{ 26 } { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ }
وهم : أي المشركون بالله ، المكذبون لرسوله ، يجمعون بين الضلال والإضلال ، ينهون الناس عن اتباع الحق ، ويحذرونهم منه ، ويبعدون بأنفسهم عنه ، ولن يضروا الله ولا عباده المؤمنين ، بفعلهم هذا ، شيئا . { وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } بذلك .
ثم بين - سبحانه - أنهم لا يكتفون بمحاربة الدعوة الإسلامية ، بل هم لفجورهم - يحرضون غيرهم على محاربتها معهم فقال - تعالى - :
{ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } .
النهى : الزجر ، والنأى : البعد ، والضمير " هم " يعود على المشركين .
والمعنى : إن هؤلاء المشركين لا يكتفون بمحاربة الحق ، بل يزجرون الناس عن اتباعه ، ويبعدونهم عن الاستماع إليه . فهم قد جمعوا بين فعلين قبيحين : محاربتهم للحق وحمل غيرهم معهم على محاربته والبعد عنه .
وهم بهذا العمل الباطل القبيح ما يهلكون إلا أنفسهم ولكنهم لا يشعرون بذلك لانطماس بصيرتهم ، وقسوة قلوبهم .
وعملهم هذا يدل على أنهم كانوا معترفين فى قرارة أنفسهم بأن القرآن حق ، لأنهم لو كانوا يعتقدون أنه أساطير الأولين - كما زعموا - لتركوا الناس يسمعونها ليتأكدوا من أنها خرافات وأوهام ، ولكنهم لما كانوا مؤمنين ببلاغة القرآن وصدقه ، فإنهم نهوا غيرهم عن سماعه حتى لا يؤمن به وابتعدوا هم عنه حتى لا يتأثروا به فيدخلوا فى دين الإسلام ، ولقد حكى الله عنهم هذا المعنى فى قوله - تعالى -
{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } والضمير فى قوله - تعالى - { عَنْهُ } يرجع إلى النبى صلى الله عليه وسلم وما جاء به من آيات .
ويرى بعض المفسرين أن الضمير " هم " يرجع إلى عشيرة النبى صلى الله عليه وسلم فيكون المعنى : وهم - أى أعمام النبى صلى الله عليه وسلم وعشيرته ينهون الناس عن إيذائه والتعرض له بسوء ، ولكنهم فى الوقت نفسه ينأون عنه أى يبتعدون عن دعوته فلا يؤمنون بها ، ولعل أوضح مثل لذلك أبو طالب ، فقد كان يدافع عن النبى صلى الله عليه وسلم إلا أنه لم يدخل فى الإسلام مع تصريحه بأنه هو الدين الحق .
ومما روى عنه فى هذا المعنى قوله :
والله لن يصلوا إليك بجمعهم . . . حتى أوسد فى التراب دفيناً
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضه . . . وابشر بذاك وقر منك عيوناً
ودعوتنى وزعمت أنك ناصحى . . . فلقد صدقت وكنت قبل أميناً
وعرضت ديناً قد عرفت بأنه . . . من خير أديان البرية ديناً
لولا الملامة أو حذار مسبة . . . لوجدتنى سمحاً بذاك يقيناً
والذى تطمئن إليه النفس أن الرأى الأول هو الأرجح . لأن الكلام مسوق فى بيان موقف المشركين من النبى صلى الله عليه وسلم ، وأنهم قد بلغ بهم السفه والعناد أنهم لا يكتفون بالإعراض عن الحق الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بل تعدى شرهم إلى غيرهم ، وأنهم كانوا يحرضون الناس على إيذائه وعلى الابتعاد عنه .
قوله تعالى : { وهم ينهون عنه وينئون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون } الضمير { هم } يعود على الكفار . وقيل : المراد بذلك أبو طالب . والضمير في قوله : { عنه } يعود على القرآن . وقيل : يعود على الرسول صلى الله عليه وسلم . والنهي معناه : الزجر . والنأي معناه : البعد . وذلك بيان لحال الكافرين في كل مكان وزمان ، على اختلاف مللهم ونحلهم فإنهم كانوا وما فتئوا يزجرون الناس أن يتبعوا دعوة الإسلام أو يستمعوا لتعاليم القرآن الحكيم بما فيه من عقيدة وتشريع ومنهاج حياة . وهم كذلك ينأون بأنفسهم عن هذا الدين ، إذ يباعدون بين أنفسهم وأممهم ، وهذا الدين الحنيف . الدين الذي جاء لينقذ البشرية من الفساد والتخبط فيلج بهم حومة النجاة والسعادة .
وقيل فيما رواه أهل السير في سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عله وسلم كان قد خرج إلى الكعبة يوما وأراد أن يصلي . فلما دخل في الصلاة استنهض اللعين أبو جهل من يقوم فيفسد عليه صلاته . فنهض ابن الزبعري فأخذ فرثا{[1140]} ودما فلطخ به وجه النبي صلى الله عليه وسلم . فانفتل النبي من صلاته ثم أتى أبا طالب عمه . فقال أبو طالب : من فعل هذا بك ؟ فقال النبي صلى الله عله وسلم : " عبد الله بن الزبعري " فقام أبو طالب ووضع سيفه على عاتقه وقال للقوم : والله لئن قام رجل لجللته بسيفي . فقعدوا حتى دنا منهم فقال : يا بني ، من الفاعل بك هذا ؟ فقال : " عبد الله بن الزبعري " فأخذ أبو طالب فرثا ودما فلطخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول . فنزلت هذه الآية . فقال النبي صلى الله عله وسلم : " يا عم نزلت فيك آية " قال : وما هي ؟ قال : " تمنع قريشا أن تؤذيني وتأبى أن تؤمن بي " فأنشد أبو طالب قائلا :
والله لن يصلو إليك بجمعهم *** حتى أُوسَّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وأبشر وقر منك عيونا
ودعوتني وزعمت أنك ناصحي *** فلقد صدقت وكنت قبل أمينا
لولا الملامة أو حذار مسبة *** لوجدتني سمحا بذاك يقينا
فقالوا : يا رسول الله ، هل تنفع أبا طالب نصرته ؟ قال : " نعم دفع عنه بذاك الغل ولم يقرن مع الشياطين ولم يدخل في جب الحيات والعقارب ، إنما عذابه في نعلين من نار في رجليه يغلي منهما دماغه في رأسه وذلك أهون أهل النار عذابا " وفي الصحيح مسلم أيضا عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عله وسلم : " أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين من نار يغلى منهما دماغه " وكذلك أخرج مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عله وسلم لعمه : " قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة " قال : لولا تعيرني قريش ، يقولون : إنما حمله على ذلك الجزع ( الخوف ) لأقررت بها عينك . فأنزل الله تعالى { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } .
أما عبد الله بن الزبعري فقد أسلم عام الفتح وحسن إسلامه واعتذر إلى رسول الله صلى الله عله وسلم فقبل عذره . وكان شاعرا بليغا فقال يمدح في شعره النبي صلى الله عله وسلم :
يا خير من حملت على أوصالها{[1141]} *** عيرانة{[1142]} سرح اليدين غشوم
إني لمعتذر إليك من الذي *** أسديت إذ أنا في الضلال أهيم
فاليوم آمن بالنبي محمد *** قلبي ومخطئ هذه محروم
مضت العداوة فانقضت أسبابها *** وأتت أواصر بيننا وحلوم{[1143]}
فاغفر فدى لك والدي كلاهما *** زللي فإنك راحم مرحوم
ولقد شهدت بأن دينك صادق *** حقا وأنك في العباد جسيم
والله يشهد أن أحمد مصطفى *** مستقبل في الصالحين كريم
قرم علا بنيانه من هاشم *** فرع تمكن في الذرى وأروم
قوله : { وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون } إن أداة نفي بمعنى ما أي هؤلاء المشركين المكذبين – بصدهم عن سبيل الإسلام وإعراضهم عن الكتاب الحكيم وكفرهم بالله ورسوله لا يهلكون إلا أنفسهم ، إذ يوردونها الردى والخسران حيث السخط من الله والعقاب الأليم . وهم بفسقهم وانثنائهم عن دعوة الحق لا يدرون ما هم مفضون إليه من العذاب المهين{[1144]} .