربية الوجدانية والدربة العملية تلك التي تنشأ من النصر والهزيمة ، والكر والفر ، والقوة والضعف والتقدم والتقهقر . ومن المشاعر المصاحبة لها . . من الأمل والألم . ومن الفرح والغم ، ومن الاطمئنان والقلق . ومن الشعور بالضعف والشعور بالقوة . . ومعها التجمع والفناء في العقيدة والجماعة والتنسيق بين الاتجاهات في ثنايا المعركة وقبلها وبعدها وكشف نقط الضعف ونقط القوة ، وتدبير الأمور في جميع الحالات . . وكلها ضرورية للأمة التي تحمل الدعوة وتقوم عليها وعلى الناس .
من أجل هذا كله ، ومن أجل غيره مما يعلمه الله . . جعل الله دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم ؛ ولم يجعله لقية تهبط عليهم من السماء بلا عناء .
والنصر قد يبطئ على الذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا : ربنا الله . فيكون هذا الإبطاء لحكمة يريدها الله .
قد يبطئ النصر لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد نضجها ، ولم يتم بعد تمامها ، ولم تحشد بعد طاقاتها ، ولم تتحفز كل خلية وتتجمع لتعرف أقصى المذخور فيها من قوى واستعدادات . فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكا لعدم قدرتها على حمايته طويلا !
وقد يبطئ النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة ، وآخر ما تملكه من رصيد ، فلا تستبقي عزيزا ولا غالبا ، لا تبذله هينا رخيصا في سبيل الله .
وقد يبطئ النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها ، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر . إنما يتنزل النصر من عند الله عندما تبذل آخر ما في طوقها ثم تكل الأمر بعدها إلى الله .
وقد يبطئ النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله ، وهي تعاني وتتألم وتبذل ؛ ولا تجد لها سندا إلا الله ، ولا متوجها إلا إليه وحده في الضراء . وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على النهج بعد النصر عندما يتأذن به الله . فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها به الله .
وقد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته فهي تقاتل لمغنم تحققه ، أو تقاتل حمية لذاتها ، أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها . والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله ، بريئا من المشاعر الأخرى التي تلابسه . وقد سئل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] الرجل يقاتل حمية والرجل يقاتل شجاعة والرجل يقاتل ليرى . فأيها في سبيل الله . فقال : " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " .
كما قد يبطئ النصر لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير ، يريد الله أن يجرد الشر منها ليتمحض خالصا ، ويذهب وحده هالكا ، لا تتلبس به ذرة من خير تذهب في الغمار !
وقد يبطئ النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تماما . فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصارا من المخدوعين فيه ، لم يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله ؛ فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة . فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عاريا للناس ، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية !
وقد يبطئ النصر لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة . فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة لا يستقر لها معها قرار . فيظل الصراع قائما حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر ، ولاستبقائه !
من أجل هذا كله ، ومن أجل غيره مما يعلمه الله ، قد يبطئ النصر ، فتتضاعف التضحيات ، وتتضاعف الآلام . مع دفاع الله عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية .
وللنصر تكاليفه وأعباؤه حين يتأذن الله به بعد استيفاء أسبابه وأداء ثمنه ، وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه :
( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز . الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وأمروا بالمعروف ، ونهوا عن المنكر ؛ ولله عاقبة الأمور ) . .
فوعد الله المؤكد الوثيق المتحقق الذي لا يتخلف هو أن ينصر من ينصره . . فمن هم هؤلاء الذين ينصرون الله ، فيستحقون نصر الله ، القوي العزيز الذي لا يهزم من يتولاه ? إنهم هؤلاء : ( الذين إن مكناهم في الأرض )
الأولى-قوله تعالى : " الذين أخرجوا من ديارهم " هذا أحد ما ظلموا به ، وإنما أخرجوا لقولهم : ربنا الله وحده . فقوله : " إلا أن يقولوا ربنا الله " استثناء منقطع ، أي لكن لقولهم ربنا الله ، قاله سيبويه . وقال الفراء : يجوز أن تكون في موضع خفض ، يقدرها مردودة على الباء ، وهو قول أبي إسحاق الزجاج ، والمعنى عنده : الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا بأن يقولوا ربنا الله ، أي أخرجوا بتوحيدهم ، أخرجهم أهل الأوثان . و " الذين أخرجوا " في موضع خفض بدلا من قوله : " للذين يقاتلون " .
الثانية-قال ابن العربي : قال علماؤنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحل له الدماء ، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل مدة عشرة أعوام ؛ لإقامة حجة الله تعالى عليهم ، ووفاء بوعده الذي امتن به بفضله في قوله : " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " {[11538]} [ الإسراء : 15 ] . فاستمر الناس في الطغيان وما استدلوا بواضح البرهان ، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم عن بلادهم ، فمنهم من فر إلى أرض الحبشة ، ومنهم من خرج إلى المدينة ، ومنهم من صبر على الأذى . فلما عتت قريش على الله تعالى وردوا أمره وكذبوا نبيه عليه السلام ، وعذبوا من آمن به ووحده وعبده ، وصدق نبيه عليه السلام واعتصم بدينه ، أذن{[11539]} الله لرسوله في القتال والامتناع والانتصار ممن ظلمهم ، وأنزل " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا - إلى قوله - الأمور " .
الثالثة-في هذه الآية دليل على أن نسبة الفعل الموجود من الملجأ المكره إلى الذي ألجأه وأكرهه ؛ لأن الله تعالى نسب الإخراج إلى الكفار ؛ لأن الكلام في معنى تقدير الذنب وإلزامه . وهذه الآية مثل قوله تعالى : " إذ أخرجه الذين كفروا " [ التوبة : 40 ] والكلام فيهما واحد ، وقد تقدم في " التوبة " {[11540]} والحمد لله .
الرابعة-قوله تعالى{[11541]} : " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض " أي لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء ، لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بينته{[11542]} أرباب الديانات من مواضع العبادات ، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة . فالجهاد أمر متقدم في الأمم ، وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات ، فكأنه قال : أذن في القتال ، فليقاتل المؤمنون . ثم قوي هذا الأمر في القتال بقوله : " ولولا دفع الله الناس " الآية ، أي لولا القتال والجهاد لتغلب على الحق في كل أمة . فمن استبشع من النصارى والصابئين الجهاد فهو مناقض لمذهبه ؛ إذ لولا القتال لما بقي الدين الذي يذب عنه . وأيضا هذه المواضع التي اتخذت قبل تحريفهم وتبديلهم وقبل نسخ تلك الملل بالإسلام إنما ذكرت لهذا المعنى ، أي لولا هذا الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس ، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع ، وفي زمن محمد عليه السلام المساجد .
" لهدمت " {[11543]} من هدمت البناء أي نقضته فانهدم . قال ابن عطية : هذا أصوب ما قيل في تأويل الآية . وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : ولولا دفع الله بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الكفار عن التابعين فمن بعدهم . وهذا وإن كان فيه دفع قوم بقوم إلا أن معنى القتال أليق ، كما تقدم . وقال مجاهد : لولا دفع الله ظلم قوم بشهادة العدول . وقالت فرقة : ولولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة . وقال أبو الدرداء : لولا أن الله عز وجل يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد ، وبمن يغزو عمن لا يغزو ، لأتاهم العذاب . وقالت فرقة : ولولا دفع الله العذاب بدعاء الفضلاء والأخيار إلى غير ذلك من التفصيل المفسر لمعنى الآية ، وذلك أن الآية ولا بد تقتضي مدفوعا من الناس ومدفوعا عنه ، فتأمله .
الخامسة-قال ابن خويز منداد : تضمنت هذه الآية المنع من هدم كنائس أهل الذمة وبيعهم وبيوت نيرانهم ، ولا يتركون أن يحدثوا ما لم يكن ، ولا يزيدون في البنيان لا سعة ولا ارتفاعا ، ولا ينبغي للمسلمين أن يدخلوها ولا يصلوا فيها ، ومتى أحدثوا زيادة وجب نقضها . وينقض ما وجد في بلاد الحرب من البيع والكنائس . وإنما لم ينقض ما في بلاد الإسلام لأهل الذمة ؛ لأنها جرت مجرى بيوتهم وأموالهم التي عاهدوا عليها في الصيانة . ولا يجوز أن يمكنوا من الزيادة لأن في ذلك إظهار أسباب الكفر . وجائز أن ينقض المسجد ليعاد بنيانه ، وقد فعل ذلك عثمان رضي الله عنه بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم .
السادسة- قرئ " لهدمت " بتخفيف الدال وتشديدها .
قوله تعالى : " صوامع وبيع " جمع صومعة ، وزنها فوعلة ، وهي بناء مرتفع حديد الأعلى ، يقال : صمع الثريدة أي رفع رأسها وحدده . ورجل أصمع القلب أي حاد الفطنة . والأصمع من الرجال الحديد القول . وقيل : هو الصغير الأذن من الناس وغيرهم . وكانت قبل الإسلام مختصة برهبان النصارى وبعباد الصابئين - قال قتادة - ثم استعمل في مئذنة المسلمين . والبيع . جمع بيعة ، وهي كنيسة النصارى . وقال الطبري : قيل هي كنائس اليهود ، ثم أدخل عن مجاهد ما لا يقتضي ذلك .
قوله تعالى : " وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا " قال الزجاج والحسن : هي كنائس اليهود ، وهي بالعبرانية صلوتا . وقال أبو عبيدة : الصلوات بيوت تبنى للنصارى في البراري يصلون فيها في أسفارهم ، تسمى صلوتا فعربت فقيل : صلوات . وفي " صلوات " تسع قراءات ذكرها ابن عطية : صلوات ، صُلْوات ، صَلْوات ، صِلْوات ، صُلُولى على وزن فُعُولى ، صُلُوب بالباء بواحدة جمع صليب ، صُلُوث بالثاء المثلثة على وزن فعول ، صُلُوات بضم الصاد واللام وألف بعد الواو ، صُلُوثا بضم الصاد واللام وقصر الألف بعد الثاء المثلثة ، [ صِلْويثا بكسر الصاد وإسكان اللام وواو مكسورة بعدها ياء بعدها ثاء منقوطة بثلاث بعدها ألف ]{[11544]} . وذكر النحاس : وروي عن عاصم الجحدري أنه قرأ " وصلوب " . وروي عن الضحاك " وصَلُوث " بالثاء معجمة بثلاث ، ولا أدري أفتح الصاد أم ضمها .
قلت : فعلى هذا تجيء هنا عشر قراءات . وقال ابن عباس : ( الصلوات الكنائس ) . أبو العالية : الصلوات مساجد الصابئين . ابن زيد : هي صلوات المسلمين تنقطع إذا دخل عليهم العدو وتهدم المساجد ، فعلى هذا استعير الهدم للصلوات من حيث تعطل ، أو أراد موضع صلوات فحذف المضاف . وعلى قول ابن عباس والزجاج وغيرهم يكون الهدم حقيقة . وقال الحسن : هدم الصلوات تركها ، قطرب : هي الصوامع الصغار ولم يسمع لها واحد . وذهب خصيف إلى أن القصد بهذه الأسماء تقسيم متعبدات الأمم . فالصوامع للرهبان ، والبيع للنصارى ، والصلوات لليهود ، والمساجد للمسلمين . قال ابن عطية : والأظهر أنها قصد بها المبالغة في ذكر المتعبدات . وهذه الأسماء تشترك الأمم في مسمياتها ، إلا البيعة فإنها مختصة بالنصارى في لغة العرب . ومعاني هذه الأسماء هي في الأمم التي{[11545]} لها كتاب على قديم الدهر . ولم يذكر في هذه الآية المجوس ولا أهل الإشراك ؛ لأن هؤلاء ليس لهم ما يجب حمايته ، ولا يوجد ذكر الله إلا عند أهل الشرائع . وقال النحاس : " يذكر فيها اسم الله " الذي يجب في كلام العرب على حقيقة النظر أن يكون " يذكر فيها اسم الله " عائدا على المساجد لا على غيرها ؛ لأن الضمير يليها . ويجوز أن يعود على " صوامع " وما بعدها ، ويكون المعنى وقت شرائعهم وإقامتهم الحق .
السابعة-فإن قيل : لم قدمت مساجد أهل الذمة ومصلياتهم على مساجد المسلمين ؟ قيل : لأنها أقدم بناء . وقيل لقربها من الهدم وقرب المساجد من الذكر ، كما أخر السابق في قوله : " فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات " {[11546]}[ فاطر : 32 ] .
الثامنة-قوله تعالى : " ولينصرن الله من ينصره " أي من ينصر دينه ونبيه . " إن الله لقوي " أي قادر . قال الخطابي : القوي يكون بمعنى القادر ، ومن قوي على شيء فقد قدر عليه . " عزيز " أي جليل شريف ، قاله الزجاج . وقيل الممتنع الذي لا يرام ، وقد بيناهما في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى .