{ سيقول الذين أشركوا } إخبار عن مستقبل ووقوع مخبره يدل على إعجازه . { لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء } أي لو شاء خلاف ذلك مشيئة ارتضاء كقوله : { فلو شاء لهداكم أجمعين } لما فعلنا نحن ولا آباؤنا ، أرادوا بذلك أنهم على الحق المشروع المرضي عند الله لا الاعتذار عن ارتكاب هذه القبائح بإرادة الله إياها منهم حتى ينهض ذمهم به دليلا للمعتزلة ويؤيده ذلك قوله : { كذلك كذب الذين من قبلهم } أي مثل هذا التكذيب لك في أن الله تعالى منع من الشرك ولم يحرم ما حرموه كذب الذين من قبلهم الرسل ، وعطف آباؤنا على الضمير في أشركنا من غير تأكيد للفصل بلا . { حتى ذاقوا بأسنا } الذي أنزلنا عليهم بتكذيبهم . { قل هل عندكم من علم } من أمر معلوم يصح الاحتجاج به . على ما زعمتم . { فتخرجوه لنا } فتظهروه لنا . { إن تتبعون إلا الظن } ما تتبعون في ذلك إلا الظن . { وإن أنتم إلا تخرصون } تكذبون على الله سبحانه وتعالى ، وفيه دليل على المنع من اتباع الظن سيما في الأصول ، ولعل ذلك حيث يعارضه قاطع إذ الآية فيه .
تخرصون : تقدرون تقديرا خاطئا .
سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا . . . الآية .
تحكي هذه الآيات شبهات قديمة حديثة ، يتعلل بها مرتكبو المعاصي والشرك ، يحاولون تخفيف الذنب على أنفسهم فيدعون أن هذا قضاء الله وقدره ، ولا معقب لأمره وعلى لسان هؤلاء المشركين حكى القرآن عنهم ما يأتي : وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آبائنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون * قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين . . . ( الأعراف : 28 ، 29 ) .
والآيات هنا تحكي اعتذار المشركين ، عندما يفحمهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحجة والبرهان ، سيقولون : لو شاء الله ألا نشرك به نحن ولا آباؤنا القريبون والبعيدون ما أشركنا وما أشرك آباؤنا . . . ولو شاء ألا نحرم شيئا مما حرمناه لما حدث منا هذا التحريم ، فما وقع منا فهو بمشيئة الله ورضاه ، أرادوا بذلك ، أنهم على الحق المشروع المرضي عند الله تعالى وإلا لما وقع منهم ؛ لأنه لا يقع في ملكه إلا ما يشاء ، وقد كذبوا في هذا الاحتجاج ؛ فإن الله لا يرضى لعباده الكفر والمعاصي ، قال تعالى : . . . ولا يرضى لعباده الكفر . . ( الزمر : 7 ) .
أي : بمثل هذه الحجة كذب الذين من قبلهم بالمرسلين إليهم .
أي : حتى نزل بهم العذاب وأحاط بهم الهلاك . ولو كان هذا الشرك وغيره من قبائحهم مرضيا عنده سبحانه ، لما أذاق أسلافهم المكذبين عذابه ونقمته ولما أخذهم أخذ عزيز مقتدر .
قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا .
أي : قل لهم يا محمد : هل يوجد لديكم دليل على أن الله رضى منكم أن تشركوا به وتحللوا وتحرموا من دونه ؟
وأما مجرد وقوع الفساد منكم فلا يدل على رضاه عنكم .
إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون .
أي : أنتم لستم على شيء ما من العلم ، بل ما تتبعون في أقوالكم وأعمالكم وعقائدكم إلا الظن ، الذي هو محل الخطإ ومكان الجهل ، فالظن لا يغني عن الحق شيئا ، وأنتم تخرصون ، أي : تتوهمون مجرد توهم .
{ أشركوا } : أي جعلوا لله شركاء له يعبدونهم معه .
{ ولا حرمنا من شىء } : أي مما حرموه من البحائر والسوائب والوصائل والحامات .
ما زال السياق في رد ترهات وأباطيل العادلين بربهم المشركين في ألوهيته سواه فذكر تعالى في الآيتين ( 148 ) و ( 149 ) شبهة للمشركين يتخذونها مبرراً لشركهم وباطلهم وهي قوله : { لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء } يريدون أن عدم مؤاخذة الله تعالى لنا ونحن نشرك به ونحرم ما نحرمه دليل على رضا الله بذلك وإلا لمنعنا منه وحال دون فعلنا له ، فرد الله تعالى هذه الشبهة وأبطلها بقوله : { كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا } أي مثل هذا التكذيب الصادر من هؤلاء العادلين بربهم من كفار قريش ومشركيها كذب الذين من قبلهم من الأمم ، وما زالوا على تكذيبهم حتى أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ، فلو كان تعالى راضياً بشركهم وشرهم وباطلهم لا أخذهم فإمهال الله تعالى للناس لعلهم يتوبون ليس دليلاً على رضاه بالشرك والشر ، والحجة أنه متى انتهت فترة الإِمهال نزل بالمكذبين العذاب .
وقوله تعالى { قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا } يأمر الله تعالى رسوله أن يقول للمذنبين العادلين بربهم { هل عندكم من علم فتخرجوه } أي ليس لديكم علم على ما تدعونه فتخرجوه لنا ، { إن تتبعون إلا الظن } أي ما تتبعون في دعاويكم الباطلة إلا الظن ، { وإن أنتم إلا تخرصون } أي وما أنتم إلا تخرصون أي تقولون بالحرز والخرص فتكذبون .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.