معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ} (14)

قوله تعالى : { وإذا لقوا الذين آمنوا } . يعني هؤلاء المنافقين إذا لقوا المهاجرين والأنصار .

قوله تعالى : { قالوا آمنا } . كإيمانكم .

قوله تعالى : { وإذا خلوا } . رجعوا . ويجوز أن يكون من الخلوة .

قوله تعالى : { إلى } . بمعنى الباء أي بشياطينهم وقيل : إلى بمعنى مع كما قال الله تعالى ( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) أي مع أموالكم .

قوله تعالى : { شياطينهم } . أي رؤسائهم وكهنتهم قال ابن عباس : وهم خمسة نفر من اليهود : كعب بن الأشرف بالمدينة ، وأبو بردة في بني أسلم وعبد الدار في جهينة ، وعوف بن عامر في بني أسد ، وعبد الله بن السوداء بالشام . ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع له . والشيطان : المتمرد العاتي من الجن والإنس ومن كل شيء وأصله البعد ، يقال بئر شطون أي : بعيدة العمق ، سمي الشيطان شيطانا لامتداده في الشر وبعده عن الخير . وقال مجاهد : إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين . قوله تعالى : { قالوا إنا معكم } . أي : على دينكم .

قوله تعالى : { إنما نحن مستهزئون } . بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما نظهر من الإسلام .

وقرأ أبو جعفر " مستهزئون ويستهزئون وقل استهزئوا وليطفئوا وليواطئوا ويستنبئونك وخاطين وخاطون ومتكين ومتكون فمالون والمنشون " بترك الهمزة فيهن .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ} (14)

قوله : ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون( .

ذلك وصف آخر يميز المنافقون من غيرهم من الناس سواء كانوا مؤمنين أو كافرين ، إذا ما رجعوا إلى ( شياطينهم ( وهم رؤوس الكفر من أهل الكتاب والمشركين نفثوا أمامهم حقيقة ما تنطوي عليه قلوبهم المريضة من غش والتواء ومخادعة ، وهم عندئذ يبادرونهم بالقول ( إنا معكم إنما نحن مستهزئون ( أي نحن على ملكتم وطريقكم ، ولا تكن صدورهم للمسلمين غير الخديعة والاستهزاء .

والشياطين مفردها شيطان وهو مشتق من الفعل شطن ، ومعناه : بعد عن الحق والخير ، ومصدره شطون ويقال : تشيطن ، واسم الفاعل شاطن ، أي بعيد عن الخير والحق ، والشيطان من الإنس أو الجن ، هو الخبيث العاتي المتمرد وذلك لبعده عن الخير .

والشيطان صنفان من حيث الأصل أو الجنس ، وهو إما أن يكون من الجن فهو بذلك مستور عن أعين الناس ، لكونه ذا تركيبة أخرى لا يدركها بنو البشر ، والشيطان من هذا الصنف يوحي لأتباعه وأعوانه بطرقته التغريرية الموسوسة أن يجترحوا السيئات ، ويرتكبوا الخطايا ، أما الصنف الثاني : فهو من البشر وذلك صنف قد لا يقل في اقتداره على الإطغاء والغواية عن الأول ، فذلك صنف خبيث من الناس يملك من فساد الطبع وموات الضمير والرغبة اللحاحة في صنع الشر ما يمكنه من الإفساد والإغواء ، وما أكثر الشياطين من البشر الذين يوحون للناس بفعل المنكر ويزينون لهم أن يبادروا الذنوب وكل أنواع الحرام ، حتى إن الشياطين من البشر كثيرا ما يلجأون إلى الإغواء والتغرير عن طريق الإرهاب فيما يحمل الإنسان المغرور أو المفتون على اقتراف المحظورات والمفاسد .

ومن الحقائق الملموسة لكل ذي عقل ما يحيق بالبشرية دائما من أساليب التآمر والخداع ، وما يحاك لها في الظلام من صنوف الحيل والمخططات ، وذلك من أجل أن تساق هذه البشرية نحو الهاوية بكل ما في هذه العاقبة من ضروب الكوارث والمهالك ، النفسية منها الاقتصادية والاجتماعية .

إن هذه الحقائق التي نلمسها من خلال الكتب أو الصحافة أو وسائل النشر والإعلام بما يدفع الإنسان نحو الدمار الذاتي أو نحو الانمياع والتفسخ ، إن ذلك كله من كيد الشيطان الناموسي ، شيطان البشر الذي ينطلق في الأرض خلسة ، فينفث الشر والمنكر ، ويعيث بين الناس فسادا وتدميرا من أجل أن تستحيل البشرية الى ركام من المجتمعات الحائرة المضطربة ، المجتمعات التي يشينها فساد النفس وانهيار القيم وكل مقومات الإنسان الأصلية .