قوله تعالى : { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا } . سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا للمسلمين : بيت المقدس قبلتنا ، وهو أفضل من الكعبة وأقدم ، وهو مهاجر الأنبياء ، وقال المسلمون بل الكعبة أفضل ، فانزل الله تعالى { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين . فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا } . وليس شيء من هذه الفضائل لبيت المقدس . واختلف العلماء في قوله تعالى { إن أول بيت وضع للناس للذي } . فقال بعضهم : هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض ، خلقه الله قبل الأرض بألفي عام ، وكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحته ، هذا قول عبد الله بن عمر ومجاهد وقتادة والسدي . وقال بعضهم : هو أول بيت بني في الأرض .
روي عن علي بن الحسين : أن الله تعالى وضع تحت العرش بيتاً وهو البيت المعمور ، وأمر الملائكة أن يطوفوا به ، ثم أمر الملائكة الذين هم سكان الأرض أن يبنوا في الأرض بيتاً على مثاله وقدرة ، فبنوه واسمه الضراح ، وأمر من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور .
وروي أن الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفي عام ، فكانوا يحجونه ، فلما حجه آدم قالت له الملائكة : بر حجك يا آدم ، حججنا هذا البيت قبلك بألف عام ، ويروى عن ابن عباس أنه قال : أراد به ، أنه أول بيت بناه آدم في الأرض وقيل : هو أول بيت مبارك وضع هدى للناس ، يعبد الله فيه ، ويحج إليه ، وقيل : أول بيت جعل قبلة للناس . وقال الحسن والكلبي : معناه أنه أول مسجد ومتعبد وضع للناس ، يروى ذلك عن علي بن أبي طالب . قال الضحاك : أول بيت وضع فيه البركة ، وقيل : أول بيت وضع للناس يعبد الله فيه كما قال الله تعالى : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ) يعني المساجد .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا موسى بن إسماعيل ، أخبرنا عبد الواحد ، أنا الأعمش ، أخبرنا إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه قال : سمعت أبا ذر يقول : " قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولاً ؟ قال : المسجد الحرام ، قلت ثم أي ؟ قال : المسجد الأقصى ، قلت : كم كان بينهما ؟ قال : أربعون سنة ، ثم قال : أينما أدركتك الصلاة بعد فصل ، فإن الفضل فيه " . قوله تعالى ( للذي ببكة ) . قال جماعة : هي مكة نفسها ، وهو قول الضحاك ، والعرب تعاقب بين الباء والميم ، فتقول : سيد رأسه وسمده ، وضربه لازب ولازم ، وقال الآخرون بكة موضع البيت في مكة ، ومكة اسم البلد كله . وقيل : بكة موضع البيت والمطاف ، سميت بكة لأن الناس يتباكون فيها ، أي يزدحمون يبك بعضهم بعضا ، ويمر بعضهم بين يدي بعض ، . وقال عبد الله بن الزبير : سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة ، أي تدقها فل يقصدها جبار بسور إلا قصمه الله . وأما مكة سميت بذلك لقلة مائها ، من قول العرب : " مك الفصيل ضرع أمه وأمتكه " إذا امتص كل ما فيه من اللبن ، وتدعى أم رحم لأن الرحمة تنزل بها { مباركاً } نصب على الحال ، أي : ذا بركة { وهدى للعالمين } لأنه قبلة المؤمنين { فيه آيات بينات } قرأ ابن عباس( آية بينة ) على الواحد ، وأراد مقام إبراهيم وحده ، وقرأ الآخرون { آيات بينات } بالجمع ، فذكر منها مقام إبراهيم وهو الحجر الذي قام عليه إبراهيم ، وكان أثر قدميه فيه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي ، ومن تلك الآيات في البيت الحجر السود ، والحطيم ، وزمزم والمشاعر كلها ، وقيل : مقام إبراهيم جميع الحرم ، ومن الآيات في البيت أن الطير تطير فلا تعلو فوقه ، وأن الجارحة إذا قصدت صيداً فإذا دخل الصيد الحرم كفت عنه ، وإنه بلد صدر إليه الأنبياء والمرسلون والأولياء والأبرار ، وأن الطاعة والصدقة فيها تضاعف بمائة ألف .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أبو محمد بن الحسن بن احمد المخلدي ، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج ، أخبرنا أبو مصعب احمد بن أبي بكر الزهري ، أنا مالك بن أنس ، عن زيد بن رباح ، أخبرنا عبد الله بن عبد الله الأغر ، عن أبي عبد الله الأعمش عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة ، فيما سواه إلا المسجد الحرام " .
قوله تعالى : { ومن دخله كان آمناً } . من أن يهاج فيه ، وذلك بدعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال ( رب اجعل هذا بداً آمناً ) وكانت العرب في الجاهلية يقتل بعضهم بعضاً ، ويغير بعضهم على بعض ، ومن دخل الحرم أمن من القتل والغارة ، وهو المراد من الآية على قول الحسن وقتادة وأكثر المفسرين قال الله تعالى( أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) وقيل : المراد به أن من دخله عام عمرة القضاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آمناً ، كما قال تعالى ( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ) وقيل : هو خبر بمعنى الأمر تقديره : ومن دخله فأمنوه ، كقوله تعالى( فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) أي : لا ترفثوا ولا تفسقوا ، حتى ذهب بعض أهل العلم إلى أن من وجب عليه القتل قصاصاً أو حدا ، ً فالتجأ إلى الحرم فلا يستوفى منه فيه ولكنه لا يطعم ولا يبايع ولا يشارى حتى يخرج منه فيقتل قاله ابن عباس ، وبه قال أبو حنيفة ، وذهب قوم إلى أن القتل الواجب بالشرع يستوفى فيه ، أما إذا ارتكب الجريمة في الحرم فيستوفي فيه عقوبته بالاتفاق . وقيل معناه : ومن دخله معظماً له ، متقرباً إلى الله عز وجل كان آمناً يوم القيامة من العذاب .
قوله تعالى : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان منا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) .
جاء في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين واليهود تفاخروا ، فقالت اليهود : بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة ؛ لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة ، وقال المسلمون : بل الكعبة أفضل ، فأنزل الله تعالى هذه الآية{[523]} .
يخبر الله تعالى في ذلك أن أول بيت وضع لعموم الناس من أجل عبادتهم لهو الذي ببكة . وليس المراد أنه أول بيت وضع في الأرض ؛ لأنه كانت قبله بيوت كثيرة ، يدل على ذلك من الأخبار ما رواه أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ! أي مسجد وضع أول ؟ قال : " المسجد الحرام " قلت : ثم أي ؟ قال : " المسجد الأقصى " قلت : كم بينهما ؟ قال : " أربعون سنة " قلت : ثم أي ؟ قال : " ثم حيث أدركتك الصلاة فصل فكلها مسجد " {[524]} .
وقام رجل إلى علي رضي الله عنه فقال : ألا تحدثني عن البيت أهو أول بيت وضع في الأرض ؟ قال : لا ، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا{[525]} .
إذا ثبت أن هذا البيت ( الكعبة ) أول بيت وضع للناس كيما يعبدوا الله فيه ، فإنه ينبغي القول أن هذا البيت خير بيوت العبادة في الأرض طُرّا ؛ وذلك لما يُحف به من الفضل والشرف وعلو المكانة . وذلك مستفاد من ظاهر الآية ( مباركا ) طيبا .
وقد دلل الإمام الرازي على ثبوت الأولية في الفضل والشرف للكعبة خاصة يجعلها تعلو في المنزلة على بيت المقدس . وذلك بجملة دلائل منها : أولا : اتفاق الأمم على أن باني البيت هو إبراهيم الخليل عليه السلام ، وأن باني بيت المقدس هو سليمان عليه السلام . والخليل من حيث الدرجة أعظم من سليمان عليه السلام ، فهو ( الخليل ) أحد النبيين الخمسة أولى العزم المفضلين على سائر الأنبياء والمرسلين . فمن هذا الوجه لزم أن تكون الكعبة أشرف من بيت المقدس .
ثانيا : خاصية الأمن التي تتجلى في مكة حيث البيت الحرام بما ليس لذلك نظير في سائر بقاع الدنيا . وعلى هذا فإن كل من سكن مكة أمن من النهب والغارة ، لا جرم أن ذلك ببركة دعاء إبراهيم الخليل عليه السلام ؛ حيث قال : ( رب اجعل هذا بلدا آمنا ) وقال سبحانه فيما يتجلى في هذا البيت من أمن : ( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) ولم ينقل البتة أن ظالما هدم الكعبة وخرب مكة بالكلية ؛ لكن بيت المقدس قد هدمه الطاغية الشقي ، الكلداني بختنصر بالكلية .
ثالثا : لما قاد أبرهة الأشرم الجيوش والفيل متوجها صوب مكة لتخريب الكعبة وتدميرها وقد عجزت قريش عن مقاومة أولئك الطغاة المخربين ففارقت مكة لتظل الكعبة وحدها هدفا ميسورا لأبرهة وعساكره المفسدين فأرسل الله عليهم طيرا أبابيل ، وكانت صغارا تحمل أحجارا ترميمهم بها فهلك الملك وهلك العسكر بتلك الأحجار مع أنها كانت في غاية الصغير ، لا جرم أن هذه آية باهرة دالة على شرف الكعبة وهي إرهاص{[526]} لنبوة محمد صلى الله عليه و سلم{[527]} .
قوله : ( الذين ببكة ) اللام تفيد التوكيد . وبكة المراد بها مكة ، أما اشتقاقها فهو موضع خلاف ، فقد قيل : من البك وهو التدافع والتزاحم . بكه يبكه بكا إذا دفعه وزحمه . وتباك القوم إذا ازدحموا . وعلى هذا سميت مكة بكة ؛ لأنهم يتباكّون فيها أي يزدحمون في الطواف .
وقيل : البك معناه الدق . وسميت بكة ؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة فلا يريدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه وقيل غير ذلك{[528]} .
قوله : ( مباركا ) منصوب على الحال ، من البركة وهي النماء والزيادة ، وقد جعل البيت الحرام مباركا لما يحصل لحاجه ومعتمره والعاكف عنده والطائف من حوله من الخير المضاعف الكثير ، لا جرم أن فعل الخيرات وأداء الطاعات في بيت الله الحرام يفوق في كثرته فعل الطاعات والخيرات فيما سواه من الأماكن الأخرى ، فضلا عما يسعد به العابد في تلكم الديار من تكفير للخطايا والذنوب واستجابة للدعوات يهتف بها القلب المؤمن ، وهو في رحاب الله حيث البيت المفضل العتيق .
قوله : ( وهدى للعالمين ) الهدى يعني الرشاد والدلالة . هداه هدى وهديا وهداية ، أي أرشده ودله . ومنه هداه الله الطريق{[529]} وتأويل الآية هو أن الكعبة جعلت قبلة للناس لكي يستدلوا على جهة صلاتهم فحيثما كانوا لزمهم عند أداء الصلاة أن ييمموا شطرها .