التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَا وَهُم مِّن فَزَعٖ يَوۡمَئِذٍ ءَامِنُونَ} (89)

هذه الجملة بيان ناشىء عن قوله { ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله } [ النمل : 87 ] لأن الفزع مقتضٍ الحشر والحضور للحساب . و ( من ) في كلتا الجملتين شرطية .

والمجيء مستعمل في حقيقته . والباء في { بالحسنة } و { بالسيئة } للمصاحبة المجازية ، ومعناها : أنه ذو الحسنة أو ذو السيئة . وليس هذا كقوله { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } في آخر الأنعام ( 160 ) . فالمعنى هنا : من يجيء يومئذ وهو من فاعلي الحسنة ومن جاء وهو من أهل السيئة ، فالمجيء ناظر إلى قوله { وكل أتوه داخرين } [ النمل : 87 ] والحسنة والسيئة هنا للجنس وهو يحمل على أكمل أفراده في المقام الخطابي ، أي من تمحضت حالته للحسنات أو كانت غالب أحواله كما يقتضيه قوله { وهم من فزع يومئذ ءامنون } ، وكذلك الذي كانت حالته متمحضة للسيئات أو غالبة عليه ، كما اقتضاه قوله { فكبت وجوههم في النار } .

و { خير منها } اسم تفضيل اتصلت به ( من ) التفضيلية ، أي فله جزاء خير من حسنة واحدة لقوله تعالى في الآية الأخرى { فله عشر أمثالها } [ الأنعام : 160 ] أو خير منها شرفاً لأن الحسنة من فعل العبد والجزاء عليها من عطاء الله .

وقوله { وهم من فزع يومئذ ءامنون } تبيين قوله آنفاً { إلا من شاء الله } [ النمل : 87 ] . وهؤلاء هم الذين كانوا أهل الحسنات ، أي تمحضوا لها أو غلبت على سيئاتهم غلبة عظيمة بحيث كانت سيئاتهم من النوع المغفور بالحسنات أو المدحوض بالتوبة ورد المظالم . وكذلك قوله { ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار } ، أي غلبت سيئاتهم وغطت على حسناتهم أو تمحضوا للسيئات بأن كانوا غير مؤمنين أو كانوا من المؤمنين أهل الجرائم والشقاء . وبين أهل هاتين الحالتين أصناف كثيرة في درجات الثواب ودركات العقاب . وجماع أمرها أن الحسنة لها أثرها يومئذ عاجلاً أو بالآخارة ، وأن السيئة لها أثرها السيء بمقدارها ومقدار ما معها من أمثالها وما يكافئها من الحسنات أضدادها { فلا تظلم نفس شيئاً } [ الأنبياء : 47 ] .

وقرأ الجمهور { من فزع يومئذ } بإضافة { فزع } إلى ( يوم ) من { يومئذ } وإضافة ( يوم ) إلى { إذ } ففتحة ( يوم ) فتحة بناء ، لأنه اسم زمان أضيف إلى اسم غير متمكن ف { فزع } معرف بالإضافة إلى ( يوم ) و ( يوم ) معرف بالإضافة إلى ( إذ ) و ( إذ ) مضافة إلى جملتها المعوض عنها تنوين العوض . والتقدير : من فزع يوم إذ يأتون ربهم .

وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتنوين { فزع } ، و { يومئذ } منصوباً على المفعول فيه فيه متعلقاً ب { آمنون } . والمعنى واحد على القراءتين إذ المراد الفزع المذكور في قوله

{ ففزع من في السماوات ومن في الأرض } [ النمل : 87 ] فلما كان معيناً استوى تعريفه وتنكيره . فاتحدت القراءتان معنى لأن إضافة المصدر وتنكيره سواء في عدم إفادة العموم فتعين أنه فزع واحد .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَا وَهُم مِّن فَزَعٖ يَوۡمَئِذٍ ءَامِنُونَ} (89)

59

في هذا اليوم المفزع الرهيب يكون الأمن والطمأنينة من الفزع جزاء الذين أحسنوا في الحياة الدنيا ، فوق ما ينالهم من ثواب هو أجزل من حسناتهم وأوفر :

( من جاء بالحسنة فله خير منها . وهم من فزع يومئذ آمنون ) .

والأمن من هذا الفزع هو وحده جزاء . وما بعده فضل من الله ومنة . ولقد خافوا الله في الدنيا فلم يجمع عليهم خوف الدنيا وفزع الآخرة . بل أمنهم يوم يفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَا وَهُم مِّن فَزَعٖ يَوۡمَئِذٍ ءَامِنُونَ} (89)

قوله تعالى : " من جاء بالحسنة فله خير منها " قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما : الحسنة لا إله إلا الله . وقال أبو معشر : كان إبراهيم يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ولا يستثني أن الحسنة لا إله إلا الله محمد رسول الله . وقال علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم : غزا رجل فكان إذا خلا بمكان قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، فبينما هو في أرض الروم في أرض جلفاء وبردى رفع صوته فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له فخرج عليه رجل على فرس عليه ثياب بيض فقال له : والذي نفسي بيده إنها الكلمة التي قال الله تعالى : " ومن جاء بالحسنة فله خير منها " وروى أبو ذر قال : قلت يا رسول الله أوصني ، قال : ( اتق الله وإذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها ) قال : قلت : يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله ؟ قال : ( من أفضل الحسنات ) وفي رواية قال : ( نعم هي أحسن الحسنات ) ذكره البيهقي . وقال قتادة : " من جاء بالحسنة " بالإخلاص والتوحيد . وقيل : أداء الفرائض كلها . قلت : إذا أتى بلا إله إلا الله على حقيقتها وما يجب لها - على ما تقدم بيانه في سورة " إبراهيم " - فقد أتى بالتوحيد والإخلاص والفرائض .

قوله تعالى : " فله خير منها " قال ابن عباس : أي وصل إليه الخير منها ، وقاله مجاهد . وقيل : فله الجزاء الجميل وهو الجنة وليس " خير " للتفضيل قال عكرمة وابن جريج : أما أن يكون له خير منها يعني من الإيمان فلا فإنه ليس شيء خيرا ممن قال لا إله إلا الله ولكن له منها خير . وقيل : " فله خير منها " للتفضيل أي ثواب الله خير من عمل العبد وقوله وذكره ، وكذلك رضوان الله خير للعبد من فعل العبد ، قاله ابن عباس وقيل : ويرجع هذا إلي الإضعاف فإن الله تعالى يعطيه بالواحدة عشرا ، وبالإيمان في مدة يسيرة الثواب الأبدي قاله محمد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد " وهم من فزع يومئذ آمنون " قرأ عاصم وحمزة والكسائي " فزع يومئذ " بالإضافة . قال أبو عبيد : وهذا أعجب إلي لأنه أعم التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم ، وإذا قال : " من فزع يومئذ " صار كأنه فزع دون فزع . قال القشيري : وقرئ : " من فزع " بالتنوين ثم قيل يعني به فزعا واحدا كما قال : " لا يحزنهم الفزع الأكبر " [ الأنبياء : 103 ] وقيل : عنى الكثرة لأنه مصدر والمصدر صالح للكثرة .

قلت : فعلى هذا تكون القراءتان بمعنى . قال المهدوي : ومن قرأ : " من فزع يومئذ " بالتنوين انتصب " يومئذ " بالمصدر الذي هو " فزع " ويجوز أن يكون صفة لفزع ويكون متعلقا بمحذوف ؛ لأن المصادر يخبر عنها بأسماء الزمان وتوصف بها ، ويجوز أن يتعلق باسم الفاعل الذي هو " آمنون " . والإضافة على الاتساع في الظروف ، ومن حذف التنوين وفتح الميم بناه لأنه ظرف زمان ، وليس الإعراب في ظرف الزمان متمكنا ، فلما أضيف إلي غير متمكن ولا معرب بني . وأنشد سيبويه :

على حينَ ألهى الناس جلُّ أمورهم *** فَنَدْلاً زُرَيْقُ المالِ نَدْلَ الثعالبِ{[12324]}


[12324]:زريق: اسم قبيلة وهو منادى. والندل هنا الأخذ باليدين. والندل أيضا السرعة في السير. "ندل الثعالب": يقال في المثل:( هو أكسب من ثعلب) لأنه يدخر لنفسه، ويأتي على ما يعدو عليه من الحيوان إذا أمكنه. والبيت في وصف تجار وقيل لصوص، وقبله: يمرون بالدهنا خفافا عيابهم *** ويرجعن من دارين بجر الحقائب