الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ} (96)

قوله تعالى : { وُضِعَ لِلنَّاسِ } : هذه الجملة في موضعِ خفضٍ صفةً لبيت . وقرأ العامة : " وُضِع " مبنياً للمفعول ، وعكرمة وابن السَّمَيفَع : " وَضَع " مبنياً للفاعل ، وفي فاعله قولان ، أظهرهما ، أنه ضمير إبراهيم لتقدُّم ذكره ، ولأنه مشهورٌ بعِمارته ، والثاني : أنه ضميرُ الباري تعالى . و " للناس " متعلقٌ بالفعل قبله ، واللامُ فيه للعلةِ ، و " لَلَّذي بِبَكَّةَ " خبرٌ إنَّ ، وأَخْبر هنا بالمعرفة وهو الموصول عن النكرة وهو " أولَ بيت " لتخصيص النكرة بشيئين : الإِضافةِ والوصفِ بالجملة بعده ، وهو جائزٌ في باب إنَّ ، ومن عبارةِ سيبويه : " إنَّ قريباً منك زيدٌ " لَمَّا تخصص " قريباً " بوصفه بالجار بعده ساغ ما ذكرته لك ، وزاده حُسناً هنا كونُه اسماً " إنَّ " ، وقد جاءَتِ النكرةُ اسماً لإِنَّ وإنْ لم يكن تخصيصٌ . قال :

وإنَّ حَراماً أَنْ أَسُبَّ مجاشعاً *** بآبائيَ الشُمِّ الكرامِ الخَضَارمِ

و " ببكة " صلةٌ ، والباءُ فيه ظرفيةٌ أي : في مكة ، وبَكَّةُ فيها أوجه ، أحدُها أنها مرادفةٌ لمكة فَأُبدلت ميمُها باءً ، قالوا : والعربُ تُعاقِبُ بين الباء والميم في مواضع ، قالوا : هذا عليَّ ضَرْبَةُ لازم ولازِب ، وهذا أمرٌ راتِب وراتِم ، والنَّمِيط والنَّبيط ، وسَبَدَ رأسه وسَمَدَها ، وِأَعْبطت الحُمَّى وأَعْمَطَت ، وقيل : اسمٌ لبطن مكة ، وقيل : لمكان البيت ، وقيل : للمسجدِ نفسِه ، وأيَّدوا هذا بأن التباكَّ وهو الازدحام إنما يحصُل عند الطواف ، يقال : تَبَاكَّ الناسُ أي : ازدحموا . وهذا القولُ يُفْسِده أَنْ يكونَ الشيء ظرفاً لنفسه ، كذا قال بعضُهم ، وهو فاسدٌ لأنَّ البيتَ في المسجدِ حقيقةً ، وسُمِّيت بَكَّة ، لازدحام الناس ، وقيل : لأنها تَبُكُّ أعناق الجبابرة ، أي تَدُقُّها ، وسُمِّيتْ مكة من قولهم : " تَمَكَّكْتُ المُخَّ من العظم " إذ استقصيتَه ولم تترك منه شيئاً ، ومنه " امْتَكَّ الفصيلُ ما في ضَرْع أمه " إذا لم يترك فيه لبناً ، ورُوي أنه قال : " لا تُمَكِّكُوا على غرمائِكم " .

ثم في تسميتها بذلك أوجهٌ ، فقال ابن الأنباري : " سُمِّيَتْ بذلك لقلة مائها وزرعها وقلة خِصْبها ، فهي مأخوذةٌ من " مَكَكْتُ العظمَ " إذا لم تترك فيه شيئاً . وقيل : لأنَّ مَنْ ظلم فيها مَكَّه الله أي استقصاه بالهلاك . وقيل : لأنها وسط الأرضِ كالمخ وسطَ العظم ، وهذا قولُ الخليل بن أحمد ، وهو حسن . والمَكُّوك كأس يُشْرب به ويُكال به كالصُّواع .

قوله : { مُبَارَكاً وَهُدًى } حالان : إمَّا من المضمرِ في " وُضِع " كذا أعربه أبو البقاء وغيرُه ، وفيه نظرٌ ، مِنْ حيث إنه يَلْزَمُ الفصلُ بين الحال وبين العامل فيها بأجنبي ، وهو خبر إنَّ ، وذلك غير جائز لأنَّ الخبرَ معمولٌ لإِنَّ ، فإنْ أضْمَرْتَ عاملاً وهو " وُضِع " بعد " للذي ببكة " أي و " وُضِع " جاز ، والذي حَمل على ذلك ما يعطيه تفسير أمير المؤمنين من أنه وُضع بهذا القيد .

والظاهرُ أنَّ " وهدى " نَسَقٌ على " مباركاً " . وزعم بعضُهم أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديره : وهو هدىً ، وهو ساقطٌ الاعتبار به .

والبركة : الزيادةُ ، يقال : باركَ الله لك أي : زادَك خيراً ، وهو متعدٍّ ، ويَدُلُّ عليه : { أَن بُورِكَ مَن } [ النمل : 8 ] ويُضَمَّنُ معنى [ ما يتعدى ] بعلى كقوله : { وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ } [ الصافات : 113 ] . و " تبارَكَ " لا يَتَصَرَّف ولا يُسْتعمل مسنداً إلا الله تعالى ، ومعناه في حَقِّه تعالى : تزايَدَ خيرُه وإحسانه ، وقيل : البَرَكَةُ ثبوتُ الخيرِ ، مأخوذٌ من مَبْرَك البعير . وإمَّا من الضميرِ المستكنِّ في الجار ، وهو " ببكة " لوقوعِه صلةً ، والعاملُ فيها الجارُّ بما تضمَّنه من الاستقرارِ أو العاملُ في الجار ، ويجوزُ أَنْ ينتصِبَ على إضمارِ فعلِ المدح أو على الاختصاصِ ، ولا يَضُرُّ كونُه نكرةً ، وقد تقدَّم دلائل ذلك . و " للعالمين " كقوله : { لِّلْمُتَّقِينَ } [ الآية : 2 ] أولَ البقرة .