{ يحلفون بالله ما قالوا } روي أنه صلى الله عليه وسلم أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ويعيب المتخلفين فقال الجلاس بن سويد : لئن كان ما يقول محمد لإخواننا حقا لنحن شر من الحمير ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحضره فحلف بالله ما قاله فنزلت فتاب الجلاس وحسنت توبته . { ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم } وأظهروا الكفر بعد إظهار الإسلام . { وهمّوا بما لم ينالوا } من فتك الرسول ، وهو أن خمسة عشر منهم توافقوا عند مرجعه من تبوك أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذ تسنم العقبة بالليل ، فأخذ عمار بن ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها ، فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وقعقعة السلاح فقال إليكم إليكم يا أعداء الله فهربوا ، أو إخراجه وإخراج المؤمنين من المدينة أو بأن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم . { وما نقموا } وما أنكروا أو ما وجدوا ما يورث نقمتهم . { إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله } فإن أكثر أهل المدينة كانوا محاويج في ضنك من العيش ، فلما قدمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أثروا بالغنائم وقتل للجلاس مولى فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألفا فاستغنى . والاستثناء مفرغ من أعم المفاعيل أو العلل . { فإن يتوبوا يك خيرا لهم } وهو الذي حمل الجلاس على التوبة والضمير في { يك } للتوب . { وإن يتولّوا } بالإصرار على النفاق . { يعذّبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة } بالقتل والنار . { وما لهم في الأرض من وليّ ولا نصير } فينجيهم من العذاب .
تَسَتَّروا بأَيْمانِهم فَهتَكَ اللهُ أستارهم وكشف أسرارهم .
قوله : { وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ } : وهي طَعْنُهُم في نُبوَّةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكلُّ مَنْ وَصَفَ المعبودَ بصفاتِ الخَلْق أو أضاف إلى الخلْق ما هو من خصائص نعت الحقِّ فقد قال كلمة الكفر .
قوله جلّ ذكره : { وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ } .
أي أظهروا من شعار الكفر ما دَلَّ على جُحْدِهم بقلوبهم بعد ما كانوا يُظْهِرون الموافقة والاستسلامَ ، وهمُّوا بما لم ينالوا من قتلٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما سوَّلت أنفسهم أنه يُخْرِج الأَعَزُّ منها الأذلَّ ، وغير ذلك .
يقال تمنوا زوالَ دولةِ الإسلام فأبى اللهُ إلا إعلاء أمْرِها .
ثم قال : { وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ } : أي ما عابوه إلا بما هو أَجَلّ خصاله ، فلم يحصلوا من ذلك إلا على ظهور شأنهم للكافة بما لا عذر لهم فيه .
قوله جلّ ذكره : { فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَاباً أَلِيمًا فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِى الأَرْضِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } .
وأقوى أركان التوبة حلُّ عقْدة الإصرار عن القلب ، ثم القيام بجميع حقِّ الأمر على وجه الاستقصاء .
وهموا بما لم ينالوا : أرادوا أن يعملوا شيئا لم يستطيعوا .
وما نقموا : ما أنكروا وعابوا .
ثم ذكر الله سبحانه الجرائم الموجبةَ لجهادهم كالكفّار ، وهي أنهم أظهروا الكفرَ بالقول وهموا بشرِّ ما يُغري به من الفعل ، وهو الفتكُ برسول الله وهو عائد من تبوك . فقد تآمر بعض منهم على أن يفتكوا به عند عَقَبةٍ في الطريق ، لكنه تنبّه وأخذَ الحَيْطة ونجّاه الله منهم .
يحلف المنافقون أمامك يا محمد ، بالله أنهم ما قالوا منكَراً مما بلغَك عنهم ، لكنهم كاذبون في الإنكار ، فقد قالوا كلمةَ الكفر التي رويتْ عنهم ، وظهر كفرهم بعد أن كانوا يتظاهرون بالإسلام . بل إنهم همّوا بما لم ينالوا .
وهذا ما رواه كثير من أئمة الحديث ، أنهم أرادوا أن يغتالوا رسول الله في منصرَفَه من تبوك عند العقبة على الطريق ، وقد احتاط الرسولُ لذلك وأمر عمّار بن ياسر وحُذَيفة بن اليمان أن يكونا معه حتى اجتاز المكان . ولما غِشِيَه المتآمرون كانا منتبهَين فنجا رسول الله . وقد عرفهم حذيفة ، وكانوا اثني عشر رجلاً كما في صحيح مسلم . وحاول بعض الصحابة أن يقتلهم فلم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم وقال : «لا أريد أن يتحدّث الناس بأن محمداً قتل أصحابه » .
{ وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ } .
ما كان سبب نقمتهم على الرسول إلا بَطَراً بالنعمة ، بعد أن أغناهم الله ورسوله بما حَصلوا عليه من الغنائم التي شاركوا فيها المسلمين .
فإن يرجعوا إلى الله بِتَرْكِ النفاق والندمٍ على ما كان منهم يَقْبَلِ اللهُ توبتهم ، ويكون ذلك خيراً لهم ، وأن يُعرضوا عن الإيمان يعذّبهم الله في الدنيا بمختلف ألوان البلاء ، وفي الآخرة بنار جهنم .
{ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ } أي : إذا قالوا قولا كقول من قال منهم { ليخرجن الأعز منها الأذل } والكلام الذي يتكلم به الواحد بعد الواحد ، في الاستهزاء بالدين ، وبالرسول .
فإذا بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغه شيء من ذلك ، جاءوا إليه يحلفون باللّه ما قالوا .
قال تعالى مكذبا لهم { وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ } فإسلامهم السابق -وإن كان ظاهره أنه أخرجهم من دائرة الكفر -فكلامهم الأخير ينقض إسلامهم ، ويدخلهم بالكفر .
{ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا } وذلك حين هموا بالفتك برسول اللّه صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فقص اللّه عليه نبأهم ، فأمر من يصدهم عن قصدهم .
{ و } الحال أنهم { مَا نَقَمُوا } وعابوا من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم { إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ } بعد أن كانوا فقراء معوزين ، وهذا من أعجب الأشياء ، أن يستهينوا بمن كان سببا لإخراجهم من الظلمات إلى النور ، ومغنيا لهم بعد الفقر ، وهل حقه عليهم إلا أن يعظموه ، ويؤمنوا به ويجلوه ؟ " فاجتمع الداعي الديني وداعي المروءة الإنسانية .
ثم عرض عليهم التوبة فقال : { فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ } لأن التوبة ، أصل لسعادة الدنيا والآخرة .
{ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا } عن التوبة والإنابة { يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } في الدنيا بما ينالهم من الهم والغم والحزن على نصرة اللّه لدينه ، وإعزار نبيه ، وعدم حصولهم على مطلوبهم ، وفي الآخرة ، في عذاب السعير .
{ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ } يتولى أمورهم ، ويحصل لهم المطلوب { وَلَا نَصِيرٍ } يدفع عنهم المكروه ، وإذا انقطعوا من ولاية اللّه تعالى ، فَثَمَّ أصناف الشر والخسران ، والشقاء والحرمان .