البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ} (96)

الوضع : الإلقاء . { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة } روي عن مجاهد : أنه تفاخر المسلمون واليهود فقالت اليهود : بيتُ المقدس أفضل وأعظم من الكعبة ، لأنّها مهاجرُ الأنبياء ، وفي الأرض المقدسة .

وقال المسلمون : بل الكعبة أفضلُ ، فنزلت .

ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة وهو : أنه لما أمر تعالى باتباع ملة إبراهيم وكان حج البيت من أعظم شعائر ملة إبراهيم ومن خصوصيات دينه ، أخذ في ذكر البيت وفضائله ليبني الحج ووجوبه .

وأيضاً فإنّ اليهود حين حولت القبلة إلى الكعبة طعنوا في نبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : بيت المقدس أفضل وأحق بالاستقبال لأنه وضع قبل الكعبة ، وهو أرض المحشر ، وقبلة جميع الأنبياء ، فأكذبهم الله في ذلك بقوله : «إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة » كما أكذبهم في دعواهم قبل : إنما حرم عليهم ما كان محرماً على يعقوب من قبل أن تنزل التوراة ، وأيضاً فإنّ كل فرقة من اليهود والنصارى زعمت أنها على ملة إبراهيم ، ومن شعائر ملته حجُّ الكعبة وهم لا يحجونها ، فأكذبهم الله في دعواهم تلك ، والأول هو الفرد السابق غيره .

وتقدم الكلام على لفظ أول في قوله : { ولا تكونوا أول كافر به } ووضع جملة في موضع الصفة .

واختلف في معنى كونه أول بيت وضع للناس .

فقيل : هو أولُ بيت ظهر على وجه الماء حين خلقت السموات والأرض ، خلقه قبل الأرض بألفي عام ، وكان زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض تحته .

وقيل : هو أول بيت بناه آدم في الأرض .

وقيل : لما أهبط آدم قالت له الملائكة : طُفْ حول هذا البيت فلقد طفنا قبلك بألفي عام ، وكان في موضعه قبل آدم ببيت يقال له : الضراح ، فرفع في الطوفان إلى السماء الرابعة يطوف به ملائكة السموات .

وذكر الشريف أبو البركات أسعد بن علي بن أبي الغنائم الحسيني الجواني النسابة : أن شيث بن آدم هو الذي بنى الكعبة بالطين والحجارة على موضع الخيمة التي كان الله وضعها لآدم من الجنة ، فعلى هذه الأقاويل يكون أول بيت وضع للناس على ظاهره ، وروي عن ابن عباس أنه أول بيت حج بعد الطوفان ، فتكون الأولية باعتبار هذا الوصف من الحج إذْ كان قبله بيوت ، وروي عن عليّ أنه سأله رجل : أهو أول بيت ؟ فقال عليّ : لا قد كان قبله بيوت ، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً فيه الهدى والرحمة والبركة ، فأخذ الأولية بقيد هذه الحال .

وقيل : أول من بناه إبراهيم ثم قوم من العرب من جرهم ، ثم هدم فبنته العمالقة ، ثم هدم فبنته قريش .

وقال أبو ذر : قلت يا رسول الله أيّ مسجد وضع أول ؟ قال : « المسجد الحرام » قلت ؛ثم أي ؟ قال : « المسجد الأقصى » قلت : كم كان بينهما ؟ قال : « أربعون سنة » وظاهر هذا الحديث أنه من وضع إبراهيم ، وهو معارض لما ذكر في الأقوال السابقة : إلا أنّ حمل الوضع على التجديد فيمكن الجمع بينهما .

وظاهرُ حديث أبي ذر يضعف قول الزجاج : إنّ بيت المقدس هو من بناء سليمان بن داود عليهما السلام ، بل يظهر منه أنه من وضع إبراهيم ، فكما وضع الكعبة وضع بيت المقدس .

وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم : « أن بين الوضعين أربعين سنة » وأين زمانُ إبراهيم من زمان سليمان ! ومعنى وضع للناس : أي متعبداً يستوي في التعبد فيه الناس ، إذ غيره من البيوت يختص بأصحابها ، والمشترك فيه الناس هو محل طاعتهم وعبادتهم وقبلتهم .

وقرأ الجمهور « وُضع » مبنياً للمفعول .

وقرأ عكرمة وابن السميفع وضع مبنياً للفاعل ، فاحتمل أنْ يعود على الله ، واحتمل أن يعودَ على إبراهيم ، وهو أقرب في الذكر وأليق وأوفق لحديث أبي ذر .

وللناس متعلق بوضع ، واللام فيه للتعليل ، وللذي ببكة خبر إنّ .

والمعنى : للبيت الذي ببكة .

وأكدت النسبة بتأكيدين : إنّ واللام .

وأخبر هنا عن النكرة وهو أول بيت لتخصصها بالإضافة ، وبالصفة التي هي وضع إما لها ، وإمّا لما أضيفت إليه .

إذْ تخصيصه تخصيصٌ لها بالمعرفة وهو للذي ببكة ، لأن المقصود الإخبار عن أول بيت وضع للناس ، ويحسن الإخبار عن النكرة بالمعرفة دخول إنّ .

ومن أمثلة سيبويه : أنّ قريباً منك زيد .

تخصص قريب بلفظ منك ، فحسن الإخبار عنه .

وقد جاء بغير تخصيص وهو جائز في الاختيار قال :

وأنّ حراماً أن أسب مجاشعا *** بآبائي الشم الكرام الخضارم

والباء في ببكة ظرفية كقولك : زيد بالبصرة .

ويضعفُ أن يكون بكة هي المسجد ، لأنه يلزم أن يكونَ الشيء ظرفاً لنفسه ، وهو لا يصحّ .

{ مباركاً وهدىً للعالمين } أمّا بركته فلما يحصلُ فيه من الثواب وتكفير السيئات لمن حجه واعتمره وطاف به وعكف عنده .

وقال القفال : يجوز أن تكون بركته ما ذكر في قوله : { يُجْبى إليه ثمرات كل شيء } وقيل : بركتُهُ دوام العبادة فيه ولزومها ، لأنّ البركة لها معنيان : أحدهما : النمو ، والآخر : الثبوت ، ومنه البركة لثبوت الماء فيها .

والبرك الصدر لثبوت الحفظ فيه ، والبراكاء الثبوت في القتال ، وتبارك الله ثبت ولم يزل .

وقيل : بركته تضعيف الثواب فيه .

روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من طاف بالبيت لم يرفع قدماً ولم يضع أخرى إلا كتب الله بها له حسنة ورفع له بها درجة » وقال الفراء : سمي مباركاً لأنه مغفرة للذنوب .

وقال ابن جرير : بركته تطهيره من الذنوب .

وقيل : بركته أنَّ مَن دخله أمن حتى الوحش ، فيجتمع فيه الظبي والكلب .

وأما كونه هدى فلأنه لما كان مقوماً مصلحاً كان فيه إرشاد .

وبولغ بكونه هدىً ، أو هو على حذف مضاف أي : وذا هدى .

قيل : ومعنى هدى أي قبلة .

وقيل : رحمة .

وقيل : صلاح .

وقيل : بيان ودلالة على الله بما فيه من الآيات التي لا يقدر عليها غيره تعالى .

وقال ابن عطية : يحتمل هنا هدى أن يكون بمعنى الدعاء ، أي من حيث دعى العالمون إليه ، وانتصاب مباركاً على الحال .

وجوزوا أنْ يكون حالاً من الضمير الذي استكن في وضع ، والعامل فيها وضع أي أنَّ أول بيت مباركاً ، أي في هذه الحال للذي ببكة .

وهذا التقدير ليس بجائز ، لأنك فصلت بين العامل في الحال وبين الحال بأجنبي وهو : الخبر ، لأنه معمول لأنَّ خبر لها ، فإنْ أضمرت وضع بعد الخبر أمكن أن يعمل في الحال ، وكان تقديره : للذي ببكة وضع مباركاً .

وعلى هذا التقدير ينبغي أن يحمل تفسير علي بن أبي طالب السابق ذكره عند ذكر كون هذا البيت أولاً ، إذ كان قد لاحظ في هذا البيت كونه وضع أولاً بقيد هذه الحال .

وجوزوا أيضاً أن يكون العامل في الحال العامل في ببكة ، أي استقر ببكة في حال بركته .

وهو وجه ظاهر الجواز ، ولم يذكر الزمخشري غيره .

وأما هدى فظاهره أنه معطوف على مباركاً ، والمعطوف على الحال حال .

وجوَّز بعضهم أنْ يكون مرفوعاً على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي وهو هدى ، ولا حاجة إلى تكلف هذا الإضمار .