{ وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله } يعني كفار قريش لما روي : أن أبا جهل قال زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا : منا نبي يوحي إليه والله لا نرضى به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه ، فنزلت : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } استئناف للرد عليهم بأن النبوة ليست بالنسب والمال وإنما هي بفضائل نفسانية يخص الله سبحانه وتعالى بها من يشاء من عباده فيجتبي لرسالاته من علم أنه يصلح لها ، وهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه . وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم { رسالته } { سيصيب الذين أجرموا صغار } ذل وحقارة بعد كبرهم . { عند الله } يوم القيامة وقيل تقديره من عند الله . { وعذاب شديد بما كانوا يمكرون } بسبب مكرهم أو جزاء على مكرهم .
أجرموا : اكتسبوا جرما ، والجرم : الذنب .
وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته . . . الآية .
هذه الآية استمرار في مناقشة أهل مكة ، ومجابهة للظالمين والمتكبرين منهم عن الاستجابة للهدى .
قال مقاتل بن سليمان نزلت في أبي جهل ، وذلك أنه قال : زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف ، حتى إذا صرنا كفرسى رهان ، قالوا : منا نبي يوحى إليه . . والله ، لا نؤمن به ، ولا نتبعه أبدا ، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه ؛ فأنزل الله سبحانه الآية .
وروي أن الوليد بن المغيرة قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : ولو كانت النبوة حقا لكنت أنا أولى بها منك ؛ لأني أكبر منك سنا وأكثر مالا ؛ فأنزل الله هذه الآية .
والمعنى : وإذا أنزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم آية تدعوا قريش إلى الإيمان بما جاءهم به ؛ امتنعوا عن الإيمان به ؛ حسدا واستكبارا .
وقالوا : لن نومن حتى نؤتى من الوحي مثل ما أوتي رسول الله ، وتكون لنا نبوة ، كما لبني عبد مناف نبوة ، وإلا فلن نؤمن بمحمد .
الله سبحانه وتعالى يحتار لرسالته المعدن السليم ، والقلب النظيف ، الذي لا يحمل الحقد والحسد والكبر .
ثم إن الرسالة منة من الله وفضل ، والله يختص برحمته من يشاء .
وجملة الله أعلم حيث يجعل رسالته استئناف بياني .
والمعنى : إن منصب الرسالة ، ليس مما ينال بما يزعمونه من كثرة المال والولد ، وتعاضد الأسباب والعدد ، وإنما ينال بفضائل نفسانية ، ونفس قدسية ، أفضاها الله تعالى ، بمحض الكرم والجود ، على من كمل استعداده . ا . ه .
لقد اصطاف الله لرسالته الأنبياء والمرسلين ، واختار أولوا العزم من الرسل فجعلهم قدوة وأسوة ؛ لأنهم كانوا أكثر تحملا وجهادا وتضحية ، قال تعالى : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل . ( الأحقاف : 35 ) .
وأولوا العزم من الرسل خمسة : إبراهيم ونوح وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام ، وقد أتم الله الرسالات بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنحه من المزايا الخلقية والنفسية وغيرها ، وما جعله رحمة لعالمين .
روى الإمام مسلم في كتاب فضاء عن وائلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :
إن الله عز وجل اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل . اصطفى من بني إسماعيل كنانه ، واصطفى من بني كنانة قريشا ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفى من بني هاشم محمد - صلى الله عليه وآله وسلم – ( 4 ) .
سيصيب الذين أجرموا صغارا عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون .
قال القرطبي : الصغار : الضيم والذل والهون .
والمعنى : سيصيب أولئك المستكبرين المجرمين ، ذلة وهوان شديد ثابت لهم عند الله في الدنيا والآخرة ، بدل العزة التي طلبوها بالاشتراك في النبوة ، ويصيبهم إلى جانب ذلك عذاب شديد بسبب مكرهم بنبي الهدى ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله .
يبين الله تعالى هنا تعنُّت المشركين وعنادَهم وحسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم فيقول : إن هؤلاء الكبارَ من المجرمين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من علم ونبوة وهداية ، فإذا جاءتهم حجّةٌ قاطعة تتضمن صدقَ الرسول الكريم لا يذعنون لها . بل يقولون : لن نؤمن بها حتى ينزل علينا الوحيُ كما ينزِلُ على الرسل .
هكذا قال الوليد بن المغيرة : لو كانت النبوة حقاً لكنتُ أَولى بها من محمد ، فأنا أكبر منه سنّاً ، وأكثر منه مالاً وولدا .
وقال أبو جهل : والله لا نرضى به ولا نتّبعه أبدا ، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه .
وقد رد الله عليهم جهالتهم وبين لهم خطأهم بقوله :
{ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } .
فالله تعالى وحده هو الذي يعلم من يستحق الرسالة ، وهي فضلٌ من الله يمنحه من يشاء ، لا ينالها أحد بكسْب ، ولا يتّصل إليها بسبب ولا نسب . وهي أمرٌ لا يورث حتى ينتقل من والد إلى ولد ، ولا فضل لقرابة أو اشتراك في الدم . وقد جعلها سبحانه حيث عِلِم ، واختار لها أكرم خلقه وأخلصهم ، محمدا خير الخلق وخاتم النبيين .
ثم أوعد الله المكابرين وبين سوء عاقبتهم لعدم استعدادهم للإيمان فقال :
{ سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ الله وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ } .
إذا كان هؤلاء يطلبون الرياسة بهذا العناد ، فسينالهم الصغار والذل في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة ، جزاء مكرهم وتدبيرهم السيء . وقد عذّب الله أكابر مجرمي مكة الذين تصدَّوا لإيذاء النبي عليه الصلاة والسلام ، فقُتل منهم من قتل في بدر ، ولحق الصغارُ والهوانُ بالباقين ، وسينالهم العذاب الشديد في الآخرة ، والعاقبة للمتقين .
قوله : { وإذا جاءتهم ءاية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله } الآية بمعنى العلامة الدالة على وحدانية الله وعلى صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأن ما أنزل عليه من عند الله حق . وقيل : المراد بالآية النبوة . وسبب نزول هذه الآية أن الوليد ابن المغيرة قال : لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك ، لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا . وقيل : نزلت في أبي جهل . وذلك أنه قال : زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا : منا نبي يوحى إليه . والله لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه .
ولذلك قال : { لن نؤمن حتى نؤتى مثا ما أوتي رسل الله } يعني مثل ما أوتوا من الرسالة أو النبوة . ويعزز هذا التأويل قوله تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ذلك إنكار من الله عليهم من أجل هذه المقالة الظالمة التي اجترؤوا فيها على حكمة الله وتقديره . فالله تعالى أعلم بمن هو أحق بالرسالة ، ومن هو جدير بحمل هذه الأمانة العظمى التي لا يطيق حملها غير النوادر القلة من أخبار البشرية . أولئك الأعاظم الأفذاذ من هداة العالمين الذين يعلم الله وحده حقيقة أكناههم وروعة فطرتهم وكمال خصالهم الحميدة المميزة . وقوله : { مثل } منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف . وما مصدرية . والتقدير : لن نؤمن حتى نؤتها إيتاء مثل إيتاء رسل الله . وحيث ، مفعول لفعل مقدر . أي يعلم . والجملة بعدها صفة لها . وقيل : حيث مضاف . والجملة بعدها مضاف إليه .
قوله : { سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون } ذلك وعيد من الله لؤلئك المضلين المجرمين الذين يكيدون للإسلام والمسلمين والذين يتربصون بالمسلمين السوء والضعف والهوان . لقد توعد الله هؤلاء الشياطين من البشر الغادر ، بالصغار . وهو الذل والمهانة والخزي من عند الله سواء في الدنيا أو الآخرة . أما في الدنيا فلا مناص للمجرم الغادر الذي تمالأ على الإسلام والمسلمين ، من سقوطه في عذاب الدنيا ليذوق وبال أمره . وألوان العذاب الدنيوي كثيرة . منها الأمراض الأليمة ، وأمراض النفس الممضة . أو غير ذلك من صور البلاء كالخزي والإذلال والافتضاح . وإذا تصور الناس أن هؤلاء المجرمين الأكابر ما أصابهم من الدنيا عذاب بحسب الظاهر ، فإنهم سيفيضون إلى عذابهم المحقق المنتظر في أشد الساعات ضيقا وثبورا وحراجة وهم يكابدون أشد المكابدة في سكرات الموت . لا جرم أن ذلك ذرة العذاب في هذه الدنيا ، بل إنه أنكى ما يحيق بالمجرمين في دنياهم من العذاب . ولعمر الحق إن عذاب الآخرة أشد نكاوة بما كادوه للإسلام وما صنعوه في المسلمين من ويلات وأفاعيل{[1270]} .