التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (169)

جملة { فخلف } تفريع على قوله : { وقطّعناهم } [ الأعراف : 168 ] إن كان المراد تقطيعهم في بلاد أعدائهم وإخراجهم من مملكتهم ، فتكون الآية مشيرة إلى عودة بني إسرائيل إلى بلادهم في عهد الملك ( كورش ) ملك الفرس في حدود سنة 530 قبل الميلاد ، فإنه لما فتح بلاد أشور أذن لليهود الذين أسرهم ( بختنصر ) أن يرجعوا إلى بلادهم فرجعوا ، وبنوا بيت المقدس بعد خرابه على يد ( نحميا ) و ( عزرا ) كما تضمنه سفر نحميا وسفر عزرا ، وكان من جملة ما أحيوه أنهم أتوا بسفر شريعة موسى الذي كتبه عزرا وقرأوه على الشعب في ( أورشليم ) فيكون المراد بالخلْف ما أوّله ذلك الفلّ من بني إسرائيل الذين رجعوا من أسر الآشوريين . والمراد بإرث الكتاب إعادة مزاولتهم التوراة التي أخرجها إليهم ( عزرا ) المعروف عند أهل الإسلام باسم عُزَير ، ويكون أخذهم عرض الأدنى أخذَ بعض الخلف لا جميعه ، لأن صدر ذلك الخلف كانوا تائبين وفيهم أنبياء وصالحون .

وإن كان المراد من تقطيعهم في الأرض أمماً تكثيرَهم والامتنانَ عليهم ، كان قوله : { فخلف من بعدهم خلف } تفريعاً على جميع القصص المتقدمة التي هي قصص أسلافهم ، فيكون المراد بالخلْف من نشأ من ذرية أولئك اليهود بعد زوال الأمة وتفرقها ، منهم الذين كانوا عند ظهور الإسلام ، وهم اليهود الذين كانوا بالمدينة ، وإلى هذا المعنى في ( الخلْف ) نحا المفسرون .

والخلْف بسكون اللام من يأتي بعد غيره سابِقِه في مكان أو عمل أو نسل ، يُبينه المقام أو القرينة ، ولا يغلب فيمن يخلف في أمر سيء ، قاله النضر بن شُميل ، خلافاً لكثير من أهل اللغة إذ قالوا : الأكثر استعمال الخلْف بسكون اللام فيمن يخلف في الشر ، وبفتح اللام فيمن يخلف في الخير ، وقال البصريون : يجوز التحريك والإسكان في الرديء ، وأما الحسن فبالتحريك فقطْ .

وهو مصدر أريد به اسم الفاعل أي خَالِف ، والخَلْف مأخوذ من الخَلَفْ ضد القدّام لأن من يجيء بعد قوم فكأنه جاء من ورائهم ، وَلاَ حَد لآخر الخلف ، بل يكون تحديده بالقرائن ، فلا ينحصر في جيل ولا في قرن ، بل قد يكون الخلف ممتداً ، قال تعالى بعد ذكر الأنبياء { فخلف من بعدهم خلفٌ أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات } [ مريم : 59 ] فيشمل من خلفهم من ذرياتهم من العرب واليهود وغيرهم ، فإنه ذكر من أسلافهم إدريسَ وهو جد نوح .

و { ورثوا } مجازٌ في القيام مقام الغير كما تقدم في قوله تعالى : { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها } في هذه السورة ( 43 ) وقوله فيها : { أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها } [ الأعراف : 100 ] فهو بمعنى الحلفية ، والمعنى : فخلف من بعدهم خلف في إرث الكتاب ، وهذا يجري على كلا القولين في تخصيص الخلف ، لأنه بيان للفعل لا لاسم الخلف .

وجملة : { يأخذون عرض هذا الأدنى } حال من ضمير { ورثوا } ، والمقصود هو ذم الخلف بأنهم يأخذون عرض الأدنى ويقولون سيغفر لنا ، ومهد لذلك بأنهم ورثوا الكتاب ليدل على أنهم يفعلون ذلك عن علم لا عن جهل ، وذلك أشد مذمة ، كما قال تعالى : { وأضله الله على علمٍ } [ الجاثية : 23 ] .

ومعنى الأخذ هنا الملابسة والاستعمال فهو مجاز أي : يلابسونه ، ويجوز كونه حقيقة كما سيأتي .

والعَرَض بفتح العين وفتح الراء الأمر الذي يزول ولا يدوم . ويراد به المال ، ويراد به أيضاً ما يعرض للمرء من الشهوات والمنافع .

والأدنى الأقرب من المكان ، والمراد به هنا الدنيا ، وفي اسم الإشارة إيماء إلى تحقير هذا العرض الذي رغبوا فيه كالإشارة في قول قيس بن الخطيم :

متى يات هذَا الموت لا يُلَفِ حاجة *** لنفسيَ إلاّ قد قضيت قضاءَها

وقد قيل : أَخذ عرض الدنيا أريد به ملابسة الذنوب ، وبذلك فسر سعيد بن جبير ، ومجاهد ، وقتادة ، والطبري ، فيشمل كل ذنب ، ويكون الأخذ مستعملاً في المجاز وهو الملابسة ، فيصدق بالتناول باليد وبغير ذلك ، فهو من عموم المجاز ، وقيل عرض الدنيا هو الرّشا وبه فسّرالسّدي ، ومعظمُ المفسرين ، فيكون الأخذ مستعملاً في حقيقته وهو التناول ، وقد يترجح هذا التفسير بقوله { وإن يأتهم عَرَض } كما سيأتي .

والقول في : { ويقولون } هو الكلام اللساني ، يقولون لمن ينكر عليهم ملابسة الذنوب وتناول الشهوات ، لأن ( ما ) بعد يقولون يناسبه الكلام اللفظي ، ويجوز أن يكون الكلام النفساني ، لأنه فرع عنه ، أي قولهم في أنفسهم يعللونها به حين يجيش فيها وازع النهي ، فهو بنمزلة قوله تعالى : { ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول } [ المجادلة : 8 ] وذلك من غرورهم في الدين .

وبناء فعل « يُغفر » على صيغة المجهول لأن الفاعل معروف ، وهو الله ، إذ لا يصدر هذا الفعل إلاّ عنه ، وللدلالة على أنهم يقولون ذلك على وجه العموم لا في خصوص الذنب الذي أنكر عليهم ، أو الذي تلبَّسُوا به حين القول ، ونائب الفاعل محذوف لعلمه من السياق ، والتقدير : سيُغفر لنا ذلك ، أو ذُنوبنا ، لأنهم يحسبون أن ذنوبهم كلها مغفورة { وقالوا لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودة } كما تقدم في سورة البقرة ( 80 ) ، أي يغفر لنا بدون سبب المغفرة ، وهو التوبة كما يعلم من السياق ، وهو جزمهم بذلك عقب ذكر الذنب دون ذكر كفارة أو نحوها .

وقوله { لنا } لا يصلح للنيابة عن الفاعل ، لأنه ليس في معنى المفعول ، إذ فعل المغفرة يتعدّى لمفعول واحد ، وأما المجرور بعده باللام فهو في معنى المفعول لأجله ، يقال : غفر الله لك ذنبك ، كما قال تعالى : { ألم نشرح لك صدرك } [ الشرح : 1 ] فلو بُني شُرح للمجهول لما صح أن يجعل { لك } نائِباً عن الفاعل .

وجملة : { ويقولون سيُغفر لنا } معطوفة على جملة ، { يأخذون } لأن كِلا الخبرين يوجب الذم ، واجتماعهما أشد في ذلك .

وجملة : { وَإنْ يأتهم عرض مثلُه يأخذوه } معطوفة على التي قبلها ، واستعير إتيان العرْض لبذله لهم إن كان المراد بالعرض المالَ ، وقد يُراد به خطور شهوته في نفوسهم إن كان المراد بالعرض جميع الشهوات والملاذ المحرمة ، واستعمال الإتيان في الذوات أنسب من استعماله في خطور الأعراض والأمور المعنوية ، لقرب المشابهة في الأول دون الثاني .

والمعنى : أنهم يعصون ، ويزعمون أن سيّئاتهم مغفورة ، ولا يُقلعون عن المعاصي .

وجملة : { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب } جواب عن قولهم : { سيُغفر لنا } إبطالاً لمضمونه ، لأن قولهم : { سيغفر لنا } يتضمن أنهم يزعمون أن الله وعدهم بالمغفرة على ذلك ، والجملة معترضة في أثناء الإخبار عن الصالحين وغيرهم ، والمقصود من هذه الجملة إعلام النبي صلى الله عليه وسلم ليحجهم بها ، فهم المقصود بالكلام . كما تشهد به قراءة { أفلا تعقلون } بتاء الخطاب .

والاستفهام للتقرير المقصود منه التوبيخ ، وهذا التقرير لا يسعهم إلاّ الاعتراف به ، لأنه صريح كتابهم ، في الإصحاح الرابع من السفر الخامس « لا تزيدوا على الكلام الذي أوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب » ولا يجدون في الكتاب أنهم يغفر لهم ، وإنما يجدون فيه التوبة كما في الإصحاح من سفر التثنية ، وكما في سفر الملوك الأول في دعوة سليمان حين بنى الهيكل في الإصحاح الثامن ، فقولهم : { سيغفر لنا } تقوّل على الله بما لم يقله .

والميثاق : العهد ، وهو وصية موسى التي بلّغها إليهم عن الله تعالى في مواضع كثيرة ، وإضافة الميثاق إلى الكتاب على معنى ( في ) أو على معنى اللام أي الميثاق المعروف به ، والكتاب توراة موسى ، وأن لا يقولوا هو مضمون ميثاق الكتاب فهو على حذف حرف الجر قبل ( أن ) الناصبة ، والمعنى : بأن لا يقولوا ، أي بانتفاء قولهم على الله غيرَ الحق ، ويجوز كونه عطف بيان من ميثاق ، فلا يقدر حرف جر ، والتقدير : ميثاق الكتاب انتفاءُ قولهم على الله الخ .

وفعل { درسوا } عطف على { يؤخذ } ، . لأن يؤخذ في معنى المضي ، لأجل دخول لم عليه ، والتقدير : ألم يؤخذ ويدرسوا ، لأن المقصود تقريرهم بأنهم درسوا الكتاب ، لا الإخبار عنهم بذلك كقوله تعالى : { ألم نجعل الأرض مهاداً والجبالَ أوتاداً وخلقناكم أزواجاً وجعلنا نومكم سُباتاً } إلى قوله { وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً } [ النبإ : 6 14 ] والتقدير : ونخلقكم أزواجاً ونجعل نومكم سباتاً ، إلى آخر الآية .

والمعنى : أنهم قد أخذ عليهم الميثاق بأن لا يقولوا على الله إلاّ الحق ، وهم عالمون بذلك الميثاق ، لأنهم درسوا ما في الكتاب فبمجموع الأمرين قامت عليهم الحجة .

وجملة : { والدارُ الآخرة خير للذين يتقون } حالية من ضمير { يأخذون } أي : يأخذون ذلك ويكذبون على الله ويصرون على الذنب وينبذون ميثاق الكتاب على علم في حال أن الدار الآخرة خير مما تعجّلوه ، وفي جعل الجملة في موضع الحال تعريض بأنهم يعلمون ذلك أيضاً فهم قد خيّروا عليه عرض الدنيا قصداً ، وليس ذلك عن غفلة صادفتهم فحرمتهم من خير الآخرة ، بل هم قد حَرموا أنفسهم ، وقرينة ذلك قوله : { أفلا تعقلون } المتفرع على قوله : { والدار الآخرة خير للذين يتقون } وقد نُزلوا في تخيرهم عرض الدينا بمنزلة من لا عقول لهم ، فخوطبوا ب { أفلا تعقلون } بالاستفهام الإنكاري ، وقد قريء بتاء الخطاب ، على الإلتفات من الغيبة إلى الخطاب .

ليكون أوقع في توجبه التوبيخ إليهم مواجهة ، وهي قراءةَ نافع ، وابن عامر ، وابن ذكوان ، وحفص عن عاصم ، ويعقوب ، وأبي جعفر ، وقرأ البقية بياء الغيبة ، فيكون توبيخهم تعريضياً .

وفي قوله : { والدارُ الآخرة خير للذين يتقون } كناية عن كونهم خَسروا خير الآخرة بأخذهم عرض الدنيا بتلك الكيفية ، لأن كون الدار الآخرة خيراً مما أخذوه يستلزم أن يكون ما أخذوه قد أفات عليهم خيرَ الآخرة .

وفي جعل الآخرة خير للمتقين كناية عن كون الذين أخذوا عَرض الدنيا بتلك الكيفية لم يكونوا من المتقين ، لأن الكناية عن خسرانهم خيرَ الآخرة مع إثبات كون خير الآخرة للمتقين تستلزم أن الذين أضاعوا خير الآخرة ليسوا من المتقين ، وهذه معان كثيرة جمعها قوله : { والدارُ الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون } وهذا من حَد الإعجاز العجيب .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (169)

138

( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ، ويقولون : سيغفر لنا . وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) . .

وصفة هذا الخلف الذي جاء بعد ذلك السلف من قوم موسى : أنهم ورثوا الكتاب ودرسوه . . ولكنهم لم يتكيفوا به ولم تتأثر به قلوبهم ولا سلوكهم . . شأن العقيدة حين تتحول إلى ثقافة تدرس وعلم يحفظ . . وكلما رأوا عرضاً من أعراض الحياة الدنيا تهافتوا عليه ، ثم تأولوا وقالوا : ( سيغفر لنا ) . . وهكذا كلما عرض لهم من أعراض الدنيا جديد تهافتوا عليه من جديد !

ويسأل سؤال استنكار :

ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ؟ ودرسوا ما فيه ؟ .

ألم يؤخذ عليهم ميثاق الله في الكتاب ألا يتأولوا ولا يحتالوا على النصوص ، وألا يخبروا عن الله إلا بالحق . . فما بالهم يقولون : ( سيغفر لنا )ويتهافتون على أعراض الحياة الدنيا ؟ ويبررون لأنفسهم هذا بالتقول على الله وتأكيد غفرانه لهم ، وهم يعلمون أن الله إنما يغفر لمن يتوبون حقاً ؛ ويقلعون عن المعصية فعلاً ؛ وليس هذا حالهم ، فهم يعودون كلما رأوا عرضاً من أعراض الحياة الدنيا ! وهم درسوا هذا الكتاب وعرفوا ما فيه ! بلى ! ولكن الدراسة لا تجدي مالم تخالط القلوب . وكم من دارسين للدين وقلوبهم عنه بعيد . إنما يدرسونه ليتأولوا ويحتالوا ، ويحرفوا الكلم عن مواضعه ، ويجدوا المخارج للفتاوى المغرضة التي تنيلهم عرض الحياة الدنيا . . وهل آفة الدين إلا الذين يدرسونه دراسة ؛ ولا يأخذونه عقيدة يتقون الله ولا يرهبونه ؟ !

( والدار الآخرة خير للذين يتقون . أفلا تعقلون ؟ ) .

نعم ! إنها الدار الآخرة ! إن وزنها في قلوب الذين يتقون هو وحده الذي يرجح الكفة ، وهو وحده الذي يعصم من فتنة العرض الأدنى القريب في هذه الدنيا . . نعم إنها هي التي لا يصلح قلب ولا تصلح حياة إلا بها ؛ ولا تستقيم نفس ولا تستقيم حياة إلا بملاحظتها . . وإلا فما الذي يعدل في النفس البشرية الرغبة الملحة في حيازة كل عرض يلوح لها من أعراض هذه الأرض ؟ وما الذي يحجزها عن الطمع ويكفها عن البغي ؟ وما الذي يهدىء فيها هياج الرغائب وسعار الشهوات وجنون المطامع ؟ وما الذي يطمئنها في صراع الحياة الدنيا على النصيب الذي لا يضيع بفوات الحياة الدنيا ؟ وما الذي يثبتها في المعركة بين الحق والباطل ، وبين الخير والشر ، وأعراض الأرض تفر من بين يديها وتنأى ؟ والشر يتبجح والباطل يطغى ؟

لا شيء يثبت على الغير والأحداث وتقلبات الأحوال في هذا الخضم الهائج وفي هذه المعركة الكبرى ؛ إلا اليقين في الآخرة ، وأنها خير للذين يتقون ، ويعفون ، ويترفعون ، ويثبتون على الحق والخير في وجه الزعازع والأعاصير والفتن ، ويمضون في الطريق لا يتلفتون . . مطمئنين واثقين ، ملء قلوبهم اليقين . .

وهذه الدار الآخرة غيب من الغيب الذي يريد دعاة " الاشتراكية العلمية " أن يلغوه من قلوبنا ومن عقيدتنا ومن حياتنا ؛ ويحلوا محله تصوراً كافراً جاهلاً مطموساً يسمونه : " العلمية " . .

ومن أجل هذه المحاولة البائسة تفسد الحياة ، وتفسد النفوس ؛ وينطلق السعار المجنون الذي لا يكبحه إلاَّ ذلك اليقين . . ينطلق سعار الرشوة والفساد والطمع والطغيان . وينتشر داء الإهمال وقلة المبالاة والخيانة في كل مجال . .

إن " العلمية " التي تناقض " الغيبية " جهالة من جهالات القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر . جهالة يرجع عنها " العلم البشري " ذاته ، ولا يبقى يرددها في القرن العشرين إلا الجهال ! جهالة تناقض فطرة " الإنسان " ومن ثم تفسد " الحياة " ذلك الإفساد الذي يهدد البشرية بالدمار ! ولكنه المخطط الصهيوني الرهيب الذي يريد أن يسلب البشرية كلها قوام حياتها وصلاحها ، ليسهل تطويعها لملك صهيون في نهاية المطاف ! والذي تردده الببغاوات هنا وهناك ، بينما الأوضاع التي أقامتها الصهيونية وكفلتها في أنحاء الأرض تمضي عن علم في تنفيذ المخطط الرهيب هنا وهناك !

ولأن قضية الآخرة ، وقضية التقوى قضيتان أساسيتان في العقيدة وفي الحياة ، يحيل السياق القرآني المخاطبين الذين يتهافتون على عرض هذا الأدنى . . عرض الحياة الدنيا . . إلى العقل :

( والدار الآخرة خير للذين يتقون . . أفلا تعقلون ؟ ) . .

ولو كان العقل هو الذي يحكم لا الهوى . . ولو كان العلم الحق لا الجهالة التي تسمى العلم هوالذي يقضي . . لكانت الدار الآخرة خيراً من عرض هذا الأدنى . ولكانت التقوى زاداً للدين والدنيا جميعاً :

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (169)

قوله تعالى : " فخلف من بعدهم خلف " يعني أولاد الذين فرقهم في الأرض . قال أبو حاتم : " الخلف " بسكون اللام : الأولاد ، الواحد والجميع فيه سواء . و " الخلف " بفتح اللام البدل ، ولدا كان أو غريبا . وقال ابن الأعرابي : " الخلف " بالفتح الصالح ، وبالجزم الطالح . قال لبيد :

ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الأجرب

ومنه قيل للرديء من الكلام : خلف . ومنه المثل السائر " سكت ألفا ونطق خلفا " . فخلف في الذم بالإسكان ، وخلف بالفتح في المدح . هذا هو المستعمل المشهور . قال صلى الله عليه وسلم : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله " . وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر . قال حسان بن ثابت :

لنا القدم الأولى إليك وخَلْفُنَا *** لأوَّلنا في طاعة الله تابع

وقال آخر .

إنا وجدنا خَلَفًا بئسَ الخَلَفْ *** أغلق عنا بابَهُ ثم حَلَفْ{[7448]}

لا يدخل البواب إلا من عرف *** عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف

ويروى : خضف ، أي ردم{[7449]} . والمقصود من الآية الذم . " ورثوا الكتاب " قال المفسرون : هم اليهود ، ورثوا كتاب الله فقرؤوه وعلموه ، وخالفوا حكمه وأتوا محارمه مع دراستهم له . فكان هذا توبيخا لهم وتقريعا . " يأخذون عرض هذا الأدنى " ثم أخبر عنهم أنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدة حرصهم ونهمهم . " ويقولون سيغفر لنا " وهم لا يتوبون . ودل على أنهم لا يتوبون .

قوله تعالى : " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه " والعرض : متاع الدنيا ، بفتح الراء . وبإسكانها ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير . والإشارة في هذه الآية إلى الرشا والمكاسب الخبيثة . ثم ذمهم باغترارهم في قولهم وأنهم بحال إذا أمكنتهم ثانية ارتكبوها ، فقطعوا باغترارهم بالمغفرة وهم مصرون ، وإنما يقول سيغفر لنا من أقلع وندم .

قلت : وهذا الوصف الذي ذم الله تعالى به هؤلاء موجود فينا . أسند الدارمي أبو محمد : حدثنا محمد بن المبارك حدثنا صدقة بن خالد عن ابن جابر عن شيخ يكنى أبا عمرو عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت ، يقرؤونه لا يجدون له شهوة ولا لذة ، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب ، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف ، إن قصروا قالوا سنبلغ ، وإن أساؤوا قالوا سيغفر لنا ، إنا لا نشرك بالله شيئا . وقيل : إن الضمير في " يأتهم " ليهود المدينة ، أي وإن يأت يهود يثرب الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عرض مثله يأخذوه كما أخذه أسلافهم .

قوله تعالى : { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون } فيه مسألتان .

الأولى - قوله تعالى : " ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب " يريد التوراة . وهذا تشديد في لزوم قول الحق في الشرع والأحكام ، وألا يميل الحكام بالرشا إلى الباطل .

قلت : وهذا الذي لزم هؤلاء وأخذ عليهم به الميثاق في قول الحق ، لازم لنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم وكتاب ربنا ، على ما تقدم بيانه في " النساء{[7450]} " ولا خلاف فيه في جميع الشرائع ، والحمد لله .

الثانية - قوله تعالى : " ودرسوا ما فيه " أي قرؤوه ، وهم قريبو عهد به . وقرأ أبو عبدالرحمن " وادارسوا ما فيه " فأدغم{[7451]} التاء في الدال . قال ابن زيد : كان يأتيهم المحق برشوة فيخرجون له كتاب الله فيحكمون له به ، فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا له . وقال ابن عباس : " ألا يقولوا على الله إلا الحق " وقد قالوا الباطل في غفران ذنوبهم الذي يوجبونه ويقطعون به . وقال ابن زيد : يعني في الأحكام التي يحكمون بها ، كما ذكرنا . وقال بعض العلماء : إن معنى " ودرسوا ما فيه " أي محوه بترك العمل به والفهم له ، من قولك : درست الريح الآثار ، إذا محتها . وخط دارس وربع دارس ، إذا امحى وعفا أثره . وهذا المعنى مواطئ - أي موافق - لقوله تعالى : " نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم{[7452]} " [ البقرة : 101 ] الآية . وقوله : " فنبذوه وراء ظهورهم{[7453]} " [ آل عمران : 187 ] . حسب ما تقدم بيانه .


[7448]:كذا وردت هذه الأبيات في الأصول. والذي في اللسان "مادة خضف" إنا وجدنا خلفا بئس الخلف***عبدا إذا ما ناء بالحمل خضف. أغلق عنا بابه ثم حلف***لا يدخل البواب إلا من عرف
[7449]:الردم: الضراط
[7450]:راجع ج 6 ص 7 فما بعدها.
[7451]:كذا في الأصول: والعبارة كما في البحر أصله تدارسوا أي فأدغم.
[7452]:راجع ج 2 ص 41.
[7453]:راجع ج 4 ص 304