قوله تعالى : { وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله } . يعني القرآن .
قوله تعالى : { قالوا نؤمن بما أنزل علينا } . يعني التوراة ، يكفينا ذلك .
قوله تعالى : { ويكفرون بما وراءه } . أي بما سواه من الكتب كقوله عز وجل ( فمن ابتغى وراء ذلك ) أي سواه ، وقال أبو عبيدة : بما بعده .
قوله تعالى : { وهو الحق } . يعني القرآن .
قوله تعالى : { مصدقاً } . نصب على الحال .
قوله تعالى : { لما معهم } . من التوراة .
قوله تعالى : { قل } . لهم يا محمد .
قوله تعالى : { فلم تقتلون } . أي قتلتم .
قوله تعالى : { أنبياء الله من قبل } . ولم : أصله لما فحذفت الألف فرقاً بين الخبر والاستفهام كقولهم فيم وبم .
قوله تعالى : { إن كنتم مؤمنين } . بالتوراة ، وقد نهيتم فيها عن قتل الأنبياء عليهم السلام .
ولما أقام سبحانه الدليل على استحقاقهم للخلود في النار بكفرهم بالكتاب الذي كانوا يستفتحون بالآتي به أقام دليلاً آخر على ذلك أبين منه وذلك بكفرهم بكتابهم نفسه فقال : { وإذا قيل لهم{[3712]} } {[3713]}أي هؤلاء الذين نقضوا عهود كتابهم{[3714]} { آمنوا بما أنزل الله } أي{[3715]} الملك الذي له{[3716]} {[3717]}الأمر كله مطلقاً . وعلى جهة العموم{[3718]} من الكتب والصحف{[3719]} . ولما رفع مقدارهم بالدعاء إلى الإيمان بما أسند إلى هذا الاسم الأعظم { قالوا } تسفيلاً لأنفسهم { نؤمن بما أنزل علينا{[3720]} } فأسقطوا اسم من يتشرف بذكره ويتبرك باسمه{[3721]} وخصوا بعض ما أنزله{[3722]} . ثم عجب من دعواهم هذه بقوله{[3723]} : { ويكفرون } أي قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون { بما وراءه } {[3724]}أي وراء ما أنزل عليهم مما أنزل الله على رسله ، وهو يشمل ما قبل التوراة وما بعدها ، لأن وراء يراد بها تارة خلف وتارة قدام ، فإذا قلت : زيد ورائي ، صح أن يراد في المكان الذي{[3725]} أواريه أنا بالنسبة إلى من{[3726]} خلفي فيكون أمامي ، وأن يراد في المكان الذي هو متوار عني فيكون خلفي . وقال الحرالي : وراء ما لا يناله الحس ولا العلم حيث ما كان من المكان ، فربما اجتمع أن يكون الشيء وراء من حيث إنه لا يعلم ويكون أماماً في المكان - انتهى . { وهو } أي والحال أن ذلك الذي وراءه هو { الحق } الواصل إلى أقصى غاياته بما دلت عليه " أل{[3727]} " قال الحرالي : فأنهاه لغاية الحق بكلمة " أل " لأن ما ثبت ولا زوال له لانتهائه هو { الحق } وما ثبت وقتاً ما ثم يتعقبه{[3728]} تكملة{[3729]} أو يقبل{[3730]} زيادة فإنما هو " حق " منكر اللفظ ، فإن بين المعروف بكلمة " أل " وبين المنكر أشد التفاوت في المعنى - انتهى . { مصدقاً لما{[3731]} معهم } فصح أنهم كافرون بما عندهم ، لأن المكذب بالمصدق لشيء مكذب بذلك الشيء .
ثم كشف ستر{[3732]} مقالتهم{[3733]} هذه{[3734]} بأبين{[3735]} نقض فقال { قل فلم } أي تسبب عن دعواكم هذه أن يقال لكم : لم { تقتلون أنبياء الله } الملك الأعظم مع أن كتابكم محرم لمطلق القتل فكيف بقتل الأنبياء ! ثم بين أن كفرهم بهذا القتل إنما هو بطريق الرضى بقتل أسلافهم{[3736]} بقوله مثبتاً الجار لأن ذلك كان منهم في بعض الأزمان{[3737]} الماضية { من قبل } وفي صيغة المضارع{[3738]} تصوير لشناعة هذا القتل بتلك الحال الفظيعة{[3739]} ورمز إلى أنهم لو قدروا الآن فعلوا فعلهم ، لأن التقدير : وتُصرّون على قتلهم من بعد ؛ وفيه إيماء إلى حرصهم على قتل النبي صلى الله عليه وسلم تحذيراً منهم ، ولقد صدق هذا الإيماء الواقع ، فقد عزم بنو النضير على أن يلقوا عليه صخرة ، وسمّه أهل خيبر .
ثم أورد مضمون دعواهم بأداة الشك فقال { إن كنتم مؤمنين } إشعاراً{[3740]} بأن مثل ذلك لا يصدر من متلبس بالإيمان{[3741]} .
قوله تعالى : { وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون } كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو من حوله من اليهود للإيمان بدعوته والدخول في دين الإسلام وتصديق ما نزل عليه من كتاب حكيم وهو القرآن . لكن اليهود كان جوابهم مخيبا إذ رفضوا الإعلان عن صدق نبوة الرسول محمد متذرعين بقولهم كما يحدثنا القرآن { نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه } وهم في ذلك يحدوهم التعصب الفاسد المريض ؛ إذ يأبون التصديق بغير ما نزل عليهم وهي التوراة ، ويرفضون ما وراء ذلك وهو القرآن مع أنه جاء مصدقا لما معهم من كتاب . والواو في الجملة الإسمية حالية ، والجملة من المبتدأ والخبر { هو الحق } في محل نصب حال . و { مصدقا } أيضا حال منصوب .
وقوله : { قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين } سؤال فيه إحراج لهم وتوبيخ . فهم إن كانوا على شيء من الحق والإيمان فلم تجرؤوا على النبيين من قبل فقتلوهم ظلما وعدوانا ؟ وهل يجرؤ على قتل نبي من كان يحمل في قلبه ذرة من إيمان ؟ !