أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ} (96)

{ إن أول بيت وضع للناس } أي وضع للعبادة وجعل متعبدا لهم ، والواضع هو الله تعالى . ويدل عليه أنه قرئ على البناء للفاعل . { للذي ببكة } للبيت الذي { ببكة } ، وهي لغة في مكة كالنبيط والنميط ، وأمر راتب وراتم ولازب ولازم ، وقيل هي موضع المسجد . ومكة البلد من بكة إذا زحمه ، أو من بكة إذا دقه فإنها تبك أعناق الجبابرة روي ( أنه عله الصلاة والسلام سئل عن أول بيت وضع للناس فقال : المسجد الحرام ، ثم بيت المقدس . وسئل كم بينهما فقال أربعون سنة ) . وقيل أول من بناه إبراهيم ثم هدم فبناه قوم من جرهم ، ثم العمالقة ، ثم قريش . وقيل هو أول بيت بناه آدم فانطمس في الطوفان ، ثم بناه إبراهيم . وقيل : كان في موضعه قبل آدم بيت يقال له الضراح يطوف به الملائكة ، فلما أهبط آدم أمر بأن يحجه ويطوف حوله ورفع في الطوفان إلى السماء الرابعة تطوف به ملائكة السماوات وهو لا يلائم ظاهر الآية . وقيل المراد إنه أول بيت بالشرف لا بالزمان . { مباركا } كثير الخير والنفع لمن حجه واعتمره واعتكف دونه وطاف حوله ، حال من المستكن في الظرف { وهدى للعالمين } لأنه قبلتهم ومتعبدهم ، ولأن فيه آيات عجيبة كما قال :

{ فيه آيات بينات } كانحراف الطيور عن موازاة البيت على مدى الأعصار ، وأن ضواري السباع تخالط الصيود في الحرم ولا تتعرض لها ، وإن كل جبار قصده بسوء قهره الله كأصحاب الفيل . والجملة مفسرة للهدى ، أو حال أخرى . { مقام إبراهيم } مبتدأ محذوف خبره أي منها مقام إبراهيم ، أو بدل من آيات بدل البعض من الكل . وقيل عطف بيان على أن المراد بالآيات أثر القدم في الصخرة الصماء وغوصها فيها إلى الكعبين ، وتخصيصها بهذه الإلانة من بين الصخار وإبقاؤه دون سائر آثار الأنبياء وحفظه مع كثرة أعدائه ألوف سنة . ويؤيده أنه قرئ " آية " بينة على التوحيد . وسبب هذا الأثر أنه لما ارتفع بنيان الكعبة قام على هذا الحجر ليتمكن من رفع الحجارة فغاصت فيه قدماه . { ومن دخله كان آمنا } جملة ابتدائية ، أو شرطية معطوفة من حيث المعنى على مقام لأنه في معنى أمن من دخله أي ومنها أمن من دخله ، أو فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله . اقتصر بذكرهما من الآيات الكثيرة وطوى ذكر غيرهما كقوله عليه السلام " حبب إلي من دنياكم ثلاث : الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة " لأن فيها غنية عن غيرها في الدارين بقاء الأثر مدى الدهر والأمن من العذاب يوم القيامة ، قال عليه السلام : " من مات في أحد الحرمين ، بعث يوم القيامة آمنا " . وعند أبي حنيفة من لزمه القتل بردة أو قصاص أو غيرهما والتجأ إلى الحرم لم يتعرض له ولكن ألجئ إلى الخروج { ولله على الناس حج البيت } قصده للزيارة على الوجه المخصوص . وقرئ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص ( حج ) بالكسر وهي لغة نجد . { من استطاع إليه سبيلا } بدل من الناس بدل البعض من الكل مخصص له ، وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستطاعة " بالزاد والراحلة " وهو يؤيد قول الشافعي رضي الله عنه إنها بالمال ، ولذلك أوجب الاستنابة على الزمن إذا وجد أجرة من ينوب عنه . وقال مالك رحمه الله تعالى إنها بالبدن فيجب على من قدر على المشي والكسب في الطريق . وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى إنها بمجموع الأمرين . والضمير في إليه للبيت ، أو الحج وكل ما أتى إلى الشيء فهو سبيله . { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } وضع كفر موضع من لم يحج تأكيدا لوجوبه وتغليظا على تاركه ، ولذلك قال عليه السلام " من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا " وقد أكد أمر الحج في هذه الآية من وجوه الدلالة على وجوه بصيغة الخبر ، وإبرازه في الصورة الإسمية وإيراده على وجه يفيد أنه حق واجب لله تعالى في رقاب الناس ، وتعميم الحكم أولا ثم تخصيصه ثانيا فإنه كإيضاح بعد إيهام وتثنية وتكرير للمراد ، وتسمية ترك الحج كفرا من حيث إنه فعل الكفرة ، وذكر الاستغناء فإنه في هذا الموضع مما يدل على المقت والخذلان وقوله : { عن العالمين } يدل عليه لما فيه من مبالغة التعميم والدلالة على الاستغناء عنه بالبرهان والإشعار بعظم السخط ، لأنه تكليف شاق جامع بين كسر النفس وإتعاب البدن وصرف المال والتجرد عن الشهوات والإقبال على الله . روي ( أنه لما نزل صدر الآية جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرباب الملل فخطبهم وقال إن الله تعالى : كتب عليكم الحج فحجوا فآمنت به ملة واحدة وكفرت به خمس ملل فنزل ومن كفر ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ} (96)

{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } . أخرج ابن المنذر وغيره عن ابن جريج قال : بلغنا أن اليهود قالت : بيت المقدس أعظم من الكعبة ؛ لأنه مهاجر الأنبياء ولأنه في الأرض المقدسة ، فقال المسلمون : بل الكعبة أعظم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت إلى { مَّقَامِ إبراهيم } [ آل عمران : 97 ] وروي مثل ذلك عن مجاهد ، ووجه ربطها بما قبلها أن الله تعالى أمر الكفرة باتباع ملة إبراهيم ، ومن ملته تعظيم بيت الله تعالى الحرام فناسب ذكر البيت وفضله وحرمته لذلك ، وقيل : وجه المناسبة أن هذه شبهة ثانية ادعوها فأكذبهم الله تعالى فيها كما أكذبهم في سابقتها ، والمعنى : إن أول بيت وضع لعبادة الناس ربهم أي هيىء وجعل متعبداً ؛ والواضع هو الله تعالى كما يدل عليه قراءة من قرأ { وُضِعَ } بالبناء للفاعل لأن الظاهر حينئذٍ أن يكون الضمير راجعاً إلى الله تعالى وإن لم يتقدم ذكره سبحانه صريحاً في الآية بناءاً على أنها مستأنفة واحتمال عوده إلى إبراهيم عليه السلام لاشتهاره ببناء البيت ، خلاف الظاهر ، وجملة { وُضِعَ } في موضع جر على أنها صفة { بَيتَ } و { لِلنَّاسِ } متعلق به واللام فيه للعلة .

وقوله تعالى : { لَلَّذِى بِبَكَّةَ } خبر { إن } واللام مزحلقة ، وأخبر بالمعرفة عن النكرة لتخصيصها ، وهذا في باب إن ، و بكة لغة في مكة عند الأكثرين والباء والميم تعقب إحداهما الأخرى كثيراً ، ومنه نميط ونبيط ولازم ولازب وراتب وراتم ، وقيل : هما متغايران فبكة موضع المسجد ومكة البلد بأسرها ، وأصلها من البك بمعنى الزحم يقال بكه يبكه بكاً إذا زحمه ، وتباك الناس إذا ازدحموا وكأنها إنما سميت بذلك لازدحام الحجيج فيها ، وقيل : بمعنى الدق وسميت بذلك لدق أعناق الجبابرة إذا أرادوها بسوء وإذلالهم فيها ولذا تراهم في الطواف كآحاد الناس ولو أمكنهم الله تعالى من تخلية المطاف لفعلوا ؛ وقيل : إنها مأخوذة من بكأت الناقة أو الشاة إذا قل لبنها وكأنها إنما سميت بذلك لقلة مائها وخصبها ، قيل : ومن هنا سميت البلد مكة أيضاً أخذاً لها من أمتك الفصيل ما في الضرع إذا امتصه ولم يبق فيه من اللبن شيئاً ، وقيل : هي من مكه الله تعالى إذا استقصاه بالهلاك .

ثم المراد بالأولية ، الأولية بحسب الزمان ، وقيل : بحسب الشرف ، ويؤيد الأول : ما أخرجه الشيخان عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول بيت وضع للناس فقال : «المسجد الحرام ثم بيت المقدس فقيل : كم بينهما ؟ فقال : أربعون سنة » واستشكل ذلك بأن باني المسجد الحرام إبراهيم عليه السلام وباني الأقصى داود ثم ابنه سليمان عليهما السلام ، ورفع قبته ثمانية عشر ميلاً( {[198]} ) وبين بناء إبراهيم وبنائهما مدة تزيد على الأربعين بأمثالها .

وأجيب بأن الوضع غير البناء والسؤال عن مدة ما بين وضعيهما لا عن مدة ما بين بناءيهما فيحتمل أن واضع الأقصى بعض الأنبياء قبل داود وابنه عليهما السلام ثم بنياه بعد ذلك ، ولا بد من هذا التأويل قاله الطحاوي وأجاب بعضهم على تقدير أن يراد من الوضع البناء بأن باني المسجد الحرام والمسجد الأقصى هو إبراهيم عليه السلام وأنه بنى الأقصى بعد أربعين سنة من بنائه المسجد الحرام وادعى فهم ذلك من الحديث ، فتدبر .

وورد في بعض الآثار أن أول من بنى البيت الملائكة وقد بنوه قبل آدم عليه السلام بألفي عام ، وعن مجاهد وقتادة والسدي ما يؤيد ذلك ، وحكي أن بناء الملائكة له كان من ياقوتة حمراء ثم بناه آدم ثم شيث ثم إبراهيم ثم العمالقة ثم جرهم ثم قصي ثم قريش ثم عبد الله بن الزبير ثم الحجاج واستمر بناء الحجاج إلى الآن إلا في الميزاب والباب والعتبة ووقع الترميم في الجدار والسقف غير مرة وجدد فيه الرخام ، وقيل : إنه نزل مع آدم من الجنة ثم رفع بعد موته إلى السماء ، وقيل : بني قبله ورفع في الطوفان إلى السماء السابعة ، وقيل : الرابعة ، وذهب أكثر أهل الأخبار أن الأرض دحيت من تحته ، وقد أسلفنا لك ما ينفعك هنا فتذكر .

{ مُبَارَكاً } أي كثير الخير لما أنه يضاعف فيه ثواب العبادة قاله ابن عباس ، وقيل : لأنه يغفر فيه الذنوب لمن حجه وطاف به واعتكف عنده . وقال القفال : يجوز أن تكون بركته ما ذكر في قوله تعالى : { يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء } [ القصص : 57 ] ، وقيل : بركته دوام العبادة فيه ولزومها ، وقد جاءت البركة بمعنيين : النمو وهو الشائع ، والثبوت ومنه البركة لثبوت الماء فيها والبرك الصدر لثبوت الحفظ فيه وتبارك الله سبحانه بمعنى ثبت ولم يزل ، ووجه الكرماني كونه مباركاً بأن الكعبة كالنقطة وصفوف المتوجهين إليها في الصلوات كالدوائر المحيطة بالمركز ولا شك أن فيهم أشخاصاً أرواحهم علوية وقلوبهم قدسية وأسرارهم نورانية وضمائرهم ربانية ومن كان في المسجد الحرام يتصل أنوار تلك الأرواح الصافية المقدسة بنور روحه فتزداد الأنوار الإلهية في قلبه وهذا غاية البركة ثم إن الأرض كرية وكل آن يفرض فهو صبح لقوم ، ظهر لثان ، عصر لثالث ، وهلم جراً ، فليست الكعبة منفكة قط عن توجه قوم إليها لأداء الفرائض فهو دائماً كذلك والمنصوب حال من الضمير المستتر في الظرف الواقع صلة . وجوز أبو البقاء جعله حالاً من الضمير في وضع .

{ وَهُدًى للعالمين } أي هاد لهم إلى الجنة التي أرادها سبحانه أو هاد إليه جل شأنه بما فيه من الآيات العجيبة كما قال تعالى :

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ للذي بِبَكَّةَ } وهو الكعبة التي هي من أعظم المظاهر له تعالى حتى قالوا : إنها للمحمديين كالشجرة لموسى عليه السلام { مُبَارَكاً } بما كساه من أنوار ذاته { وهدى } بما كساه من أنوار صفاته { للعالمين } [ آل عمران : 96 ] على حسب استعدادهم


[198]:- هكذا النسخة ولعله ثمانية عشر قدما.