{ يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث } من إمكانه وكونه مقدورا ، وقرئ { من البعث } بالتحريك كالجلب . { فإنا خلقناكم } أي فانظروا في بدء خلقكم فإنه يزيح ريبكم فإنا خلقناكم . { من تراب } بخلق آدم منه ، أو الأغذية التي يتكون منها المني . { ثم من نطفة } مني من النطف وهو الصب { ثم من علقة } قطعة من الدم جامدة . { ثم من مضغة } قطعة من اللحم وهي في الأصل قدر ما يمضغ . { مخلقة وغير مخلقة } مسواة لا نقص فيها ولا عيب وغير مسواة أو تامة وساقطة أو مصورة وغير مصورة . { لنبين لكم } بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا وأن ما قبل التغير والفساد والتكون مرة قبلها أخرى ، وأن من قدر على تغييره وتصويره أولا قدر على ذلك ثانيا ، وحذف المفعول إيماء إلى أن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وحكمته ما لا يحيط به الذكر . و{ نقر في الأرحام ما نشاء } أن نقره . { إلى أجل مسمى } هو وقت الوضع وأدناه بعد ستة أشهر وأقصاه أربع سنين ، وقرئ " ونقره " بالنصب وكذا قوله : { ثم نخرجكم طفلا } عطفا على " نبين " كأن خلقهم مدرجا لغرضين تبيين القدرة وتقريرهم في الأرحام حتى يولدوا وينشؤوا ويبلغوا حد التكليف ، وقرئا بالياء رفعا ونصبا { ونقر } بالياء ونقر من قررت الماء إذا صببته ، و { طفلا } حال أجريت على تأويل كل واحد أو للدلالة على الجنس أو لأنه في الأصل مصدر . { ثم لتبلغوا أشدكم } كمالكم في القوة والعقل جمع شدة كالأنعم جمع نعمة كأنها شدة في الأمور . { ومنكم من يتوفى } عند بلوغ الأشد أو قبله . وقرئ { يتوفى } أو يتوفاه الله تعالى . { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } وهو الهرم والخوف ، وقرئ بسكون الميم . { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } ليعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية من سخافة العقل وقلة الفهم فينسى ما عمله وينكر ما عرفه ، والآية استدلال ثان على إمكان البعث بما يعتري الإنسان في أسنانه من الأمور المختلفة والأحوال المتضادة ، فإن من قدر على ذلك قدر على نظائره . { وترى الأرض هامدة } ميتة يابسة من همدت النار إذا صارت رمادا . { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت } تحركت بالنبات . { وربت } وانتفخت ، وقرئ " وربأت " أي ارتفعت . { وأنبتت من كل زوج } من كل صنف { بهيج } حسن رائق ، وهذه دلالة ثالثة كررها الله تعالى في كتابه لظهورها وكونها مشاهدة .
{ يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّنَ البعث } الخ إقامة للحجة التي تلقم المجادلين في البعث حجراً إثر الإشارة إلى ما يؤل إليه أمرهم ، واستظهر أن المراد بالناس هنا الكفرة المجادلون المنكرون للبعث ، والتعبير عن اعتقادهم في حقه بالريب أي الشك مع أنهم جازمون بعدم إمكانه إما للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم وإن كانوا في غاية ما يكون من المكابرة والعناد هو الارتياب في شأنه ، وأما الجزم بعدم الإمكان فخارج من دائرة الاحتمال كما أن تنكيره وتصديره بكلمة الشك للإشعار بأن حقه أن يكون ضعيفاً مشكوك الوقوع ، وإما للتنبيه على أن جرمهم ذلك بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح دلائل الإمكان ونهاية قوتها . وإنما لم يقل وإن ارتبتم في البعث للمبالغة في تنزيه أمره عن شائبة وقوع الريب والإشعار بأن ذلك إن وقع فمن جهتهم لا من جهته ، واعتبار استقرارهم فيه وإحاطته بهم لا ينافي اعتبار ضعفه وقلته لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوام ملابستهم به لا قوته وكثرته ، ومن ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع صفة للريب ، واستظهر أن المراد في ريب من إمكان البعث لأنه الذي يقتضيه ما بعد ، وجوز أن يكون المراد من وقوع البعث ، واعترض بأن الدليل المشار إليه فيما بعد إنما يدل على الإمكان مع ما يلزم من التكرار مع قوله تعالى الآتي : { إِنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِي القبور } [ الحج : 7 ] وفيه تأمل فتأمل ، وقرأ الحسن { مّنَ البعث } بفتح العين وهي لغة فيه كالجلب والطرد في الجلب والطرد عند البصريين ، وعند الكوفيين إسكان العين تخفيف وهو قياسي في كل ما وسطه حرف حلق كالنهر والنهر والشعر والشعر .
وقوله تعالى : { فَإِنَّا خلقناكم مّن تُرَابٍ } دليل جواب الشرط أو هو الجواب بتأويل أي وإن كنتم في ريب من البعث فانظروا إلى مبدأ خلقكم ليزول ريبكم فإنا خلقناكم الخ ، وقيل : التقدير فأخبركم وأعلمكم أنا خلقناكم الخ وليس بذاك ، وخلقهم من تراب في ضمن خلق آدم عليه السلام منه أو بخلق الأغذية التي يتكون منها المني منه وهي وإن تكونت من سائر العناصر معه إلا أنه أعظم الأجزاء على ما قيل فلذلك خصه بالذكر من بينها ، واختير الأول وجعل المعنى خلقناكم خلقاً إجمالياً من تراب { ثُمَّ } خلقناكم خلقاً تفصيلياً { مِن نُّطْفَةٍ } أي منى من النطف بمعنى التقاطر ، وقال الراغب : النطفة الماء الصافي ويعبر بها عن ماء الرجل ، قيل والتخصيص على هذا مع أن الخلق من ماءين لأن معظم أجزاء الإنسان مخلوق من ماء الرجل ، والحق أن النطفة كما يعبر بها عن منى الرجل يعبر بها عن المنى مطلقاً وكلام الراغب ليس نصاً في نفي ذلك ، والظاهر أن المراد النطفة التي يخلق منها كل واحد بلا واسطة ، وقيل : المراد نطفة آدم عليه السلام وحكى ذلك عن النقاش وهو من البعد في غايته .
{ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } أي قطعة من الدم جامدة متكونة من المنى { ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ } أي قطعة من اللحم متكونة من العلقة وأصلها قطعة لحم بقدر ما يمضغ { مُّخَلَّقَةٍ } بالجر صفة { مُضْغَةً } وكذا قوله تعالى : { وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } .
وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب فيهما على الحال من النكرة المتقدمة وهو قليل وقاسه سيبويه ، والمشهور المتبادر أن المخلقة المستبينة الخلق أي مضغة مستبينة الخلق مصورة ومضغة لم يستبن خلقها وصورتها بعد ، والمراد تفصيل حال المضغة وكونها أولاً قطعة لم يظهر فيها شيء من الأعضاء ثم ظهرت بعد ذلك شيئاً فشيئاً وكان مقتضى الترتيب المبني على التدرج من المبادىء البعيدة إلى القريبة أن يقدم غير المخلقة وإنما أخرت لكونها عدم ملكة ، وصيغة التفعيل لكثرة الأعضاء المختص كل منها بخلق وصورة ، وقيل : المخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب يقال خلق السواك والعود سواه وملسه وصخرة خلقاء أي ملساء وجبل أخلق أي أملس ؛ فالمعنى من نطفة مسواة لا نقص فيها ولا عيب في ابتداء خلقها ونطفة غير مسواة فيها عيب فالنطف التي يخلق منها الإنسان متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم ، وعن مجاهد . وقتادة . والشعبي . وأبي العالية . وعكرمة أن المخلقة التي تم لها مدة الحمل وتوارد عليها خلق بعد خلق وغير المخلقة التي لم يتم لها ذلك وسقطت ، واستدل له بما أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول » . وابن جرير . وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك الأرحام بكفه فقال : يا رب مخلقة أم غير مخلقة ؟ فإن قيل : غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفها الرحم دماً وإن قيل : مخلقة قال : يا رب ذكر أم أنثى شقي أم سعيد ما الأجل وما الأثر وما الرزق وبأي أرض تموت ؟ الخبر وهو في حكم المرفوع ، والمراد أنهم خلقوا من جنس هذه النطفة الموصوفة بالتامة والساقطة لا أنهم خلقوا من نطفة تامة ومن نطفة ساقطة إذ لا يتصور الخلق من النطفة الساقطة وهو ظاهر ، وكان التعرض على هذا لوصفها بما ذكر لتعظيم شأن القدرة وفي جعل كل واحدة من هذه المراتب مبدأ لخلقهم لا لخلق ما بعدها من المراتب كما في قوله تعالى { ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة } [ المؤمنون : 14 ] الآية مزيد دلالة على عظم قدرته تعالى : { لّنُبَيّنَ لَكُمْ } متعلق بخلقنا ، وترك المفعول لتفخيمه كماً وكيفاً أي خلقناكم على هذا النمط البديع لنبين لكم ما لا يحصره العبارة من الحقائق والدقائق التي من جملتها أمر البعث فإن من تأمل فيما ذكر من الخلق التدريجي جزم بأن من قدر على خلق البشر أولاً من تراب لم يذق ماء الحياة قط وإنشائه على وجه مصحح لتوليد مثله مرة بعد أخرى بتصريفه في أطوار الخلقة وتحويله من حال إلى حال مع ما بين تلك الأطوار والأحوال من المخالفة والتباين فهو قادر على إعادته بل هي أهون في القياس ، وقدر بعضهم المفعول خاصاً أي لنبين لكم أمر البعث وليس بذاك .
وأبعد جداً من زعم أن المعنى لنبين لكم أن التخليق اختيار من الفاعل المختار ولولا ذلك ما صار بعض أفراد المضغة غير مخلق ، وقرأ ابن أبي عبلة { لِيُبَيّنَ } بالياء على طريق الالتفات وكذا قرأ قوله تعالى :
{ وَنُقِرُّ في الأرحام مَا نَشَاء } وقرأ الجمهور بالنون ، والجملة استئناف مسوق لبيان حالهم بعد تمام خلقهم وتوارد الأطوار عليهم أي ونقر في الأرحام بعد ذلك ما نشاء أن نقره فيها { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } هو وقت الوضع وأدناه ستة أشهر وأقصاه عندنا سنتان وعند الشافعي عليه الرحمة أربع سنين ، وعن يعقوب أنه قرأ { وَنُقِرُّ } بفتح النون وضم القاف من قررت الماء إذا صببته ، وقرأ يحيى بن وثاب ما نشاء بكسر النون .
{ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ } أي من الأرحام بعد إقراركم فيها عند تمام الأجل المسمى { طِفْلاً } حال من ضمير المخاطبين ، والإفراد إما باعتبار كل واحد منهم أو بإرادة الجنس الصادق على الكثير أو لأنه مصدر فيستوي فيه الواحد وغيره كما قال المبرد أو لأن المراد طفلاً طفلاً فاختصر كما نقله الجلال السيوطي في الأشباه النحوية .
وقرأ عمر بن { شبة } يخرجكم بالياء { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ } أي كمالكم في القوة والعقل والتمييز ، وفي «القاموس » حتى يبلغ أشده ويضم أوله أي قوته وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين واحد جاء على بناء الجمع كأنك ولا نظير لهما أو جمع لا واحد له من لفظه أو واحده شدة بالكسر مع أن فعلة لا تجمع على أفعل أي قياساً فلا يرد نعمة وأنعم أو شد ككلب وأكلب أو شد كذئب وأذؤب وما هما بمسموعين بل قياس و { لِتَبْلُغُواْ } ، قال العلامة : أبو السعود : علة لنخرجكم معطوف على علة أخرى مناسبة لها كأنه قيل ثم نخرجكم لتكبروا شيئاً فشيئاً ثم لتبلغوا الخ ، وقيل علة لمحذوف والتقدير ثم نمهلكم لتبلغوا الخ .
وجوز العلامة الطيبي أن يكون التقدير { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ } كان ذلك الإقرار والإخراج ؛ وقيل إنه عطف على نبين ، وتعقبه العلامة بأنه مخل بجزالة النظم الكريم وجعله كغيره عطفاً عليه على قراءة { نُقِرَ } .
ونخرج بالنصب وهي قراءة المفضل . وأبي حاتم إلا أن الأول قرأ بالنون والثاني قرأ بالياء ، وكذا جعل الفعلين عطفاً عليه وقال : المعنى خلقناكم على التدريج المذكور لأمرين ، أحدهما : أن نبين شؤوننا ، والثاني : أن نقركم في الأرحام ثم نخرجكم صغاراً ثم لتبلغوا أشدكم ، وتقديم التبيين على ما بعده مع أن حصوله بالفعل بعد الكل للإيذان بأنه غاية الغايات ومقصود بالذات ، وإعادة اللام في { لِتَبْلُغُواْ } مع تجريد نقر { وَنُخْرِجُ } عنها للإشعار بأصالة البلوغ بالنسبة إلى الإقرار والإخراج إذ عليه يدور التكليف المؤدي إلى السعادة والشقاوة ، وإيثار البلوغ مسنداً إلى المخاطبين على التبليغ مسنداً إليه تعالى كالأفعال السابقة لأنه المناسب لبيان حال اتصافهم بالكمال واستقلالهم بمبدئية الآثار والأفعال اه .
وما ذكره من عطف { نُقِرَ } ونخرج . بالنصب على { نُبَيّنُ } لم يرتضه الشيخ ابن الحاجب ، قال في «شرح المفصل » : أنه مما يتعذر فيه النصب إذ لو نصب عطفاً على { نُبَيّنُ } ضعف المعنى إذ اللام في لنبين للتعليل لما تقدم والمقدم سبب للتبيين فلو عطف { وَنُقِرُّ } عليه لكان داخلاً في مسببية { إِنَّا خلقناكم } الخ وخلقهم من تراب ثم ما تلاه لا يصلح سبباً للإقرار في الأرحام ، وقال الزجاج : لا يجوز في { وَنُقِرُّ } إلا الرفع ولا يجوز أن يكون معناه فعلنا ذلك لنقر في الأرحام لأن الله تعالى لم يخلق الأنام ليقرهم في الأرحام وإنما خلقهم ليدلهم على رشدهم ولأصحهم وهو قول بعدم جواز عطفه على نبين .
وأجيب بأن الغرض في الحقيقة هو بلوغ الأشد والصلوح للتكليف لكن لما كان الإقرار وما تلاه من مقدماته صح إدخاله في التعليل ، وما ذكره من أن العطف على نبين على قراءة الرفع مخل بجزالة النظم الكريم فالظاهر أنه تعريض بالزمخشري حيث جعل العطف على ذلك ، وقال فإن قلت : كيف يصح عطف { لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ } على { لّنُبَيّنَ } ولا طباق قلت : الطباق حاصل لأن قوله تعالى : { وَنُقِرُّ } قرين للتعليل ومقارنته له والتباسه به ينزلانه منزلة نفسه فهو راجع من هذه الجهة إلى متانة القراءة بالنصب اه . وفيه ما يومئ إلى أن قراءة النصب أوضح كما أنها أمتن ، ولم يرتض ذلك المحققون ففي «الكشف » أن القراءة بالرفع هي المشهورة الثابتة في السبع وهي الأولى وقد أصيب بتركيبها هكذا شاكلة الرمي حتى لم يجعل الإقرار في الأرحام علة بل جعل الغرض منه بلوغ الأشد وهو حال الاستكمال علماً وعملاً وحيث لم يعطف على { لّنُبَيّنَ } إلا بعد أن قدم عليه { وَنُقِرُّ } ثم نخرج مجعولاً { نُقِرَ } عطفاً على { إِنَّا خلقناكم } والعدول إلى المضارع لتصوير الحال والدلالة على زيادة الاختصاص فالطباق حاصل لفظاً ومعنى مع أن في الفصل بين العلتين من النكتة ما لا يخفى على ذي لب حسن موقعها بعد التأمل ، وكذلك في الإتيان بثم في قوله سبحانه : { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ } دلالة على أنه الغرض الأصيل الذي خلق الإنسان له { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] ولما كانت الأوائل في الدلالة على البعث أظهر قدم قوله تعالى : { لّنُبَيّنَ } على الإقرار والإخراج اه .
ويعلم منه ما في قول العلامة : إن عطف { لِتَبْلُغُواْ } الخ على { لّنُبَيّنَ } مخل بجزالة النظم الكريم وأنه لا يتعين الاستئناف في { وَنُقِرُّ } وفيه أيضاً أن قوله تعالى : { وَمِنكُمْ مَّن يتوفى } الخ استئناف لبيان أقسام الإخراج من الرحم كما استوفى أقسام الأول وفيه تبيين تفصيل حال بلوغ الأشد وأنها الحقيق بأن تكون مقصودة من الإنشاء لكن منهم من لا يصل إليها فيحتضر ومنهم من يجاوزها فيحتقر أي منكم من يموت قبل بلوغ الأشد { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر } أي أرداه وأدناه ، والمراد يرد إلى مثل زمن الطفولية { لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ } أي علم كثير { شَيْئاً } أي شيئاً من الأشياء أو شيئاً من العلم ، واللام متعلقة بيرد وهي لام العاقبة والمراد المبالغة في انتقاص علمه وانتكاس حاله وليس لزمان ذلك الرد حد محدود بل هو مختلف باختلاف الأمزجة على ما في «البحر » وإيراد الرد والتوفي على صيغة المبني للمفعول للجري على سنن الكبرياء لتعين الفاعل كما في إرشاد العقل السليم ، وفي «شرح الكشاف » للطيبي بعد تجويز أن يكون { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ } بتقدير { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ } كان ذلك الإقرار والإخراج أن فائدة ذلك الإيذان بأن بلوغ الأشد أفضل الأحوال والإخراج أبدعها والرد إلى أرذل العمر أسوؤها وتغيير العبارة لذلك ومن ثم نسب الإخراج إلى ذاته تعالى المقدسة وحذف المعلل في الثاني ولم ينسب الثالث إلى فاعله وسلب فيه ما أثبت للإنسان في تلك الحالة من اتصافه بالعلم والقدرة المومئ إليه بالأشد كأنه قيل ثم يخرجكم من تلك الأطوار الخسيسة طفلاً إنشاء غريباً كما قال سبحانه : { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } [ المؤمنون : 14 ] ثم لتبلغوا أشدكم دبر ذلك التدبير العجيب لأنه أوان رسوخ العلم والمعرفة والتمكن من العمل المقصودين من الإنشاء ثم يميتكم أو يردكم إلى أرذل العمر الذي يسلب فيه العلم والقدرة على العمل اه .
ويفهم منه جواز أن يكون المراد ومنكم من يتوفى بعد بلوغ الأشد ، ومن الناس من جوز أن يكون المراد ومنكم من يتوفى عند البلوغ ، وقيل : إن ذلك بجعل الجملة حالية ومن صيغة المضارع وهو كما ترى . وقرئ { يَتَوَفَّى } على صيغة المعلوم وفاعله ضمير الله تعالى أي من يتوفاه الله تعالى ، وجوز أن يكون ضمير من أي { مِنْ } يستوفي مدة عمره ، وروي عن أبي عمرو . ونافع تسكين ميم العمر .
هذا ثم لا يخفى ما في اختلاف أحوال الإنسان بعد الإخراج من الرحم من التنبيه على صحة البعث كما في اختلافها قبل فتأمل جميع ما ذكر ولله تعالى در التنزيل ما أكثر احتمالاته { وَتَرَى الأرض هَامِدَةً } حجة أخرى على صحة البعث معطوفة على { إِنَّا خلقناكم } وهي حجة آفاقية وما تقدم حجة أنفسية والخطاب لكل أحد من تتأتى منه الرؤية ، وقيل : للمجادل ، وصيغة المضارع للدلالة على التجدد والاستمرار وهي بصرية لا علمية كما قيل ، و { هَامِدَةً } حال من { الارض } أي ميتة يابسة يقال همدت الأرض إذا يبست ودرست وهمد الثوب إذا بلى ؛ وقال الأعشى
: قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا *** وأرى ثيابك باليات همدا
وأصله من همدت النار إذا صارت رماداً { فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء } أي ماء المطر ، وقيل : ما يعمه وماء العيون والأنهار وظاهر الإنزال يقتضي الأول { اهتزت } تحرك نباتها فالإسناد مجازي أو تخلخلت وانفصل بعض أجزائها عن بعض لأجل خروج النبات وحمل الاهتزاز على الحركة في الكيف بعيد { وَرَبَتْ } ازدادت وانتفخت لما يتداخلها من الماء والنبات .
وقرأ أبو جعفر . وعبد الله بن جعفر . وخالد بن إلياس . وأبو عمرو في رواية { وربأت } بالهمز أي ارتفعت يقال فلأن يربأ بنفسه عن كذا أي يرتفع بها عنه ، وقال ابن عطية : هو من ربأت القوم إذا علوت شرفاً من الأرض طليعة عليهم فكأن الأرض بالماء تتطاول وتعلو { وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ } أي صنف { بَهِيجٍ } حسن سار للناظر .
ثم ساق - سبحانه - أهم القضايا التى جادل فيها المشركون بغير علم ، واتبعوا فى جدالهم خطوات الشيطان ، وهى قضية البعث ، وأقام الأدلة على صحتها ، وعلى أن البعث حق وواقع فقال - تعالى - : { ياأيها الناس . . . } .
قال أبو حيان فى البحر : لما ذكر - سبحانه - من يجادل فى قدرة الله بغير علم ، وكان جدالهم فى الحشر والمعاد ، ذكر دليلين واضحين على ذلك . أحدهما : فى نفس الإنسان وابتداء خلقه . وتطوره فى أطوار سبعة ، وهى : التراب ، والنطفة ، والعلقة ، والمضغة ، والإخراج طفلا ، وبلوغ الأشد ، والتوفى أو الرد إلى أرذل العمر .
والدليل الثانى : فى الأرض التى يشاهد تنقلها من حال إلى حال فإذا اعتبر العاقل ذلك ثبت عنده جوازه عقلا ، فإذا ورد الشرع بوقوعه ، وجب التصديق به ، وأنه واقع لا محالة .
والمراد بالناس هنا : المشركون وكل من كان على شاكلتهم فى إنكار أمر البعث واستبعاده ، لأن المؤمنين يعترفون بأن البعث حق ، وأنه واقع بلا أدنى شك أو ريب .
والمعنى : يأيها الناس إن كنتم فى شك من أمر إعادتكم إلى الحياة مرة أخرى للحساب يوم القيامة ، فانظروا وتفكروا فى مبدأ خلقكم ، فإن هذا التفكر من شأنه أن يزيل هذا الشك ، لأن الذى أوجدكم الإيجاد الأول . وخلقكم من التراب ، قادر على إعادتكم إلى الحياة مرة أخرى ، إذ الإعادة - كما يعرف كل عاقل - أيسر من ابتداء الفعل .
وقد قرب - سبحانه - هذا المعنى فى أذهانكم فى آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : { وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المثل الأعلى فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم } وأتى - سبحانه - بأن المفيدة للشك فقال : { إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث } مع أن كونهم فى ريب أمر محقق تنزيلاً للمحقق منزلة المشكوك فيه ، وتنزيهاً لموضوع البعث عن أن يتحقق الشك فيه من أى عاقل ، وتوبيخا لهم لوضعهم الأمور فى غير مواضعها .
ووجه الإتيان بفى الدالة على الظرفية ، للإشارة إلى أنهم قد امتلكهم الريب وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف .
قال الآلوسى : " وقوله { فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ } دليل جواب الشرط ، أو هو الجواب بتأويل ، أى : إن كنتم فى ريب من البعث ، فانظروا إلى مبدأ خلقكم ليزول ريبكم ، فإنا خلقناكم من تراب ، وخلقهم من تراب فى ضمن خلق أبيهم آدم منه . . " .
وقال بعض العلماء ما ملخص : والتحقيق فى معنى قوله - تعالى { فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ } : أنه - سبحانه - خلق أباهم آدم منه ، ثم خلق من آدم زوجه حواء ، ثم خلق الناس منهما عن طريق التناسل .
فلما كان أصلهم الأول من تراب ، أطلق عليهم أنه خلقهم من تراب ؛ لأن الفروع تتبع الأصل . وعلى ذلك يكون خلقهم من تراب هو الطور الأول . . " .
ثم بين - سبحانه - الطور الثانى من أطوار خلق الإنسان فقال : { ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } وهذا اللفظ مأخوذ من النطف - بفتح النون مع التشديد وإسكان الطاء - بمعنى السيلان والتقاطر .
يقال : نطفت القربة ، إذا تقاطر الماء منها بقلة .
والنطفة تطلق فى اللغة : على الماء القليل ، والمراد بها هنا : الماء المختلط من الرجل والمرأة عند الجماع ، والمعبر عنه بالمنى .
وقوله { ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } هو الطور الثالث . والعلقة جمعها علق ، وهى قطعة من الدم جامدة ، تتحول إليها النطفة .
وقوله : { ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ } هو الطور الرابع ، والمضغة قطعة صغيرة من اللحم تحول إليها العلقة .
وقوله - سبحانه - { مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } صفة للمضغة .
والمراد بالمخلقة : التامة الخلقة ، السالمة من العيوب ، والمراد بغير المخلقة : ما ليست كذلك كأن تكون ناقصة الخلقة .
وقد اكتفى بهذا المعنى صاحب الكشاف فقال : " والمخلقة " المستواة الملساء من النقصان والعيب : يقال : خلق السواك والعود ، إذا سواه وملسه ، من قولهم : صخرة خلقاء ، إذا كانت ملساء . كأن الله - تعالى - يخلق المضغ متفاوتة . منها . ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ، ومنها ما هو على عكس ذلك ، فيتبع ذلك التفاوت ، تفاوت الناس فى خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم . . " .
وقيل : " مخلقة " أى : مستبينة الخلق ، ظاهرة التصوير . " وغير مخلقة " أى : لم يستبن خلقها ولا ظهر تصويرها كالسقط الذى هو مضغة ولم تظهر صورته الإنسانية بعد .
وقيل : " مخلقة " أى : نفخ فيها الروح . " وغير مخلقة " أى : لم ينفخ فيها الروح .
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه صاحب الكشاف واكتفى به أولى بالقبول ، لأنه هو المشهور من كلام العرب . فهم يقولون : حجر أخلق أى : أملس مصمت لا يؤثر فيه شىء ، وصخرة خلقاء ، أى : ليس بها تشويه أو كسر .
وقوله - تعالى - : { لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ } متعلق بقوله : { خَلَقْنَاكُمْ } أى : خلقناكم على هذا النحو العجيب ، وفى تلك الأطوار البديعة . لنبين لكم كمال قدرتنا ، وبليغ حكمتنا . وأننا لا يعجزنا إعادة كل حى إلى الحياة بعد موته .
وحذف مفعول " نبين " للإشعار بأن أفعاله - تعالى - الدالة على كمال قدرته ، لا يحيط بها وصف ، ولا تمدها عبارة . . .
أى : لنبين لكم عن طريق المشاهدة ، ما يدل على كمال قدرتنا دلالة يعجز الوصف عن الإحاطة بها .
وقوله - تعالى - : { وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَآءُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } كلام مستأنف مسوق لبيان أحوال الناس بعد تمام خلقهم ، وتوارد تلك الأطوار عليهم .
أى : ونقر ونثبت فى أرحام الأمهات ما نشاء إقراره وثبوته فيها من الأجنة والأحمال ، إلى أجل معلوم عندنا . وهو الوقت المحدد للولادة والوضع ، وما لم نشأ إقراره من الحمل لفظته الأرحام وأسقطته ، إذ كل شىء بمشيئتنا وإرادتنا .
وقوله - تعالى - : { ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } بيان للطور الخامس من أطوار خلق الإنسان .
أى : ثم نخرجكم من أرحام أمهاتكم بعد استقراركم فيها إلى الوقت الذى حددناه ، طفلاً صغيراً . أى : أطفالاً صغاراً ، وإنما جاء مفرداً باعتبار إرادة الجنس الشامل للواحد والمتعدد ، او باعتبار كل واحد منهم ، وهو حال من ضمير المخاطبين .
ومن الأساليب العربية المعهودة ، أن الاسم المفرد إذا كان اسم جنس . يكثر إطلاقه على الجمع ، ومن ذلك قوله - تعالى - : { واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } أى : أئمة . وقوله - سبحانه - { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً . . } أى : أنفسا ، ومن هذا القبيل قول الشاعر :
وكان بنو فزارة شَرَّ عمِّ . . . فكنت لهم كشر بنى الأخينا
وقوله تعالى - { ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ } بيان للطور السادس ، والأشد : قوة الإنسان وشدته واشتعال حرارته ، من الشدة بمعنى الارتفاع والقوة ، يقال : شد النهار إذا ارتفع ، وهو مفرد جاء بصيغة الجمع ، أو جمع لا واحد له ، أو جمع شدة - كأنعم ونعمة - .
قال الآلوسى : " والجملة علة لنخرجكم ، وهى معطوفة على علة أخرى مناسبة لها .
كأنه قيل : ثم نخرجكم لتكبروا شيئاً فشيئاً ثم لتبلغوا أشدكم ، أى كمالكم فى القوة والعقل والتمييز . . . وقيل : علة لمحذوف . والتقدير : ثم نمهلكم لتبلغوا أشدكم . . .
وتقديم التبيين " لنبين لكم " على ما بعده ، مع أن حصوله بالفعل بعد الكل ، للإيذان بأنه غاية الغايات ومقصود بالذات .
وإعادة اللام فى " لتبلغوا " مع تجريد " نقر ، ونخرج " عنها ، للإشعار بأصالة البلوغ بالنسبة إلى الإقرار والإخراج إذ عليه يدور التكليف المؤدى إلى السعادة والشقاوة " .
وقوله - سبحانه - : { وَمِنكُمْ مَّن يتوفى وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً } بيان للطور السابع والأخير .
أى : منكم - أيها الناس - من يبلغ أشده فى هذه الحياة ، ومنكم من يموت قبل ذلك ، ومنكم من يعيش إلى أرذل العمر أى : أخسه وأدونه ، فيصير من بعد علمه بالأشياء وفهمه لها ، لا علم له ولا فهم ، شأنه فى ذلك شأن الأطفال .
قال - تعالى - : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ } فالآية الكريمة تصور أطوار خلق الإنسان ومراحل حياته أكمل تصوير ، للتنبيه على مظاهر قدرة الله - تعالى - وعلى أن البعث حق وصدق .
وبعد إقامة هذا الدليل من نفس الإنسان وتطور خلقه على صحة البعث ، ساق - سبحانه - الدليل الثانى عن طريق مشاهدة الأرض وتنقلها من حال إلى حال ، فقال - تعالى - { وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } .
وقوله : { هَامِدَةً } أى : يابسة ، يقال : همدت الأرض تهمد - بضم الميم - هموداً ، إذا يبست .
ومعنى : " اهتزت " : تحركت ، يقال : هز فلان الشىء فاهتز ، إذا حركه فتحرك .
ومعنى : " ربت " زادت بسبب تداخل الماء والنبات فيها ، يقال : ربا الشىء يربو ربوا ، إذا زاد ونما ، ومنه الربا والربوة .
أى : وترى - أيها العاقل - ببصرك الأرض يابسة لا نبات فيها ، فإذا ما أنزلنا عليها بقدرتنا الماء ، تحركت بسبب خروج النبات منها ، وانتفخت بسبب ما يتخللها من الماء والنبات ، وأنبتت بعد ذلك من كل صنف بهيج نضر حسن المنظر .
وشبيه بهذه الآية فى أن إحياء الأرض بعد موتها دليل على إحياء الناس بعد موتهم ، بقدرة الله - تعالى - وإرادته ، قوله - عز وجل - { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرض خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ إِنَّ الذي أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الموتى إِنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }