الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (91)

قوله تعالى : { وإذا قيل لهم آمنوا } أي صدقوا . { بما أنزل الله } يعني القرآن . { قالوا نؤمن } أي نصدق . { بما أنزل علينا } يعني التوراة . { ويكفرون بما وراءه } أي بما سواه ، عن الفراء . وقتادة : بما بعده ، وهو قول أبي عبيدة ، والمعنى واحد . قال الجوهري : وراء بمعنى خلف ، وقد تكون بمعنى قدام . وهي من الأضداد ، قال الله تعالى : { وكان وراءهم ملك{[978]} } أي أمامهم ، وتصغيرها وريئه ( بالهاء ) وهي شاذة . وانتصب " وراءه " على الظرف . قال الأخفش : يقال لقيته من وراء ، فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف تجعله اسما وهو غير متمكن ، كقولك : من قبل ومن بعد ، وأنشد : إذا أنا لم أُومَنْ عليك ولم يكن *** لقاؤك إلا من وراءُ وراءُ{[979]}

قلت : ومنه قول إبراهيم عليه السلام في حديث الشفاعة : " إنما{[980]} كنت خليلا من وراء وراء " . والوراء : ولد الولد أيضا .

قوله تعالى : { وهو الحق } ابتداء وخبر . { مصدقا } حال مؤكدة عند سيبويه . { لما معهم } ما في موضع خفض باللام ، و " معهم " صلتها ،

و " معهم " نصب بالاستقرار ، ومن أسكن جعله حرفا .

قوله تعالى : { قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل } رد من الله تعالى عليهم في قولهم إنهم آمنوا بما أنزل عليهم ، وتكذيب منه لهم وتوبيخ ، المعنى : فكيف قتلتم وقد نهيتم عن ذلك ! فالخطاب لمن حضر محمدا صلى الله عليه وسلم والمراد أسلافهم . وإنما توجه الخطاب لأبنائهم ؛ لأنهم كانوا يتولون أولئك الذين قتلوا ، كما قال : { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء{[981]} } [ المائدة : 81 ] فإذا تولوهم فهم بمنزلتهم . وقيل : لأنهم رضوا فعلهم فنسب ذلك إليهم . وجاء { تقتلون } بلفظ الاستقبال وهو بمعنى المضي لما ارتفع الإشكال بقوله : { من قبل } . وإذا لم يشكل فجائز أن يأتي الماضي بمعنى المستقبل ، والمستقبل بمعنى الماضي ،

قال الحطيئة : شهد الحطيئةُ يوم يلقى ربه *** أن الوليدَ أحقُّ بالعذر

شهد بمعنى يشهد .

قوله تعالى : { إن كنتم مؤمنين } أي إن كنتم معتقدين الإيمان فلم رضيتم بقتل الأنبياء ! وقيل : " إن " بمعنى ما ، وأصل " لم " لما ، حذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر ، ولا ينبغي أن يوقف عليه ؛ لأنه إن وقف عليه بلا هاء كان لحنا ، وإن وقف عليه بالهاء زيد في السواد .


[978]:راجع ج 11 ص 34
[979]:البيت لعتي بن مالك العقيلي. (عن اللسان).
[980]:الذي في النهاية واللسان مادة (وري): "إني كنت... الخ، وفيهما، هكذا يروي مبنيا على الفتح؛ أي: من خلف حجاب".
[981]:راجع ج 6 ص 254