أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (38)

{ فآت ذا القربى حقه } كصلة الرحم ، واحتج به الحنفية على وجوب النفقة للمحارم وهو غير مشعر به . { والمسكين وابن السبيل } ما وظف لهما من الزكاة ، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لمن بسط له ولذلك رتب على ما قبله بالفاء . { ذلك خير للذين يريدون وجه الله } ذاته أو جهته أي يقصدون بمعروفهم إياه خالصا ، أو جهة التقرب إليه لا جهة أخرى . { وأولئك هم المفلحون } حيث حصلوا بما بسط لهم النعيم المقيم .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (38)

قوله جل ذكره : { فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .

القرابةُ على قسمين : قرابةُ النسب وقرابة الدِّين ، وقرابةُ الدين أَمسُّ ، وبالمواساة أحقُّ وإذا كان الرجلُ مشتغلاً بالعبادة ، غيرَ متفرِّغ لطلب المعيشة فالذين لهم إيمانٌ بحاله ، وإشرافٌ على وقته يجب عليهم القيام بشأنه بقَدر ما يمكنهم ، مما يكون له عونٌ على الطاعة وفراغ القلب من كل علة ؛ فاشتغال الرجل بمراعاة القلب يجعل حقَّه آكدَ ، وتَفَقُّدَه أوْجَبَ .

{ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ } : المريدُ هو الذي يُؤْثِرُ حقَّ الله على حظِّ نَفْسِه ؛ فإيثارُ المريد وَجه اللَّهِ أتمُّ من مراعاته حال نفسه ، فهِمَّتُه في الإحسان إلى ذوي القربى والمساكين تتقدم على نَظَرِه لِنَفْسِه وعياله وما يهمه من خاصته .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (38)

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما يجب على المسلم بالنسبة للمال الذى وهبه الله إياه ، فقال - تعالى - : { فَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ . . . عَمَّا يُشْرِكُونَ } .

والخطاب فى قوله - تعالى - : { فَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ . . } للنبى صلى الله عليه وسلم ولكل من يصلح له من أمته . والفاء : لترتيب ما بعدها على ما قبلها .

والمعنى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم ، من أبسط الأرزاق وقبضها بيدى وحدى ، فأعط - أيها الرسول الكريم - ذا القربى حقه من المودة والصلة والإِحسان ، وليقتد بك فى ذلك أصحابك وأتباعك .

وأعط - أيضا - { والمسكين } الذى لا يملك شيئا ذا قيمة ، حقه من الصدقة والبر ، وكذلك { وابن السبيل } وهو المسافر المنقطع عن ماله فى سفره ، ولو كان غنيا فى بلده .

وقدم - سبحانه - الأقارب ، لأن دفع حاجتهم واجب من الواجبات التى جعلها - سبحانه - للقريب على قريبه .

قال القرطبى : واختلف فى هذه الآية ، فقيل : إنها منسوخة بآية المواريث . وقيل : لا نسخ ، بل للقريب حق لازم فى البر على كل حال ، وهو الصحيح ، قال مجاهد وقتادة : صلة الرحم فرض من الله - عز وجل - ، حتى قال مجاهد : لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة .

وقال الجمل فى حاشيته : وعدم ذكر بقية الأصناف المستحقين للزكاة ، يدل على أن ذلك فى صقة التطوع ، وقد احتج أبو حنفية - رحمه الله - بهذه الآية على وجوب نفقة المحارم ، والشافعى - رحمه الله - قاس سائر الأقارب - ما عدا الفروع والأصول - على ابن العم ، لأنه لا ولادة بينهم .

ثم قال : وهؤلاء الثلاثة يجب الإِحسان إليهم وإن لم يكن إليهم وإن لم يكن للإِنسان مال زائد ، لأن المقصود هنا : الشفقة العامة ، والفقير داخل فى المسكين . .

ثم بين - سبحانه - الآثار الطيبة المترتبة على هذا البر والعطاء فقال : { ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله وأولئك هُمُ المفلحون } .

أى : ذلك الإِيتاء لهؤلاء الثلاثة ، خير وأبقى عند الله - تعالى - للذين يريدون بصدقتهم وإحسانهم وجه الله ، وأولئك المتصفون بتلك الصفات الحميدة ، هم الكاملون فى الفلاح ، والظفر بالخير فى الدنيا والآخرة .