{ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك } من القصص على سبيل الفرض والتقدير . { فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك } فإنه محقق عندهم ثابت في كتبهم على نحو ما القينا إليك ، والمراد تحقيق ذلك والاستشهاد بما في الكتب المتقدمة وأن القرآن مصدق لما فيها ، أو وصف أهل الكتاب الرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إليه ، أو تهييج الرسول صلى الله عليه وسلم وزيادة تثبيته لا إمكان وقوع الشك له ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : " لا أشك ولا أسأل " . وقيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته أو لكل من يسمع أي أن كنت أيها السامع في شك مما نزلنا على لسان نبينا إليك ، وفيه تنبيه على أن كل من خالجته شبهة في الدين ينبغي أن يسارع إلى حلها بالرجوع إلى أهل العلم . { لقد جاءك الحق من ربك } واضحا أنه لا مدخل للمرية فيه بالآيات القاطعة . { فلا تكونن من الممترين } بالتزلزل عما أنت عليه من الحزم واليقين .
{ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ 94 وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ 95 }
94 { فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ . . . } الآية .
قص الله في الآيات السابقة قصص بعض المرسلين مع أممهم ، وفي كل قصة كان النصر للمؤمنين والهلاك للجاحدين ؛ تلك سنة الله فيما سبق ، وستظل كذلك إلى يوم الدين ، ولا سبيل إلى الشك في ذلك . وفي هذه الآيات ساق الله هذا المعنى بطريق التلطف في الأسلوب ، فساق الكلام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد : قومه ، فجاء على نحو قولهم : »إياك أعني واسمعي يا جارة« .
وقد جاء مثل هذا في قوله تعالى : { لئن أشركت ليحبطن عملك . . } . ( الزمر : 65 ) . وقوله تعالى : { يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين . . } ( الأحزاب : 1 ) .
{ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ . . }
المعنى : فإن كنت أيها الرسول الكريم على سبيل الفرض والتقدير في شك مما أنزلنا إليك ، من قصص المرسلين ، كقصة نوح وموسى وغيرهما ؛ فاسأل الذين يقرءون كتب الأنبياء ، كاليهود والنصارى ؛ فإنهم يعلمون أن ما أنزلنا إليك حق لا يستطيعون إنكاره .
وقد جرت عادة العرب أن يقدروا الشك في الشيء ؛ ليبنوا عليه ما ينفي احتمال وقوعه ؛ فيقول أحدهم لابنه : إن كنت ابني ؛ فكن شجاعا .
وجاء من هذا قول المسيح عليه السلام في إجابة الله تعالى يوم القيامة ما ورد في أواخر سورة المائدة : { إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته } . ( المائدة : 116 ) .
فهو عليه السلام يعلم أنه لم يقله ، وإنما يفرض قوله فرضا ؛ ليستدل عليه ، بأنه لو قاله لعلمه الله تعالى منه ، أي : إن كنت قلته على سبيل الفرض والتقدير ؛ فقولي هذا لا يخفى عليك .
ومن هذا قول بعض العلماء في محاورة تلاميذه : إذ كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة إلى متساويين . أي : إن كون الخمسة زوجا يستلزم ذلك ، وهذا لا يدل على أن الخمسة زوج ، وهكذا ما في الآية .
فهو يدل على أنه لو حصل الشك ؛ لكان الواجب هو فعل كذا وكذا ، وليس فيها دليل على وقوعه .
قال ابن كثير : قال قتادة بن دعامة : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا أشك ولا أسأل ) .
وقيل : خوطب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد : أمته ، ومعناه : فإن كنت في شك مما أنزلنا إليكم . xxxiv
{ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } .
والمعنى : أقسم ؛ لقد جاءك الحق الذي لا لبس فيه من ربك لا من غيره ؛ فلا تكونن من الشاكين المترددين ؛ بل كن من ذوي الإيمان الثابت بهذا الحق المبين .
{ 94 - 95 } { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ }
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ } هل هو صحيح أم غير صحيح ؟ .
{ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ } أي : اسأل أهل الكتب المنصفين ، والعلماء الراسخين ، فإنهم سيقرون لك بصدق ما أخبرت به ، وموافقته لما معهم ، فإن قيل : إن كثيرًا من أهل الكتاب ، من اليهود والنصارى ، بل ربما كان أكثرهم ومعظمهم كذبوا رسول الله وعاندوه ، وردوا عليه دعوته .
والله تعالى أمر رسوله أن يستشهد بهم ، وجعل شهادتهم حجة لما جاء به ، وبرهانًا على صدقه ، فكيف يكون ذلك ؟
فالجواب عن هذا ، من عدة أوجه :
منها : أن الشهادة إذا أضيفت إلى طائفة ، أو أهل مذهب ، أو بلد ونحوهم ، فإنها إنما تتناول العدول الصادقين منهم .
وأما من عداهم ، فلو كانوا أكثر من غيرهم فلا عبرة فيهم ، لأن الشهادة مبنية على العدالة والصدق ، وقد حصل ذلك بإيمان كثير من أحبارهم الربانيين ، ك " عبد الله بن سلام " [ وأصحابه وكثير ممن أسلم في وقت النبي صلى الله عليه وسلم ، وخلفائه ، ومن بعده ]{[416]} و " كعب الأحبار " وغيرهما .
ومنها : أن شهادة أهل الكتاب للرسول صلى الله عليه وسلم مبنية على كتابهم التوراة الذي ينتسبون إليه .
فإذا كان موجودًا في التوراة ، ما يوافق القرآن ويصدقه ، ويشهد له بالصحة ، فلو اتفقوا من أولهم لآخرهم{[417]} على إنكار ذلك ، لم يقدح بما جاء به الرسول .
ومنها : أن الله تعالى أمر رسوله أن يستشهد بأهل الكتاب على صحة ما جاءه ، وأظهر ذلك وأعلنه على رءوس الأشهاد .
ومن المعلوم أن كثيرًا منهم من أحرص الناس على إبطال دعوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، فلو كان عندهم ما يرد ما ذكره الله ، لأبدوه وأظهروه وبينوه ، فلما لم يكن شيء من ذلك ، كان عدم رد المعادي ، وإقرار المستجيب من أدل الأدلة على صحة هذا القرآن وصدقه .
ومنها : أنه ليس أكثر أهل الكتاب ، رد دعوة الرسول ، بل أكثرهم استجاب لها ، وانقاد طوعًا واختيارًا ، فإن الرسول بعث وأكثر أهل الأرض المتدينين أهل كتاب{[418]} .
فلم يمكث دينه مدة غير كثيرة ، حتى انقاد للإسلام أكثر أهل الشام ، ومصر ، والعراق ، وما جاورها من البلدان التي هي مقر دين أهل الكتاب ، ولم يبق إلا أهل الرياسات الذين آثروا رياساتهم على الحق ، ومن تبعهم من العوام الجهلة ، ومن تدين بدينهم اسمًا لا معنى ، كالإفرنج الذين حقيقة أمرهم أنهم دهرية منحلون عن جميع أديان الرسل ، وإنما انتسبوا للدين المسيحي ، ترويجًا لملكهم ، وتمويهًا لباطلهم ، كما يعرف ذلك من عرف أحوالهم البينة الظاهرة .
وقوله : { لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ } أي : الذي لا شك فيه بوجه من الوجوه ولهذا قال : { مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } كقوله تعالى : { كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ }
قوله تعالى : { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك } ، يعني : القرآن { فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك } ، فيخبرونك أنه مكتوب عندهم في التوراة . قيل : هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره على عادة العرب ، فإنهم يخاطبون الرجل ويردون به غيره ، كقوله تعالى : { يا أيها النبي اتق الله } [ الأحزاب-1 ] ، خاطب النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به المؤمنون ، بدليل أنه قال : { إن الله كان بما تعملون خبيراً } ولم يقل : بما تعمل : وقال : { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } [ الطلاق-1 ] . وقيل : كان الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بين مصدق ومكذب وشاك ، فهذا الخطاب مع أهل الشك ، معناه : إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان رسولنا محمد ، فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك . قال ابن عباس ومجاهد والضحاك : يعني من آمن من أهل الكتاب ، عبد الله بن سلام وأصحابه ، فيشهدون على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ويخبرونك بنبوته . قال الفراء : علم الله سبحانه وتعالى أن رسوله غير شاك ، لكنه ذكره على عادة العرب ، يقول الواحد منهم لعبده : إن كنت عبدي فأطعني ، ويقول لولده : افعل كذا وكذا إن كنت ابني ، ولا يكون بذلك على وجه الشك . { لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين } ، من الشاكين .